الغرب والويغور ورهاب صين المستقبل!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1962)

لا شك أن الأمر بالنسبة لبيكين كان جللاً، بحيث استدعى أن يقطع الرئيس الصيني خوجينتا وزيارته لإيطاليا والعودة على جناح السرعة، متخلياً عن حضور قمة أثرياء الكون الثمانية، بما يعنيه هذا المنتدى لصين اليوم التي يتقدم الإقتصاد سائر أجندتها. إذن، الصين التي لا زالت تداوي كدمات أحداث التيبت الأخيرة، التي لم يمضى عليها أكثر من ثمانية عشر شهراً، تنظر بعين الخطورة إلى ما تؤشر عليه هذه الشرارة الإيغورية التي تهدد أطراف ثوبها المترامي.

سوف يسهل، بدون شكٍ، على التنين الأصفر أن يحتوي مثل هذه الهبّات المزعجة التي تتجرأ على إيتانها تلك القوميات مجرد المليونية شبه المجهرية المتناثرة نتوءات في محيط غالبية الخان المليارية اللجب، لكنما ما أعاد الزعيم الصيني إلى بلاده مبدلاً أولوياته هو أن ما جرى، أو قد يجري، في إقليم سينكيانغ، أو تركستان الشرقية سابقاً، والذي قد ينتقل إلى سواه في حنايا الجسد الصيني وأطرافه، سوف يترك ندوباً تضاف إلى الندوب التيبتية الغائرة التي لم تبرأ بعد، وسيكون ليس من السهل على الزمن محوها، سواء أفي العلاقة بين قومياته العديدة، أو في سمعة و هيبة صين تندفع اليوم قدماً لأخذ دورها المستحق لها في عالم يدهشه تطورها قياسي السرعة.

في إنتظار أن تنجلي الأمور أكثر، كانت هناك روايتان لما حدث، أحدهما رسمية، والأخرى ويغورية، والأخيرة تكفّل الإعلام في الغرب بإيصالها مضخّمة إلى آذان العالم، والاثنتان لا يجب أن يؤخذا على علاّتهما، كما لا ينبغي إهمال واحدة منهما، إذ في كلٍ من اثنتيهما بعض من صحّة، الأولى كما هو متوقع تتجاهل نصف الكأس، والثانية، قد تشوبها بعض المبالغة، والأدهى يسيء لحقائقها تبني الغرب غير البريء لها… الرواية الرسمية علّقت أحداث المواجهات الدامية بين الأقلية الويغورية والغالبية الخانية، والتي ذهب ضحية بداياتها فقط ما يقارب الألف جريح وقتيل وما ينوف على مثله من المعتقلين، على مشجب الفتنة التي أشعل النزوع الإنفصالي وحدة فتيلها وأجّجها التدخل الخارجي ما سواه، متجاهلة واقع هناك ينبئ بإحتقان مزمن فرضته سياسة إندماج فج إتُّبعت لعقود تبتلع فيه الأغلبية أقلياتها، لاسيما منها تلك المتشبثة بتاريخها وثقافاتها ومعتقداتها وثرواتها، أو الحالمة بحالٍ من عدالة ومساواة أفضل في صين المستقبل… نعم هناك قلة ووغورية لم تتخلى عن دفين طموحاتها التاريخية أو أحلامها الإنفصالية، الأمر الذي منطقياً يصنع فرصة مواتية لتدخل المتدخلين، لكنما هناك إجماع على أن غالبية الووغور لا تذهب مثل هذا المذهب، ولا تتعدى مطالبها ما تتشبث به و أشرنا إليه آنفاً، حتى ليقال أن المتظاهرين كانوا بدايةً يرفعون العلم الصيني… يختزن إقليم سينكيانغ، الذي عاصمته أورموتشي مسرح بداية الأحداث، والذي مساحته تتعدى المليون وستمائة ألف كيلومتراً مربعاً، ويكتنز ثروات نفطية كبيرة و إحتياطي من الغاز هو الأكبر في الصين، وذي الموقع الحدودي الإستراتيجي المطل على ثمانية دول آسيوية، عوامل توتر عرقي مكتومة، تؤججها فجوة إقتصادية بين المستوطنين الهان الذين شجّعت بيكين لعقود هجرتهم إلى الإقليم، والتي تعاظمت بتعاظم العمل في قطاع النفط ذي الأهمية المتزايدة مع اضطراد تطور هذا العملاق الآسيوي، بحيث غدو اليوم الأغلبية المهيمنة في غالب مدنه، والمستفيدون أو المستفردون بغنائم تطوّر الإقليم إقتصادياً في سياق حصته في التطور الصيني العام، وبين إيغوره اللذين ينوؤن تحت ثقل الاحساس بمتراكم مظالم ثقافية ودينية وتهميشية لا يمكن إغفالها.

… والرواية الثانية التي تركز على المظالم وحدها، وتتجاهل حساسية الموقع والأهمية الاستراتيجية والإقتصادية والسياسية، وتأثيرات ما حدث على صورة ومستقبل الصين والعلاقة بين أقلياتها وأغلبيتها، يسيء لمصداقيتها وإن صدقت المظالم التي تسردها، التوظيف الخارجي، إذ أن ما قدمها الغرب كقيادة لهبة هذا الإحتقان الويغوري هي موجودة في واشنطن حيث عثروا على ربيعة قدير فجأة، وحوّلوها، وهي المهاجرة إلى الولايات المتحدة والحاصلة على جنسيتها، إلى زعيمة ملهمة تنافس الدلايلاما على دورة التليد في تنغيص سكينة التنين الأصفر؟!

هناك مسؤولية حقيقية تقع على كاهل الصين فيما حدث وفي عدم تداركه ومنع تفاقمه، وتظل الصين في كل الحالات قادرة على تجاوزه، إن عدلاً أو قمعاً، لكنما ما حدث يلقى ضوءاً على معتاد نفاق الغرب المزمن والوقح، إزاء ما حدث… لقد راعى أولاً، وهو يصيغ مواقفه وردود أفعاله الرسمية، ولا نقول الإعلامية، إعتبارات تحكمها مصالحه لا شعاراته، مثل، السوق المترامية المفتوحة خلف سور الصين العظيم، والأرصدة والاستثمارات الصينية المكدّسة بين أطنابه، والفيتو الصيني في مجلس الأمن، أو مستقبل المساومات المعتادة في القضايا المختلفة التي تخضع لقانون المقايضة وراء كواليس هذه الهيئة، التي يحتكرها الأعضاء الدائمون الخمسة، رغم “الرهاب” الغربي المضمر من غد التنين الصيني القادم لأخذ مكانته التي توازي حجمه في هذا العالم… بدأ بالدعوة لضبط النفس، وإلى نهاية سلمية للوضع، والحفاظ على حقوق المعتقلين، دون أن ينسى إظهار حرصه على وحدة الصين… نحن هنا نتحدث عن المعلن لا المضمر ولا المصداقية، لكن هل هذه هي حدود ردة فعل الغرب لو حدث مثل ما حدث، أو سنحت له مثل هذه الفرصة في ديار غير ديار الويغور في محيط الصين اللجب؟!

لقد عوّدنا الغرب على أن مصالحه هي دائماً معيار شعاراته الإنسانية المزعومة، والتي دوماً هي إنتقائية ويختلف مكيالها وفقما تقتضيه هذه المصالح، لذا نلاحظ أن الويغور هم هنا، ليسوا في منزلة من لهم مشكلة مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وأن إقليم سينكيانغ ليس إقليم دارفور، وأهله ليسوا أكراد العراق، كما أن ضحاياهم لا تعدل في ميزانه فتاة إيرانية واحدة سقطت في ظروف غامضة في المظاهرات التي أعقبت خسارة المعارضة في الإنتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، ثم إن ساحات أورموشي ليست ساحة تيان ان مين، فهم، ورغم الحرص على إقتناص فرصة الحدث، هم الأقرب في النهاية عنده إلى الشيشان أو يمكن إعتبارهم فلسطيني الصين، الأمر الذي يفسّر تحريضه الويغور باطناً ودعوتهم إلى ضبط النفس ظاهراً!!!

هل من غرابة؟! لنتأمل مواقف واحد من نجوم الرموز العاكسة بصفاقة لمثل هذه المعايير اللا أخلاقية الغربية والمنافقة… نظرة إلى “إنتفاضة” الرئيس الفرنسي ساركوزي مثلاً، إزاء إعتقال موظف في السفارة البريطانية في طهران، مشتبه في ضلوعه في التحريض على الأحداث الإيرانية الأخيرة للتحقيق معه، وصمته المشين إزاء الإهانات التي لاقاها أحد ديبلوماسييه المعتمدين لدى القدس المحتلة، وتكرارها مع مسؤولة المركز الثقافي الفرنسي هناك، التي ضربت وألقي بها أرضاً… الغرب الذي سمحت مناخاته العنصرية لقاتل معادٍ للإسلام أن يطعن الشهيدة المحجبة مروة الشربيني في قاعة المحكمة حتى الموت ثمانية عشر طعنة، لا يهمه الويغور ولا سواهم بقدر ما تهمه مصالحه… وكيف يواجه صين المستقبل!