الناخب البلغاري “يعاقب” جميع احزاب “التحول الدمقراطي”

صوفيا ـ جورج حداد ـ خاص:

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1963)

بعد بضعة اشهر فقط يكون قد مضى عشرون سنة على ما يسمى “التحول الدمقراطي” في بلغاريا، اي التحول من “النظام الشيوعي!!!” القديم الى “النظام الدمقراطي” على النسق الغربي، الذي بدأ في 10 تشرين الثاني 1989، باستقالة الرئيس الشيوعي “التاريخي” تودور جيفكوف الذي حكم بلغاريا مدة 35 سنة.

ويقول بعض الشيوعيين البلغار القدماء، المطلعين على بواطن الامور، ان جناح غورباتشوف في جهاز الكا جي بي الروسي، هو الذي لعب ـ من وراء الكواليس ـ الدور الاول في ازاحة تودور جيفكوف، بالتعاون مع السي آي ايه والموساد. وقد “نـُصح” جيفكوف بعدم المعاندة، حتى لا يكون مصيره كمصير نيقولاي تشاوشيسكو في رومانيا.

ولكن القوى السياسية، التي لعبت الدور المنظور في مسرحية “التحول الدمقراطي” هي اربع:

ـ الجناح الليبيرالي ـ الغورباتشوفي في الحزب الاشتراكي (الشيوعي سابقا) بزعامة رئيس الوزراء السابق اندريه لوكانوف، الذي كان على صلة وثيقة بالاميركيين، واتهم بالاستيلاء على اموال الحزب الشيوعي، وتوزيعها على جماعات مشبوهة، وتم اغتياله سنة 1996.

ـ “التحالف الازرق”، او ما كان يسمى “اتحاد القوى الدمقراطية”، الذي كان يضم عشرات التنظيمات والاحزاب والنوادي “الدمقراطية” المعادية للشيوعية، من انصار الفاشستية الهتلرية القدماء، الى الحزب الاشتراكي ـ الدمقراطي التقليدي، الى مختلف القوى البرجوازية القديمة، الى مختلف اشكال والوان الليبيراليين القدماء والجدد، الى حزب الخضر، الى شتى انواع المافيات والقطط السمان والفئران الصغيرة التي اخذت تتوالد بكثرة في اقتصاد السوق.

ـ انصار ملك بلغاريا السابق ساكسكوبورغوتسكي، الذي عزله وابعده الشيوعيون في 1947؛ والذي تحول مع عائلته الى “بزنسمانات” عاديين، الا انه كان على علاقة وثيقة بالدول الغربية، وراهن قطاع شعبي واسع في بلغاريا بأنه يمكن ان يستفيد من علاقاته للحصول على مساعدات مالية وقروض غربية لاخراج بلغاريا من الضائقة الاقتصادية الشديدة التي وقعت فيها بعد بداية “التحول الدمقراطي”.

ـ الحزب الاتني “التركي” (المسمى “حركة الحقوق والحريات”) بزعامة استاذ الفلسفة السابق السياسي الالعباني احمد دوغان، الذي تحول، بسحر “الدمقراطية” الساحر، من استاذ جامعة عادي الى احد كبار اغنياء بلغاريا (لدى زواجه الميمون اقام حفلة حضرها عشرة آلاف مدعو فقط من “علية” القوم!)، ويتهمه البعض بأنه عميل سابق للشرطة السرية في العهد الشيوعي، ولكن التهمة الاكثر شيوعا عنه هي انه “عميل تركي”.

وبعد اقالة تودور جيفكوف واحالته الى المحاكمة (التي لم تكتمل) مع عدد من قادة الحزب الشيوعي السابقين، ولكسر عقدة الخوف من “بعبع الشيوعية”، تم اخراج مسرحية الاحراق الجزئي لمقر الحزب الشيوعي في صوفيا، بمشاركة اطراف في الحزب ذاته. ثم عقدت جلسات “الحوار الوطني” في ما يسمى “الطاولة المستديرة”، التي شارك فيها ممثلو الاحزاب والتكتلات الاربعة المشار اليها، للمحافظة على السلم الاهلي، ولوضع أسس “التحول الدمقراطي” المنشود. وفي 1990 انتخبت “الجمعية التأسيسية” التي كانت مهمتها تعديل الدستور بما يتلاءم مع المرحلة “الدمقراطية” الجديدة. وكانت ابرز سمات الدستور الجديد: الغاء حكم الحزب الواحد (الشيوعي) والانتقال الى نظام التعددية الحزبية؛ والغاء الاقتصاد الموجه (الاشتراكي!) والانتقال الى اقتصاد السوق (الرأسمالي).

وخلال العشرين سنة الماضية شهدت بلغاريا “الدمقراطية” الظاهرات التالية:

ـ1ـ انفلاش سياسي واعلامي الى درجة الفوضى شبه الكاملة.

ـ2ـ تراخي قبضة الدولة، والنهب شبه التام للملكية العامة (ملكية الدولة والملكية التعاونية)، وظهور طبقة “رأسمالية” جديدة، جمعت ثرواتها ليس من اي انتاج، بل من النهب واللصوصية والصفقات المشبوهة والتهريب وما اشبه؛ تفشي الرشوة والفساد والجريمة المنظمة؛ حرب الغانغسترات التي ذهب ضحيتها عشرات بل مئات “البوسات” و”البارونات” ورجال العصابات؛ خصخصة الاقتصاد و”بيع” المرافق العامة بقروش زهيدة (مثلا شركة الطيران الوطنية السابقة “بلقان” تم بيعها الى شركة اسرائيلية مشبوهة اسمها “زئيفي” بـ150 الف دولار فقط، وهو مبلغ لا يكفي لشراء دولاب طيارة فقط، ويشاع ان الوزير اليهودي الذي سمسر لبيع “بلقان” قبض 5 ملايين دولار بدل “اتعاب” لهذه السمسرة، وقامت “زئيفي” ببيع الطائرات الجديدة التي كانت تملكها “بلقان” وببيع حقوقها القديمة في الهبوط في اكبر مطارات العالم في فترة النهار، بعشرات ملايين الدولارات، وصرفت الـ 3500 طيار وفني وعامل وموظف، معلنة افلاس “البلقان”، وحينما رفعت الدولة البلغارية شكليا الدعوى على “زئيفي”، بتهمة النصب والاحتيال، اعلنت “زئيفي” افلاسها، وطارت شركة “بلقان” البلغارية الى غير رجعة). وغالبية عمليات “الخصخصة” التي تمت، هي على هذه الشاكلة.

ـ3ـ تدهور الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، وانحدار المعاشات التقاعدية بشكل مزر، بحيث ان العامل المهني الذي عمل 30ـ35 سنة اصبح معاشه التقاعدي لا يساوي بضعة دولارات. تفاقم البطالة. تفاقم الغلاء والتضخم. الانخفاض المريع لمستوى المعيشة. انخفاض معدل الولادات. زيادة معدل الوفيات. عودة امراض (كانت قد اختفت من بلغاريا) ناشئة عن سوء التغذية كالسل والانيميا والجرب. انتشار المخدرات حتى لدى الاولاد في عمر الـ 12 سنة. هجرة مئات الوف الشبان والفتيات للعمل “الاسود” (غير القانوني) المخفض الاجر في اوروبا الغربية. انخفاض عدد السكان بشكل مريع.

ـ4ـ ولكن في مقابل ذلك فإن “الدمقراطية” مدت جذورها في بلغاريا. وتبدى ذلك بالاخص في “التسامح الاتني والديني”، من جهة، وفي التداول السلمي للسلطة بين مختلف الاحزاب والكتل السياسية، من جهة اخرى.

وخلال السنوات العشرين الماضية، تناوبت السلطة الكتل والاحزاب الاربعة المشار اليها آنفا، اما بشكل منفرد، واما بشكل ائتلافي.

وجاءت الانتخابات النيابية الاخيرة في 5 – 7 – 2009، بعد حوالى عشرين سنة من بداية “التحول الدمقراطي”، لتسجل نقطة تحول حقيقية في ذلك “التحول”. ولنلق نظرة على نتائج الانتخابات ومدلولاتها:

حسبما اعلن رئيس الوزراء الحالي سيرغيي ستانيشيف فاق عدد المقترعين 4,1 مليون وهو ما يزيد على 60% من عدد الناخبين، ويدل برأيه على الاهتمام السياسي للمواطن البلغاري. ولكن رئيس الوزراء (رئيس الحزب الاشتراكي البلغاري ـ الشيوعي سابقا) اعترف بالتقلص الملحوظ للمقترعين للحزب، حيث ان عدد الذين اعطوا اصواتهم لحزبه في انتخابات 2005 بلغ 1100000 شخص، اما الذين صوتوا له في الانتخابات الاخيرة فلم يتجاوز 720000 ناخب.

وحسب اعلان اللجنة العليا للانتخابات توزعت نسب التصويت كما يلي:

ـ حزب “غيرب” (“المواطنون لاجل التنمية الاوروبية”، وهو حزب جديد) 39،71%

ـ الحزب الاشتراكي وحلفاؤه 17،71%

ـ الحزب “التركي” (حركة الحقوق والحريات) 14،46%

ـ الحزب “القومي” (أتاكا، وهو حزب جديد) 9،36%

ـ التحالف الازرق 6,76%

ـ حزب “نظام، شرعية، عدالة” (حزب جديد) 4،13%

وبالاضافة الى الانتخابات النسبية (بموجب اللوائح) جرت في بعض الدوائر انتخابات فردية (الفوز بالاكثرية المطلقة للاصوات) ففاز حزب “غيرب” بـ 22مقعدا اضافيا، والحزب “التركي” بـ 4 مقاعد، والحزب الاشتراكي بمقعدين.

وهناك عدد من الاحزاب الصغيرة لم تحصل على نسبة 4% كي يحق لها اجتياز عتبة البرلمان. ولاحقا توزع اصوات الاحزاب الخاسرة على الاحزاب الفائزة، بالنسبة. وقبل اجراء هذا الحساب سيكون توزيع المقاعد النيابية (240 مقعدا) كما يلي تقريبا:

ـ حزب “غيرب” ـ 112 مقعدا

ـ الحزب الاشتراكي وحلفاؤه ـ 43 مقعدا

ـ الحزب “التركي” ـ 38 مقعدا

ـ الحزب “القومي” (اتاكا) ـ 24 مقعدا

ـ التحالف الازرق ـ 19 مقعدا

ـ حزب “نظام…..” ـ 9 مقاعد.

ماذا نستنتج من هذه النتائج؟

اولا ـ ان حزب “غيرب” الجديد، الذي يتزعمه الجنرال بويكو بوريسوف رئيس بلدية صوفيا حاز لوحده على نسبة اصوات وعدد مقاعد تعادل وتزيد على مجموع ما حاز عليه “الفرسان الاربعة” جميعا لـ”التحول الدمقراطي” في 1989: الشيوعيون السابقون، و”الدمقراطيون”، و”الملكيون” و”التركيون”. اي ان الناخب البلغاري، بعد ان اكتوى بالتجربة “الدمقراطية”، فقد عاقب سياسيا جميع “فرسان” “التحول الدمقراطي” في 1989.

ثانيا ـ ان حزب “الملكيين” لم يدخل البرلمان لانه لم يحز نسبة 4% من الاصوات وقد اصبح في خبر كان، مع انه في انتخابات 2001 حاز لوحده حواى 50% من الاصوات.

ثالثا ـ ان “التحالف الازرق” (اتحاد القوى الدمقراطية)، الذي كان منه رئيسان سابقان للجمهورية ورئيسان سابقان للوزراء، بالكاد اجتاز عتبة الـ 4% ؛ وهو ايضا في طريقه الى الزوال شبه التام، وهذا يدل اما على عدم “دمقراطية” هؤلاء “الدمقراطيين” المزيفين، واما على عدم قناعة المواطن البلغاري بالـ”دمقراطية” الغربية المزيفة، التي تعني عمليا البطالة والجوع والنهب والسلب والرشوة والفساد والجريمة المنظمة.

رابعا ـ ان الحزب “التركي” الذي يتزعمه “العميل” احمد دوغان، هو الوحيد الذي زاد نسبته التمثيلية وزاد عدد مقاعده. ولكن هذا الحزب، حقق هذا “التقدم” ليس بصفته السياسية (كحزب دمقراطي او ليبيرالي او ما اشبه) بل بناء على التحريض والتعبئة الاتنية والدينية (التركية ـ الاسلامية)، مما يهدد الوحدة الوطنية لبلغاريا على الطريقة اليوغوسلافية. ولكن هذا الحزب جرت “معاقبته” ايضا بطريقة اخرى، ولكنها طريقة فعالة جدا، وهي ان الناخب البلغاري اعطى اكثرية اصواته (حوالى 50% من الاصوات) لحزبي “غيرب” و”أتاكا”، اللذين هما حزبان “قوميان” بلغاريان معاديان لـ”تتريك” بلغاريا؛ الا ان حزب “اتاكا” يتصف بالتطرف القومي، وهو يهاجم الحزب “التركي” بشدة؛ في حين يتصف حزب “غيرب” بالاعتدال، ويدعو الى التسامح القومي والاتني والديني، ولكنه يدعو الى وضع حد لسياسة التعبئة والتحريض القومية ـ الدينية التي يمارسها حزب دوغان، والى قطع علاقاته الخارجية المشبوهة والالتزام العملي بالوحدة الوطنية للبلاد.

خامسا ـ الفشل الكبير للحزب الاشتراكي (الشيوعي سابقا) الذي ينتمي اليه رئيس الجمهورية الحالي ورئيس الوزراء الحالي. وهناك انطباع واسع الانتشار بأن قطاعا واسعا جدا من جمهور الحزب الاشتراكي ذاته، والذي لا يزال يحتفظ بعضويته في الحزب ومنظماته الجماهيرية الاخرى، قد صوت ضد لوائح ومرشحي حزبه، وان هذا الجمهور اعطى اصواته الى حزب “غيرب” الذي فاز بالانتخابات. وهذا “العقاب” الشديد الذي تعرض له الحزب الاشتراكي، من قبل قاعدته الشعبية بالذات، يدل على عدم الرضى الواسع من قبل هذه القاعدة، على “الخط اليميني” الاورو ـ اطلسي الذي تسير فيه قيادة هذا الحزب.

سادسا ـ بالرغم من ان حزب “نظام، شرعية، عدالة” حصل على اقل نسبة بين الاحزاب الفائزة، الا انه من الملفت ان هذا الحزب هو جديد تماما على الساحة، وهو ـ برئيسه المدعو ياني يانيف والعديد من “كوادره”، يتألف من عناصر من الشرطة السرية السابقة، وهو على علاقة وثيقة بالموساد الاسرائيلي، وهو الذي دعا الجنرال داني ياطوم رئيس الموساد السابق للاقامة في صوفيا بحجة حماية قادة الحزب؛ وبروز هذا الحزب بسرعة ودخوله البرلمان يدل على وجود مراكز قوى فعالة تدعمه، وهو سيكون اداة تحريك لاحداث متوقعة وغير متوقعة، خصوصا وانه يمثل بؤرة جاسوسية نموذجية و”يلعب” على “الورقة القومية” كما على ورقة “مكافحة الارهاب” الاميركية ـ الاسرائيلية.

سابعا ـ ان حصول حزب يمين الوسط المعتدل “غيرب” (الذي هو حزب جديد ايضا) على هذه النسبة العالية من اصوات المقترعين يدل بوضوح ان هذا الجمهور ليس جمهوره الخاص، بل هو جمهور او جماهير الاحزاب الاخرى التي صوتت “ضد” احزابها اكثر من كونها صوتت “مع” حزب “غيرب”. بكل ما يترتب على ذلك من احتمالات التغييرات المفاجئة للمزاج الشعبي. وهذا يعني ان بلغاريا مرشحة، كاحتمال، للدخول في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، حيث لم يعد يوجد في البلاد “قوة سياسية” رئيسية متماسكة تمسك بزمام الامور وتدير دفة الاحداث.