هل سينكسر خنجر اوباما وهو يطعن الشبكة الحديدية ؟

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1962)

كما نجح في اصطياد ذبابة كانت تضايقه اثناء مقابلة تلفزيونية معه، يأمل الرئيس اوباما بالكثير من النجاح في اصطياد ما يعكر صفو امريكا في افغانستان، فهو قد حشد الحشود ومهد الارض والسماء لصيد ثمين كان قد وعد به مريديه ومنذ ايام حملته الانتخابية حيث كان يركز على افغانستان ويعتبر الانشغال بالعراق هو انحراف خاطيء عن الهدف الاصلي، وبذلك ميز نفسه عن سلفه بوش!

سحب بعضا من الفرق القتالية العاملة في العراق وارسل بها الى هلمند حيث ميدان اول عملية قتالية كبيرة تكون المبادرة فيها بيد الامريكان منذ احتلالهم غير المثمر لكابل واسقاطهم لحكومة طالبان فيها وهي ايضا اول تطبيق عملي لتوجهات اوباما السياسية والعسكرية، 4 الاف جندي معززين بكل ما يلزم جوا وبرا بل وحتى فضاءا حيث استخدام صور الاقمار الصناعية لتجهيز القيادة الميدانية بما تحتاجه من معلومات، وجرى تعزيز فكرة التركيز على افغانستان بالاتفاق الاخير مع الروس في اثناء زيارة اوباما الاخيرة لموسكو وذلك بفتح ممر جوي عبر روسيا لايصال الامدادات العسكرية التي ستمول التواجد الامريكي والاطلسي هناك، وباقصى سرعة واقل تكلفة.

ليس هذا فقط وانما جرى توقيت تنفيذ هذه العملية التي اطلق عليها اسم الخنجر مع بلوغ الجيش الباكستاني مرحلة اللارجعة في توغله بمناطق الحدود الوعرة، وزيرستان ووادي سوات، لملاحقة عناصر طالبان باكستان المتهمة بالتعاون مع انصار طالبان افغانستان، وبعد ان قطعت الحكومة الباكستانية شوطا في تنفيذ النصائح المخابراتية الامريكية المستقاة من التجربة العراقية في تشكيل فصائل ـ صحوة قبلية ـ كقوى محلية طاردة لتواجد الطالبان والقاعدة ومساندة لتحركات الجيش الباكستاني في تعقبهم ومقاتلتهم وفعلا جرى تشكيل العديد من تشكيلات هذه ـ الصحوات ـ وبالباكستانية تسمى ـ لشكرـ وهي حاليا تعمل جنبا الى جنب مع القوات الحكومية التي راحت تغدق على هذه القبائل او مجاميعها المقاتلة بالسلاح وهي تحظى بنوع من النفوذ عند سلطات الاقاليم الحدودية، وبالتوازي مع هذه التحركات الخشنة يجري تاكيد لدور التحركات الناعمة، والتي تعتمد على محاولات سياسية لانشاء اوسع تحالف قبلي وسياسي يمكن ان يكون درعا ذاتيا لحماية الحكومة الافغانية وقواتها من الاستنزاف والسقوط في المواجهات الجارية والتي يأس من تحقيق تقدم فيها حتى حامد قرضاي نفسه، فصار يتحدث عن المصالحة الوطنية حتى مع المعتدلين من طالبان، بل جرى الاتصال ببعض المقربين منهم وقدمت لهم دعوات لخوض حوار ينهي القتال ويضع السلطة بين يدي من يختارهم الشعب الافغاني بانتخابات نزيهة تشرف عليها قوى محايدة، لكن الرد جاء قاطعا من طالبان ومن المتحالفين معها : لا حوار الا مع الامريكان ولا شيء يناقش معهم سوى تنظيم عملية انسحابهم ودون شروط مع كل القوات الاجنبية الاخرى. بمعنى اخر فان الادارة الامريكية استعدت بعناية لهذه التحركات الشاملة من اجل كسر دائرة الاستنزاف المستمرة لقواتها ولكل اجراءاتها المتخذة في افغانستان منذ ثمان سنوات وحتى الان!

ادارة اوباما تريد من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الافغانية القادمة مناسبة للتغيير في الوجوه والاساليب، فالانتقادات المباشرة لادارة حامد قرضاي وجهازه الحكومي كانت بينة في تلميحات اوباما الواردة في خطابه اثناء استقباله لقرضاي في واشنطن، واشارته الى اهمية العناية بتحسين حالة الاهالي كشرط لتجاوبهم مع جهودها لمكافحة طالبان والقاعدة هي نقد صارخ للفساد المستشري بين اركان حكومته المتهرئة، والتي راحت تتراجع حتى عن ما اعتبرته انجازات لها في مجال حقوق الانسان كالقانون المدني للاحوال الشخصية عندما وافقت على تشريع برلماني يتيح معالجة قضايا الاحوال الشخصية حسب المذاهب ومدارسها الفقهية، كل هذا لارضاء المتشددين من السنة والشيعة املا في كسب ثقتهم المعدومة، وطبعا لم يكن هذا الاجراء بعيدا عن التوجيه الامريكي لاستمالة كل ما امكن استمالته وباي ثمن كان حتى لو كان ذلك الثمن هو اظهار قرضاي نفسه كدرويش ومتصوف ومتفقه دينيا كمحاولة يائسة لتحييد بعض الوجهاء والمتنفذين قبليا!

سبق لاوباما ان اكد على هذه الاساليب عندما طالب كل الدول المانحة لدعم حكومتي باكستان وافغانستان في مجالات الاغاثة والخدمة المباشرة لاستمالة التجمعات السكانية الحاضنة للمتشددين، فخصصت ادارته اكثر من مليار دولار كدعم مباشرللحكومة الباكستانية خلال هذا العام. اما افغانستان فان حالتها مختلفة لان حكومتها غير قادرة اصلا على مجرد التنقل وبحرية بين اقاليم البلاد، اي انه لا حل منظور الا بتقدم امني ملموس وهذا ماعجزت عن تحقيقه القوات الامريكية مع حليفاتها من دول الاطلسي منذ عام 2001 وحتى الان رغم وجود حوالي 80 الف من هذه القوات مع الالاف من القوات الحكومية الافغانية التي لا عمل لها سوى حراسة ما يمكن حراسته من المرافق العامة في المدن نهارا، وليلا تتمترس لصد الهجمات غير المتوقعة، اما خيبة امل الدول المشاركة في قوات الاطلسي من نهاية قريبة لتواجدها في افغانستان فقد اشاع بينها التململ والبحث عن ذرائع للتملص من هذه الورطة التي لا طائل من وراءها فالتواجد على الارض الافغانية ورغم كل ادعاءات حمايته لامن بلدانها من الارهاب الذي تصدره صار كابوسا يؤرق تلك القوات والحكومات معا بسبب التزايد النوعي لحجم الخسائر بين صفوف المدنيين الافغان من جهة وبين صفوف القوات الاطلسية من جهة اخرى وهذا ما يعمق من الفجوة الموجودة اصلا في العلاقة بين القوات وتطلعاتها التكتيكية والاستراتيجية، واغلبية الشعب الافغاني واهدافه القريبة والبعيدة!

يؤكد الرسميون الباكستانيون يؤكدون في كل مناسبة ان افغانستان هي بؤرة منتجة للارهاب كما هي بؤرة منتجة للمخدرات، ودون معالجة حكيمة للوضع هناك فان اذرعه ستنتشر في كل الارجاء، وتؤكد ان الحل الامريكي القائم على عقيدة فرض الامن بالقوة لا غير اثبت فشله، وهذا يعني ان الباكستان لا تريد توسعة فضاء المواجهة مع الداخل الباكستاني رغم انها تحاول الموازنة بنجاح بين المطالب الامريكية في ملاحقة المتشددين على طول الحدود الافغانية الباكستانية وتقليم اظفار انصارهم في المدن الباكساتنية وحواضرها، وبين الظهور بمظهر الدولة القادرة على حماية نفسها بنفسها، علاوة على محاولتها لتكريس صورة كونها دولة صديقة لامريكا وليست تابعة لها كما هي حالة دولة قرضاي!

اعلنت طالبان افغانستان من جانبها انها ستهزم عملية الخنجر الامريكي بعملية مقابلة اطلقت عليها الشبكة الحديدية، وما ترشح من اخبار تؤكد حصول مواجهات متحركة مع كل عملية توغل جديدة للقوات الامريكية في عمق اقليم هلمند حيث لا مفر من حرب الكر والفر الافغانية التي تلعب لعبتها باجادة عندما تهاجم بقوى كبيرة لا تعرف انها تلاحق اشباحا، ومعها بدأ العد اليومي للخسائر الامريكية، فحتى الان اعلنت القوات المهاجمة عن سقوط 7 جنود امريكان، واعلنت الحكومة الافغانية عن نزوح الالاف من المدنيين الافغان من سكان هلمند الى مناطق اخرى اكثر امنا!

يقول بعض الافغان من اتباع النظام الاشتراكي الافغاني المطاح به ـ جماعة نور محمد ترقي ونجيب الله ـ ان اي مقارنة منصفة بين الاوضاع الافغانية تحت الحكم الاشتراكي المطاح به والاوضاع الحالية التي تعتبر مثالا صارخا للاكذوبة الامريكية وسطحيتها بل واجرامها وانانيتها، يعطينا نوعا من الاجابات والدلالات الغائبة عن المشهد المثير للاسئلة والمفارقات والمقاربات المنسية، لم يكن وقتها مثلا انتاج المخدرات يشكل نسبة تذكر في الريف الافغاني اما الان فان انتاج المخدرات يشكل مصدر لثلثي الدخل القومي الافغاني بل يكاد يكون المصدر الوحيد للدخل في البلاد.

كانت مدن وبعض مناطق الارياف تنعم بشبكة كهرباء واسعة ومثلها شبكات الماء الصالح للشرب وكانت هناك رعاية صحية وتعليمية وخدمية اغلبها مجاني، وكانت هناك نوع من التنمية الزراعية والرعوية، وانتشرت دور الثقافة والعرض السينمائي وخاصة في العاصمة والمدن الكبرى، ووضعت الخطط الخمسية للاستنهاض الاقتصادي والتنمية البشرية والمادية، وازدهرت البعثات التعليمية للخارج وكانت المرأة تشارك بكفاءة في الحياة العامة وجرى التاكيد على ان التعليم ومحو الامية هو اساس في اي نهضة اجتماعية.

اما وان الامريكان قد تامروا على هذا النهج الانساني بدعم قوى الثورة المضادة المتغذية من باكستان ومخابراتها واطاحوا به بحجة الحفاظ على اسلامية شعبنا بوجه المد الاحمر، وبعد ان تم لهم ما ارادوا ولم يكتفوا بالتوقف عن مواصلة طريق البناء وانما هدموا كل ما كان قائما من بنى تحتية، جسور، طرقات، محطات اذاعة وتلفزيون، مراكز الاتصال الهاتفي، وكل شيء يؤدي الى خدمة عامة، بحيث تعلمنا من التجربة بان حتى طالبان كانت تملك ما تعتقده يخدم الشعب الافغاني، فهي قد حرمت كل اشكال زراعة وانتاج المخدرات. وهذا ما تؤكدة تقارير هيئات مختصة تابعة للامم المتحدة، وكانت تشجع الاهالي على زراعة المحاصيل التي توفر نوعا من الاكتفاء الذاتي للسكان.

اما سياسة امريكا المنافقة بمواقفها المعادية لتقدم شعبنا ايام الحكم الاشتراكي ثم باحتلالها المباشر لبلادنا حاليا فهي بمثابة تحطيم كامل لكل المقومات الحية القائمة، وهذا ما يجعل اغلب الافغان بما فيهم العلمانيين الوطنيين والمستقلين واليساريين الحقيقيين لا يثقون بامريكا ومن تاتي بهم ويتمنون اندحارها لتشرب من نفس الكأس التي جعلت الاشتراكيين الافغان يشربون منها، وليشاركهم الشرب من حالفهم من مشايخ النفط ومشايخ التعصب الاعمى الملتحف بالعباءة الاسلامية المنسوجة على هوى المغزل الامريكي، فالينقلب السحرعلى الساحر!

بعد الاعلان الامريكي عن بدأ عمليتة الكبيرة، “الخنجر”، صرح حكمتيار ـ وهو واحد من ابرز الوجوه المناوئة للاحتلال الامريكي لافغانستان، من خارج صفوف طالبان، وأحد الزعامات القبلية والسياسية التي كان لها دورا بارزا في حكومات المجاهدين الاولى بعد الاطاحة بحكومة نجيب الله ـ قائلا : ستكون امريكا رابع امبراطورية تبتلعها افغانستان ـ امبراطورية الاسكندر، امبراطورية جلالة الملكة البريطانية، الامبراطورية السوفياتية ـ!

مهما يكن من امر فاذا لم تؤدي طعنات الخنجر الامريكي للشبكة الحديدية الطالبانية الى كسر الخنجر نفسه، وربما اليد القابضة عليه ايضا فانها ستؤدي حتما الى تثلمه واصابة نصله بالرضوض البليغة!