في ذكراه لا تقتلوه للمرة الثالثة: ناجي العلي من الطفولة المشردة إلى النهاية المفجعة

بقلم الاعلامي: خالد الفقيه ـ فلسطين المحتلة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1965)

ولد الفنان ناجي سليم حسين العلي في قرية الشجرة بالجليل الأعلى قرب الناصرة في فلسطين عام 1936، ويرتبط اسم القرية بالسيد المسيح عليه السلام الذي تقول بعض الدراسات التاريخية أنه استظل تحت إحدى أشجارها، وهو ما قد يفسر اهتمام الفنان فيما بعد بإظهار آلام السيد المسيح كدلالة على معاناة الشعب الفلسطيني.

عاش ناجي العلي في كنف أسرته ذات الأصول الفلاحية في القرية المختلطة دينيا،ً إذ كان يسكنها المسيحيون إلى جانب المسلمين إضافة إلى بعض اليهود الذين إستوطنوها في عشرينات القرن الماضي. انفصل اليهود تدريجياً عن باقي السكان وأقاموا مستوطنة لهم على الجانب الآخر من القرية. شهدت الشجرة قبل النكبة عدة مناوشات بين السكان العرب والمستوطنين اليهود الذين هاجموا القرية عدة مرات، ولكن بمساندة أهالي القرى المجاورة استطاع الفلسطينيون صدهم أكثر من مرة. خلال هذه المواجهات، سقط عدد من أبناء القرية شهداء وجرحى. “يتذكر ناجي تلك الأحداث، ولاسيما حين قام يهود تلك المستوطنة باقتحامهم الأول للقرية. استشهد حينذاك خيرة شبابها، وفي اليوم التالي استعيدت القرية بعد أن آزرتها القرى الفلسطينية المجاورة، “وظل الوضع على حاله حتى دخول “جيش الإنقاذ” وسقوط الجليل بأكمله في يد اليهود”[1].

تأثر ناجي منذ نعومة أظفاره بأصوله الفلاحية حيث نزل مع والده وأسرته إلى الحقل مبكراً، الأمر الذي يفسر فيما بعد حضور الأرض وعشقها في إبداعاته الفنية، وعندما كان في عمر العشر سنين حدثت الحرب المعروفة بالنكبة، وكانت قرية الشجرة إحدى ساحاتها. قتل اليهود وشردوا السكان وهدموا البيوت وأزالوا معالم القرية عن الوجود. استشهد العديد من المدافعين عن الشجرة ومنهم الشاعر الوطني، عبد الرحيم محمود. رغم حداثة سنه عند سقوط فلسطين عام 1948، إلا أنه أكد فيما بعد تأثره بما رسخ في ذهنه من مجازر، ومنها استلهم بعض رسوماته، إذ يقول: “كان عمري عشر سنوات، ومع ذلك أذكر قريتي جيداً، وأتذكر ليس فقط البيوت والأشجار بل الأعشاب والحصى، أما المدافعين عن القرية ملامحهم ما زالت في ذاكرتي”[2].

ناجي في المخيم

اتجه ناجي وأسرته بعد حرب عام 1948 إلى جنوب لبنان كما باقي أهل الشجرة والقرى المجاورة، وبقوا في البساتين طيلة صيف ذلك العام على أمل العودة إلى ديارهم. وبعد أن دهم الشتاء جماهير اللاجئين وطال انتظارهم العودة تحت أشجار بنت جبيل اللبنانية التي تعود لأحد أصدقاء والده، قررت العائلة وباقي المهجرين من الفلسطينيين الرحيل مرة أخرى لتحط بهم المسيرة فيما بات يعرف بمخيم عين الحلوة القريب من صيدا.

حياة المخيم لجيل ينحدر من الأصول الفلاحية القروية كانت صعبة، وكان على ناجي وباقي اللاجئين الفلسطينيين التأقلم مع واقعهم الجديد الذي أستُبدلت فيه منازلهم بخيم وزعتها وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة التي أنشئت بقرار دولي بعد حرب عام 1948 وما نتج عنها من تشريد لمئات الآلاف من الفلسطينيين. وفي ظل هذا الواقع المستجد تبلورت بدايات الوعي الأولى لدى ناجي. “وكانت حياة ناجي العلي في المخيم عبارة عن عيش يومي في الذل. فأحدث ذلك صحوة فكرية مبكرة لديه، عرف أنه وشعبه، كانا ضحية مؤامرة استعمارية دبرتها بريطانيا وفرنسا، بالتحالف والتنسيق مع الحركة الصهيونية العالمية”[3].

قام والده في المخيم، بتحويل خيمتهم الوحيدة إلى قسمين: الأول لحياة الأسرة المكونة من ناجي وأبيه وأمه وأخوته الثلاثة، والثاني حوله إلى دكان صغير لتقتات منه العائلة. رغم الحالة الاقتصادية الصعبة للعائلة إلا أن أباه أصر على إرساله للمدرسة التابعة لاتحاد الكنائس المسيحية، ولكن تعذر عليه إكمال تحصيله العلمي فاتجة مثل باقي أقرانه من اللاجئين للعمل أجيراً في قطف الحمضيات لمساعدة الأسرة على تلبية احتياجاتها اليومية. هناك عرف قيمة الارتباط بالأرض والتحول من مالك إلى أجير. عقب ذلك توجه برفقة صديقه محمد نصر الذي أصبح لاحقاً شقيق زوجته وداد إلى إحدى المدارس التابعة للرهبان البيض في طرابلس ليتعلم مهنة الميكانيكا لمدة عامين، عاد بعدها وافتتح ورشة لتصليح السيارات داخل خيمة أعدها لذلك في حرش مخيم شاتيلا.

بدأ اهتمامه بالرسم التعبيري يظهر عليه مبكراً متأثراً بالشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي، الذي كان من مجالسيه في المخيم. “هنا بدأت مواهب الرسم والميل نحو الفن بشكل عام تظهر عند ناجي. لكن طبيعة المدرسة والقائمين عليها، ]مدرسة الرهبان البيض التي انتقل إليها بعد مدرستي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في المخيم ومدرسة اتحاد الكنائس المسيحية[ لم تستطع إشباع رغبات الطفل في زيادة معارفه الفنية أو السياسية، مما دفعه للاستماع للأحاديث التي كان يلقيها الشاعر عبد الكريم الكرمي…، وكانت هذه الأحاديث تتعمق في نفسية الطفل الصغير يوماً بعد يوم، كانت عيناه تنظران إلى داخله عندما يجلس على الأرض ويرسم بحرارة ثم يمسح الرسمة بكف يده”[4].

تعرض ناجي لإصابة عمل في مشغله الذي افتتحه مما حال دون استمراره فيه لا سميا وأنه خضع لعملية جراحية، فسافر إلى السعودية عام 1957 وبقي هناك لمدة عامين. عاد بعدها إلى لبنان حيث تأثر بالمد القومي والحركة الناصرية، فالتحق بصفوف حركة القوميين العرب التي أنشأها الدكتور جورج حبش وعدد من رفاقه الآخرين في جامعات لبنان رداً على هزيمة الأنظمة العربية في حرب عام 1948. رفعت الحركة عدداً من الشعارات التي لاقى فيها الكثير من الفلسطينيين وغير الفلسطينيين ملاذاً لهم في مواجهة ضياع معظم فلسطين، فتبنى ناجي الشعار: وحدة. تحرر. ثأر. “إن الكثير من مفاهيم الحركة وشعاراتها بما في ذلك اسمها تحدد قبل المؤتمر الأول للحركة عام 1956، ]الحديث هنا للدكتور جورج حبش في حوار مع الصحفي فؤاد مطر الذي نشره في كتاب بعنوان حكيم الثورة عام 1984 [، وإذا اعتمدنا العلمية والدقة فإن “حركة القوميين العرب” هي وليدة نكبة عام 1948، ووجودها مرتبط ارتباطاً مباشراً بالنكبة”[5].

أبعد ناجي المتأثر بهذه الشعارات والمنتمي إليها أربعة مرات عن صفوف تنظيم القوميين العرب بسبب عدم انضباطه الحزبي خلال عام واحد، إذ يقول: “لم أكن في حالة رضا عن النفس رغم وجودي في صفوف الحركة. كانوا يتحدثون كثيراً، الأفكار تكدست في رأسي، تعلمت، فهمت الكثير معهم وأيقنت من ذلك التاريخ أن اليوم آت والثورة ستكون”.[6]رغم علاقته غير الثابتة مع القوميين العرب، إلا أنه أصدر وبالتعاون مع رفاقه فيها نشرة سياسية أسماها الصرخة كانت تكتب باليد واستمرت حتى عام 1961.

لاحظ رفاقه ميوله للرسم أثناء عمله معهم في نشرة الصرخة فشجعوه على اللحاق بأكاديمية بطرس للفنون في بيروت، لكنه لم يستمر طويلاً على مقاعد الدراسة بسبب اعتقاله من قبل قوى الأمن اللبنانية أكثر من مرة أمضاها في عدة سجون وثكنات عسكرية لبنانية، حوّل خلالها جدران الزنازين التي حل ضيفاً عليها لوحات فنية عبر فيها عن مأساته وآلام شعبه المهجر واللاجئ في المنافي. وعقب ذلك أضحى مدرساً للرسم في الكلية الجعفرية بصور لمدة ثلاث سنوات.

كان ناجي كذلك مولعاً بالمسرح فانخرط أثناء وجوده في حركة القوميين العرب بفرقة المسرح التابعة للحركة، لكن هذا النوع من الفن لم يرق له طويلاً فاتجه نحو الكاريكاتير. “لقد تحدد درب الفنان في سلوك هذا الطريق بين جدران السجن. فقد اكتشف أنه يستطيع أن يسخر من جلاده من خلال رسمه على نحو يثير حنقه”[7]. كانت الرسمة الأولى التي وضعت ناجي العلي على سلم الإعلام المكتوب كأحد فناني الكاريكاتير هي تلك التي التقطها الأديب غسان كنفاني وأعاد نشرها عام 1961 في مجلة الحرية التابعة لحركة القوميين العرب والتي كان يرأس تحريرها. وهو ما أكده ناجي في أكثر من حديث صحفي له في وقت لاحق. “وظللت أرسم على جدران المخيم ما بقي عالقاً بذاكرتي عن الوطن، وما كنت أراه محبوساً في العيون، ثم انتقلت رسوماتي إلى جدران سجون ثكنات الجيش اللبناني،…، إلى أن جاء غسان كنفاني ذات يوم إلى المخيم شاهد رسوماً لي، فأخذها ونشرها في مجلة “الحرية“، وجاء أصدقائي بعد ذلك حاملين نسخاً من “الحرية” وفيها رسوماتي…. شجعني هذا كثيراً…. حين كنت صبياً في عين الحلوة، انتظمت في فصل دراسي وكان مدرسي أبو ماهر اليماني…. وعلّمنا أبو ماهر أن نرفع علم فلسطين وأن نحييه. وحدثنا عن أصدقائنا وأعدائنا….. وقال لي حين لاحظ شغفي بالرسم “ارسم… لكن دائماً لفلسطين”[8].

اكتسب ناجي العلي مهاراته وصقلها لوحات كاريكاتيرية من واقعه الذاتي كلاجئ مشرد من وطنه بقهر السلاح، فقير تائه في أزقة المخيمات. استثمر العلي الظرف الموضوعي الذي توفر في لبنان من حيث لقائه بالأديب كنفاني وبأبي ماهر اليماني، وانخراطه في صفوف حركة القوميين العرب، واعتقاله أكثر من مرة في لبنان، الأمر الذي وفر له خميرة أساسية للانطلاق بريشته معلناً تمرده على واقعه وواقع أبناء شعبه المشردين. من هنا كانت أولى رسوماته المنشورة عبارة عن خيمة تنبلج منها الثورة. “الرسم الأول في حياته الفنية كان يمثل “خيمة” على شكل هرم، وفي قمة الخيمة بركان ترتفع منه يد مصممة على التحرير”[9].

رحلة الكويت

أبقى ناجي على صلاته مع تنظيم حركة القوميين العرب رغم عدم التزامه تنظيمياً في صفوفه. بالإضافة إلى مجلة الحرية التي واظب على الرسم فيها، توجه إلى الكويت للعمل في مجلة الطليعة الأسبوعية التي كانت تتبع فرع التنظيم في الكويت عام 1963. وكان الدافع وراء سفره هذه المرة صعوبة الحياة في لبنان والمضايقات التي فرضتها الحكومة اللبنانية على اللاجئين الفلسطينيين فيما يخص حقوق العمل وممارسة الأنشطة السياسية. كانت دول الخليج ومنها الكويت في حينه بحاجة للأيدي العاملة والفنية، مع حصول معظمها على استقلالها وبدئها بناء مؤسساتها وبناها التحتية، وفي ظل التخمة المالية الآتية من النفط المتدفق في الخليج، كانت هذه الدول بحاجة إلى العمالة ففتحت أبوابها للفلسطينيين للعمل رغم توجسها، وخشيتها من هؤلاء المتقدين بالثورة والغضب على الدول العربية المتهمة بإضاعة وطنهم. دول الخليج أرادت منهم عمالاً يبنون ويتقاضون رواتب جيده تعوضهم عن سنين حرمان ما بعد النكبة وتعين عوائلهم المقيمة في المنافي على مواجهة متطلبات الحياة، ولكنها كانت في الوقت ذاته تخشى الفلسطيني المتسلح بوعي قومي حتى لا تنتقل الحمى التي يحملها إلى شعوبها التي فارقت البداوة حديثاً.

فور وصوله الكويت، انخرط ناجي في العمل الصحفي داخل مجلة الطليعة التي وجد فيها ضالته المنشودة، والتي من خلالها عبرعما يجول في باله. استطاع خلال عمله أن يلامس هموم المواطن العربي اليومية، لكن دافعيته للعطاء دفعته للبحث عن بديل يومي يستوعب طاقته. انتقل إلى جريدة السياسة الكويتية اليومية رغم أن خط الجريدة السياسي غير منسجم مع تفكيره، فاشترط ألا يتدخل أحد في عمله الذي استمر فيه حتى عام 1974. خلال هذه الفترة التي تعد الأهم في حياته كفنان كاريكاتيري، أرخت الكثير من الأحداث المتعلقة بالقضية الفلسطينية أو بالعالم العربي بظلالها عليه ودفعته للاقتراب منها أكثر فأكثر استجابة لتوقعات قرائه. في الكويت أزعج ناجي بريشته ملاك الثروة والإعلام والسياسة، وهو ما سنتطرق إليه في فصل لاحق. انتقد أمراض المجتمع والفساد الإداري والمالي، كما انتقد عدم أهلية الحكام، “لذلك ليس صدفة أن تكون أولى رسوماته في الكويت عبارة عن لص يدخل بلدية الكويت، ويخرج صائحاً سرقوني”[10].

أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وبعد أشهر انطلقت المقاومة الفلسطينية المعاصرة وعلى رأسها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). أدرك ناجي هنا أن ولادة المنظمة ليس إلا صك براءة لذمة الأنظمة العربية كي تتخلى عن مسؤولياتها تجاه ضياع فلسطين. أثناء عمله في الكويت أيضاً، حدثت هزيمة الأنظمة العربية الثانية عام 1967 التي اصطلح على تسميتها لاحقاً بالنكسة، وكان لها الأثر البالغ في إبداعاته الكاريكاتيرية التي عبر عنها بألم وحزن ونقد. خشي ناجي في الكويت على نفسه من الانزلاق في ترف ومتعة الحياة وتدفق المال والابتعاد عن قضيته الوطنية والقومية.

تزوج ناجي عام 1964 من وداد نصر حيث سافر إلى صيدا وعقد قرانه عليها ثم عاد إلى الكويت التي كانت تعيش قلاقل سياسية بين الأسرة الحاكمة والمعارضة. جاء الإعلان عن تنفيذ العاصفة الجناح المسلح لحركة فتح أول عملية عسكرية لها ضد الاحتلال الإسرائيلي ليدفع ناجي للرسم بريشته صورة كاريكاتيرية لمقاومة امرأة فلسطينية لجندي صهيوني يحاول اغتصابها وهي تصده. في معركة الكرامة عام 1968 كان أيضاً ناجي حاضراً . وفي 11/12/1967م ولد تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رحم حركة القوميين العرب والذي سرعان ما تشقق إلى ثلاث فصائل هي الجبهة الشعبية القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بزعامة نايف حواتمة، وبقي الكم الأكبر من أتباع التنظيم تحت قيادة جورج حبش. حزن ناجي العلي على هذا الأمر إلا أنه بقي منحازاً للجبهة الشعبية بقيادة حبش وفق ما يؤكد شاكر النابلسي في كتابه أكله الذئب، “أنا لست حزبياً لأحشر القارئ وأدفعه لتبني موقفي السياسي والآيدولوجي. فالمعركة واضحة جداً “أنا منطقة محررة ليست مجيرة لأي مؤسسة أو نظام… أنا متهم بالانحياز.. وهي تهمة لا أنفيها. أنا لست محايداً. أنا منحاز لمن هم (تحت).. لمن هم ضحايا الأكاذيب وأطنان التضليلات وصنوف القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات. أنا منحاز لمن ينامون في مصر بين القبور ولمن يخرجون من حواري الخرطوم ليمزقوا بأيديهم سلاسلهم. أنا منحاز للذين يقضون في لبنان ليلهم في شحذ السلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها. وأخيراً أنا منحاز لمن يقرؤون كتاب الوطن في المخيمات”[11].

انشد ناجي حتى العام 1974 ليس فقط للهموم الفلسطينية بل والعالمية، فحيا الثورة الفيتنامية في رسوماته وانتقد الدعم الأمريكي لإسرائيل والعلاقات الإيرانية في عهد الشاه مع تل أبيب. دافع عن الحرية والديمقراطية في الوطن العربي وعن الثورة الجزائرية والتعايش الإسلامي المسيحي العربي متأثراً بذلك من مصغره كابن لقرية مختلطة بين المسلمين والمسيحيين ومن ثم بالإمام موسى الصدر في المدرسة الجعفرية التي علم وعمل فيها لاحقاً.

كانت رسومات ناجي العلي قبل عام 1969 وخطوطه تأخذ عدة أشكال ذات دلالات رمزية واضحة ترتبط بما يريده هو شخصياً، لكن في هذا العام أوجد رمزه الخاص الذي لازمه حتى وفاته والمعروف باسم حنظلة، والذي قدمه لجمهوره بشرح وافٍ على صفحات جريدة السياسة بتاريخ 13/08/1969. في تقديمه للقارئ، لخص ناجي همومه كمواطن عربي ووجد في ولده كما كان يحب أن يسميه إلهامه. بدأ ناجي في جريدة السياسة يشعر بأنه محاصر وأن هامش الحرية الذي كان يمرح فيه داخل الطليعة الذي كان يتمتع به اثناء عمله فيها قبل انتقاله الى جريدة السياسة بات ضيقاً، وكان يقدم العديد من الرسومات يومياً للإدارة حتى تجيز له إحداها، فركز فنه في هذه الفترة على القضية الفلسطينية، وواكب أحداث أيلول وخطف الطائرات، ورحيل الرئيس جمال عبد الناصر، وكان لاغتيال الأديب غسان كنفاني في بيروت وقع الصدمة على ناجي فأدرك أن الموت بات يقترب منه أكثر.

شحذ ناجي ريشته مجدداً مع بدء ملامح عمليات التسوية السياسية بالظهور معلناً رفضه لكل حل لا يرجع فلسطين للفلسطينيين، وأشبع هنري كيسنجر سخرية برسوماته. عاد ناجي إلى بيروت عام 1974 بعدما طلب منه طلال سلمان العودة للعمل معه في جريدة السفير. فوجئ ناجي بتبدل الأحوال في المخيمات فلم تعد كما تركها سابقاً، “فقد شعرت أن مخيم عين الحلوة كان أكثر ثورية قبل الثورة، كانت تتوفر له رؤية أوضح سياسياً. يعرف بالتحديد مَن عدوه وصديقه. كان هدفه محدداً فلسطين، كامل التراب الفلسطيني. لما عدت، كان المخيم غابة سلاح، صحيح، ولكنه يفتقد إلى الوضوح السياسي، وجدته أصبح قبائل، وجدت الأنظمة غزته، وعرب النفط غزوه ودولارات النفط لوثت بعض شبابه…. صحيح هناك تفاوت بين الخيانة والتقصير، ولكنّي لا أعفي أحداً من المسؤولية. الأنظمة العربية جنت علينا، وكذلك الثورة الفلسطينية نفسها”[12].

ناجي من حرب المخيمات إلى خروج الثورة الفلسطينية من بيروت

عايش ناجي العلي بعد عودته من الكويت إلى بيروت الحالة غير المستقرة للوضع السياسي والأمني في لبنان وفي الوطن العربي بعد حرب عام 1973 وما تبعها من قسمة حادة في الحالة العربية. هنا لا يحاول الباحث الخوض في أسباب الحرب الأهلية التي شهدها لبنان منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ولكنه يرصد مواقف وسيرة حياة ناجي في خضم الاقتتال العنيف الذي كانت تشهده الأراضي اللبنانية والمعسكرات التي أفرزتها تلك الحرب.

آثر ناجي العلي البقاء في لبنان متنقلاً بين مخيم عين الحلوة وصيدا وصور والجنوب على ترك بلد يحرقه لهيب القنابل وتعمل فيه آلة الطائفية تقتيلاً وتمزيقاً رغم توافر الظروف له للعودة مع أسرته إلى الخليج للعمل هناك. هاجم ناجي الحرب الأهلية منذ بدايتها ورأى فيها حرباً بالإنابة عن آخرين بغية تصفية عروبة لبنان والمقاومة الفلسطينية. انبرى ناجي بريشته للدعوة للوحدة بين المسيحيين والمسلمين في مواجهة القوى المتحالفة مع إسرائيل على الساحة اللبنانية، اقترب الخطر منه أكثر بتعرض منزله للقصف عام 1981 دون أن يردعه ذلك عن التوقف “ففي عام 1981 جراء القصف الذي تعرضت له صيدا من قبل جماعة سعد حداد ]مؤسس جيش لبنان الجنوبي المرتبط بإسرائيل[، أصيبت ابنة ناجي “جودي” في قدمها، مما استدعى نقلها إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية، والتي ما زالت تعاني من نتائجها حتى اليوم”[13]. انتقد ناجي القوى الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، كما انتقد أعداءها دون خوف أو وجل مما أكسبه عداء جميع الفرقاء على الساحة اللبنانية ومن يقف وراءهم رافضاً كل التهديدات مؤمناً بما يمليه عليه عقله وتترجمه ريشته إلى فن ناقد ولاذع عبر جريدة السفير التي طور من خلالها فنه وأداءه. بقي مصراً على رفضه في هذه الفترة التي امتدت حتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 لكل محاولات سلخ القضية الفلسطينية عن عمقها العربي القومي، “فهو يصر على قومية المعركة، وعلى تركيز الرؤية على الخط الفاصل بين العمل الوطني الفلسطيني والعمل القومي العربي والعمل النضالي الأممي، ويؤكد على خصوصية الأول. بمعنى تكليف الفلسطيني بأعباء نضالية أكبر حجماً، وهو في السياق ذاته يؤكد على أن ذلك الخط ما هو إلا جزء لا يتجزأ من النضال القومي والأممي ذاته، ولا ينفصل أو ينفصم عنه بحال من الأحوال”[14].

تعرض ناجي بفنه في هذه الفترة إلى ظهور النفط والصراع الأمريكي السوفيتي على تقاسم النفوذ في العالم العربي، رفع ناجي من مستوى فنه لتوظيف النظرة المسيحية الوطنية تجاه القضية الفلسطينية خلال الحرب الأهلية، فمزج آلام المسيح الفلسطيني بالرموز المسيحية الأخرى. تعاطى برسوماته مع غياب الديمقراطية داخل المقاومة الفلسطينية وفي العالم العربي.

مكوث ناجي في لبنان لم يدم طويلاً إذ عاد إلى الكويت عام 1976 للعمل مع جريدة السياسة، “اضطررت إلى أن أتوقف عن العمل في جريدة السفير أثناء فترة تدخل سوريا في الحرب اللبنانية حيث تعطل جو الجريدة ومناخها الذي كنت أعبر به عبر الرسوم عن أفكاري. فرجعت إلى الكويت، ثم عدت مجدداً إلى بيروت”[15]. هنا يأخذ بعض النقاد على ناجي قصر تبريره الخروج من لبنان للعمل مع جريدة نحت نحو الإندغام مع توجهات النظام السياسي في الكويت وعودته عام 1978 إلى لبنان لمعاودة العمل مع جريدة السفير رغم الوجود السوري هناك وبقاء الحرب الأهلية على حالها. رأى ناجي أن عودته للعمل مع جريدة السفير يعطيه هامشاً أوسع من الحرية كونها بقيت مع المقاومة في الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد التقسيم الذي كانت تعمل من أجله قوى مسيحية في لبنان.

رجع ناجي إلى بيروت ليسكن صيدا بالقرب من مخيمه الأول عين الحلوة، لمس مع عودته أن الأمور تبدلت وأن المجتمع بات منقسماً طبقياً بشكل حاد. وجه سهامه نحو تحويل بيروت إلى مرتع مخابراتي عالمي، نقد الجوع والفقر والفساد والظلم. إجمالاً يمكن القول إن الحرب الأهلية في لبنان كانت محركه الدائم للرسم في هذه الفترة، “رسم العلي لوحات لا حصر لها تعليقاً على هذه الحرب منها اللوحات التي تقول ببساطة وبعيداً عن كل تأويل لليمين المتفلسف واليسار المُنظّر من أن الحرب الأهلية اللبنانية هي حرب أشعلها الأغنياء وجعلوا الفقراء والبسطاء وقودها”[16]. مجازر تل الزعتر عايشها ناجي العلي وجسدها بريشته، مثلما جسد سياسات الانفتاح التي اتبعها السادات في مصر، فهاجم أصحاب الحلول المنفردة على حساب القضية الفلسطينية، وكان حنظلة لسان حال ناجي في كل ما يريد أن يعبر عنه.

تأثر ناجي في لبنان بما يجري على الأرض وحزن حزناً شديداً على المذابح التي كانت تقترف في لبنان. في ذات الوقت كان يشحذ ريشته ويوجهها نحو دعم المقاومة، وكان همه ضرورة التوحد خلف المقاومة. ورغم مواقفه الناقدة لبعض سلوكيات الثورة الفلسطينية في لبنان إلا أنه تقدم ونال إعجاب كل فناني الكاريكاتير في العالم العربي حيث في عام، “1979 انتخب رئيس رابطة الكاريكاتير العربي”[17].

تلقى ناجي في هذه الفترة العديد من التهديدات ممن طالتهم رسوماته بالنقد والسخرية، ومع هذا نجح في قلب مزاج وأولويات متلقي إبداعاته، “لعب كاريكاتير ناجي العلي دوراً كبيراً في تغيير مفهوم القارئ لترتيب الجريدة، فبدلاً من قراءَتها من الصفحة الأولى كما جرت العادة -وذلك لاحتوائها على الأخبار السياسية المهمة – بدأ بقراءتها من الصفحة الأخيرة – لوجود كاريكاتير ناجي العلي عليها-“[18]. أصدر ناجي كتابه الأول عام 1976، وضمنه العديد من لوحاته التي كانت القضية الفلسطينية في أغلبها مضمونها، مما وضعه في دائرة الضوء عالمياً حتى وصفته إحدى الصحف (ايفنتس) Events، بأنه أحد شواهد المرحلة التاريخية.

ناجي العلي واحتلال إسرائيل للبنان عام 1982

شهد ناجي العلي العديد من الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بما في ذلك الغارات الجوية على مواقع المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان. إمتشق ناجي ريشته ووظف فكره في مساندة المقاومة وحاول كثيراً الدفع في مجهودات المقاومة بمحاكاته لصمود الفيتناميين في مواجهة أمريكا. في عام 1978، إندغم ناجي العلي مع المقاومة التي كانت تتصدى للعملية التي أطلق عليها الاحتلال الإسرائيلي (سلامة إصبع الجليل) في جنوب لبنان والتي هدفت لإبعاد المقاومة عن الجنوب اللبناني. رسم ناجي للشهداء وانتقد القيادات المتخاذلة والقوى الإنعزالية في لبنان التي تحالفت مع إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية واللبنانية. مع استمرار المقاومة، قامت إسرائيل باجتياح واسع للبنان حتى وصلت بيروت بهدف القضاء على الثورة الفلسطينية وذلك عام 1982.

بدأت إسرائيل بقصف المخيمات الفلسطينية، ووصلت بداية إلى صيدا، فآثر ناجي أن يتوجه من بيروت إلى صيدا ليكون بين المقاومين ليشد من أزرهم غير مكترث بخطر وأعباء الوصول إلى هناك مؤمناً بأن المعركة يتضافر فيها المجهود العسكري والثقافي. ذهب ناجي إلى صيدا ومكث فيها شهراً كاملاً إلى جانب المقاومين، وانقطعت أخباره ولم يعد بإمكانه إرسال رسوماته إلى السفير، فكثرت الإشاعات حول مصيره حتى أن أصدقاءه رثوه في الصحف والمجلات، وبقي الأمر كذلك إلى أن تسربت بعض أعداد نشرة المعركة من صيدا إلى دمشق وعليها عدد من رسوماته[19]. أعتقل ناجي مثل باقي الرجال في صيدا بعد أن أحكم جنود الاحتلال سيطرتهم عليها وذاق مرارة وقسوة الإهانة على يد الجنود الإسرائيليين. تحدث عن تلك الفترة بالقول: “كنت في صيدا أثناء الغزو الإسرائيلي، واجهت نفس ما واجهه الناس من رعب وخوف وعشت أيام القصف المدفعي وغارات الطيران، وقصف الزوارق البحرية، رأيت الدماء والقتلى بأم عيني…. ووقفت مع طوابير الناس تحت رحمة البنادق الإسرائيلية والشمس المحرقة على شاطئ البحر دون غذاء أو ماء لمدة يومين وهم يفرزون الناس ويدققون بهوياتهم، وبقيت في “صيدا” لمدة شهر بعد احتلالها، وفي تلك الأيام العصيبة لم أرسم، وحتى لو استطعت فإنني كنت غير قادر على توصيل رسوماتي إلى الصحيفة التي أعمل بها”[20].

حمل ناجي في رسوماته سقوط صيدا وقبلها جنوب لبنان بأيدي القوات الإسرائيلية لما أسماه التخاذل العربي والتآمر على تصفية المقاومة وتهيئة الأجواء لبدء التسويات السياسية التي وقف ضدها طوال حياته. جال ناجي برفقة ابنه خالد على مخيم عين الحلوة بعد تدميره ورأى آثار الدمار والخسائر في الآليات العسكرية الإسرائيلية على مدخل المخيم. وفي مواقف كثيرة بعد ذلك، وصف ناجي ما شهده من مجازر، ومن مقاومة باسلة أبداها الفلسطينيون في المخيمات. وقد كتب حول هذا: “جيلنا أعطى ولكن حجم المؤامرة علينا كان أكبر. الواقع العربي خدم أعداءنا، الواقع الدولي ومسائل أخرى كثيرة… شعبنا لا ينقصه قيادة بل حزب، حزب يملك دليلاً نظرياً كاملاً يبدأ من نقطة الصفر. لو فهم من كلامي أني غير راضٍ عن الثورة سأقول لك نعم أنا غير راض”[21]. وغير مرة خون ناجي من ينادون بانفراد الفلسطينيين في تحرير أراضيهم في رسوماته التي سترد معنا في الفصل القادم.

قرر ناجي بعد شهر في صيدا اختراق الحصار المفروض على بيروت والذهاب إليها مودعاً زوجته وأولاده الذين حاولوا منعه خشية على حياته “ترجيناه أن لا يذهب، تشبث به الأولاد ولكنه عندما يصر على أمر فلا يمكن لأية قوة أن تمنعه من ذلك. ذهب ونحن على أعصابنا إلى أن وصلتنا أخبار تفيد بوصوله سالماً إلى بيروت ففرحنا”[22]. الخطر في الطريق إلى بيروت هذه المرة كان أكبر، فإن أفلت من الإسرائيليين فربما يقع في يد الكتائب اللبنانية، سافر متقطعاً ما بين السيارات والمشي على الأقدام حتى وصل السفير وهناك استقبله زملاء العمل بدهشة على قدرته اجتياز كل هذه المخاطر.

مجدداً انخرط ناجي في الرسم، وحاول جاهداً بريشته رفع معنويات المقاومين والمدافعين عن بيروت فوزع رسوماته ليس فقط على السفير وإنما على كل صحيفة أو مطبوعة استطاع الوصول إليها مساهمة منه في مجهود المعركة ومقاومة الحصار الذي استمر ثلاثة أشهر على بيروت.

أثناء عمله في السفير تعرض مقر الجريدة للقصف ولكنه نزل إلى الطوابق السفلى وأصر على الاستمرار في العمل وإبداع رسوماته النارية المؤججة للمقاومة والصمود. في هذه الفترة وتحديداً في نهايتها، أصيب ناجي بانتكاسة نفسية مع سماعه عن بدء مفاوضات غير مباشرة بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل عبر وسطاء غربيين توطئة لخروج قوات المنظمة المقاتلة ورحيلها عن لبنان. دعا عبر رسوماته لرفض التفاوض وهاجم مؤيدي هذا النهج والوسطاء أنفسهم. لم يستطع ناجي كما يقول أن يخرج كما باقي الفلسطينيين لوداع قوات الثورة الفلسطينية المغادرة للأرض اللبنانية عبر البحر بموجب اتفاق بين منظمة التحرير وإسرائيل. “لم أستطع الخروج لتوديع المقاومة ورؤية الناس وهي ترش الزهور والأرز على المقاتلين. أقول عندما بدأ الرحيل ومع أول سفينة غادرت الميناء، رسمت فدائياً يترك السفينة الراحلة ويسبح عائداً إلى الشاطئ، وهو يقول “اشتقت لبيروت” “[23].

عايش ناجي العلي ظروفاً مجافية بعد خروج الثورة من بيروت، إذ نقض الاحتلال وعده بعدم إكمال احتلال بيروت، وسيطر وحلفاؤه اللبنانيون على بيروت الغربية ونفذوا مجازر صبرا وشاتيلا وفرضوا القوانين الدموية في لبنان. اختفى ناجي فترة طويلة من الزمن، “سبعة شهور ظل ناجي العلي يرسم في أقبية بيروت السرية وهو متخفٍ عن الصهاينة”[24]. رغم ذلك أصدر ناجي كتابه الثاني الذي ضمنه عشرات اللوحات بالأبيض والأسود. انسحب الإسرائيليون من بيروت في الوقت الذي تصادف مع انتهاء إقامة ناجي في لبنان والتي كان من المفروض أن تجدد تلقائياً أسوة بباقي اللاجئين الفلسطينيين. رفضت السلطات اللبنانية طلب تجديد إقامته فقرر الرحيل عن بيروت باتجاه الكويت وترك السفير التي رفضت دفع مستحقاته المالية، “إن القائمين على جريدة “السفير” رفضوا أن يدفعوا للعلي مستحقاته عن سنوات الخدمة التي قضاها في الجريدة، بحجة أن ما ينطبق على العامل اللبناني لا ينطبق عليه وهو الأجنبي غير اللبناني..!”[25].

الخروج الأخير من بيروت

أدرك ناجي أن دوره بات يشبه دور المؤذن المطلوب منه تحريض الناس وإشراكهم في تحمل المسؤلية تجاه ما يدور حولهم. أدرك كذلك أن مهمته بالتبشير في الثورة يمكن أن تحدث في أي مكان، وجد ناجي ضالته في صحيفةالقبس الكويتية التي كانت ذات ميول ناصرية وقتها ومنتقدة بشدة لسياسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتفتح صفحاتها لكل منتقدي سلوكيات منظمة التحرير لاسيما بعد زيارة القيادة الفلسطينية لمصر التي قاطعها العرب على خلفية زيارة رئيسها آنذاك أنور السادات للكيان الإسرائيلي وإلقائه خطاباً من على منبر برلمانه. على هذه الأرضية لم يجد ناجي العلي صعوبة في العمل مع القبس فانضم إلى أسرتها عام 1983.

سجل لناجي في القبس المرة الأولى التي يرسم فيها زعيماً فلسطينياً بشخصه واسمه وينتقده. كانت منظمة التحرير الفلسطينية تتمتع بعلاقات طيبة مع الكويت ونظامها السياسي، فاستثمرت هذه العلاقات كي توقف نقد ناجي لها، وتلاقت هذه الرغبة مع رغبة حكام الكويت الذين ضاقوا ذرعاً بناجي الذي طال نقده كل الأنظمة العربية التي منع بعضها دخول جريدة القبس إلى أراضيها بسبب رسوماته كما أكد شاكر النابلسي في كتابه أكله الذئب. في نهاية الأمر وفي عام 1985 أصدرت وزارة الداخلية الكويتية قراراً بإبعاده عن الأراضي الكويتية ولم تفلح جهود رئيس تحرير جريدة القبس محمد جاسم الصقر وقتها في وقف القرار. ناجي حاول استفسار الأمر من الجهات المعنية ونال الجواب، “إن ناجي سأل وزير الداخلية الكويتي عن سبب طرده فأجاب: ]لا سبب لدي[ ثم اتصل بمدير المخابرات الكويتي فكان جوابه أوضح وهو: أن هناك ضغطاً سعودياً فلسطينياً. ولا أستطيع أن أخبرك بتفصيل أكثر”[26].

الرحلة الأخيرة

منح أصحاب جريدة القبس فرصة لناجي للعمل معهم في جريدة القبس الدولية التي كانت تصدر من لندن، فتوجه إلى هناك مع أسرته واستمر في النقد لكل من اعتقد أنه سبب في ضياع فلسطين وفقدان الثورة الفلسطينية لبوصلتها. بدأ الرسم منذ اليوم الأول لوصوله لندن بشكل محموم وأقام العديد من المعارض. سافر ناجي إلى أمريكا تلبية لدعوات من الجاليات العربية هناك مرتين ونظم معرضين لكاريكاتيره وأعرب عن رغبته في تلك الزيارات لو يتمكن من الرسم على جدران البيت الابيض.

شهرته كفنان كاريكاتير سطعت عربياً أكثر منه عالمياً وذلك لعدة أسباب: “عامل اللغة وصعوبتها للقارئ الأجنبي، طبيعة المواضيع التي يتناولها في رسومه، وهي في الأساس محلية تخص الشارع العربي، عدم التزامه بأي تنظيم سياسي يشكل أداة دعائية لإشهاره، الحصار الذي تفرضه الصحف الإمبريالية على إنتاجه بسبب خضوعها للدعاية الصهيونية”[27]. مع هذا وصف ناجي في صحف غربية بأنه واحد من أشهر رسامي الكاريكاتير على مستوى العالم.

الاغتيال الأول

أغتيل ناجي العلي في لندن أثناء توجهه إلى جريدة القبس الدولية وذلك في شارع ايفز EVES بعد أن أوقف سيارته على جانب الشارع. وتفيد العديد من الكتابات والتحقيقات أن شاباً أسمر البشرة اقترب منه بعد ترجله من سيارته وأطلق الرصاص على رأسه قبل أن يلوذ بالفرار من المكان وذلك ظهيرة يوم الأربعاء الموافق 22/07/1987. أدخل ناجي العناية المكثفة في أحد المشافي البريطانية وبقي فيه إلى أن وافته المنية يوم 29/08/1987. تم دفنه في الثالث من أيلول من ذات العام في مقبره بروك وود Brook Wood، ووري الثرى في قبر يحمل الرقم 230190. أقفلت السلطات البريطانية ملف التحقيق في ظروف اغتياله. وفقاً لرواية الشرطة البريطانية فإن: ” “الشاب مجهول الهوية” الذي أطلق النار على ناجي العلي قد سار بمحاذاته وأطلق النار عن قرب على وجه ناجي حيث اخترقت الرصاصة صدغه الأيمن وخرجت من الأيسر”[28].

عقب اغتياله كثرت الاتهامات للجهات التي يمكن أن تكون وراء مقتله. اعتقلت الشرطة البريطانية فلسطينياً على خلفية الحادث يدعى حسن صوان واعترف بعلاقته بالموساد. يتهم البعض إسرائيل بالعملية وذلك لانتماء العلي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي قامت إسرائيل باغتيال بعض عناصرها. نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية قائمة بعمليات اغتيال ناجحة ارتكبها الموساد في الماضي وتم ذكر اسم ناجي العلي في القائمة، “بعد سلسلة العلميات الفاشلة التي مني بها “الموساد” الإسرائيلي في السنوات الأخيرة نشرت صحيفة “يديعوت أحرنوت” العبرية لائحة العمليات الاستخبارية “المظفرة” وفيها لأول مرة، اعترفت إسرائيل باغتيالها هذا الغزال الهادر، ناجي العلي”،[29]كما كثرت الاتهامات بهذا الشأن وتنوعت بمختلف الاتجاهات.

دفن ناجي في لندن، ورثاه العديدون من الكتاب والإعلاميين والشعراء بعيداً عن الوطن الأول وعن المخيم الذي أعطاه كل وقته. رسم ناجي عشرات الآلاف من الرسومات. وأصدر خلال حياته ثلاثة كتب وكان يتهيأ لإصدار الرابع. “نشر أكثر من 40 ألف رسمه كاريكاتيرية طيلة حياته الفنية، عدا عن المحظورات التي ما زالت حبيسة الأدراج، ما كان يسبب له تعباً حقيقياً”[30]. قضى ناجي بكاتم الصوت الذي كان يتوقعه في إحدى رسوماته لدى تناوله في إحدى رسوماته حالة الديمقراطية في الوطن العربي. امتلك ناجي أيضاً حدساً من نوع خاص، فبشر بالانتفاضة في الأراضي المحتلة عام 1967 وتنبأ بمسلسل التسويات السياسية وتراكض الأنظمة العربية نحوها.

اغتياله الثاني

عقب اغتياله المؤثر كتب الكثيرون عن ناجي تخليداً له، وبكاءً عليه، كان من بين من خلدوا ذكراه الفنان الرسام والنحات اللبناني شربل فارس الذي صنع له نصباً في الذكرى السنوية الأولى لرحيله بعد عمل استغرق عدة شهور. أكمل شربل النصب ووضعه على المدخل الشمالي لمخيم عين الحلوة الذي ارتبط ناجي به وجسده في العديد من رسوماته، إلا أن التمثال الذي بلغ ارتفاعه 275 سم وعرضه 85 سم تعرض للتخريب والتفجير وإطلاق الرصاص عليه ومن ثم الاختفاء عن المكان الذي وضع فيه، “التمثال من الأمام، يحمل الفنان ]ناجي العلي[ رسومه بيد وتشكل قبضة اليد الثانية بعروقها البارزة رمزاً لحجر الانتفاضة في فلسطين (وكان الفنان الشهيد أول من بشّر بها في رسوماته)”.[31]كان شربل الذي ارتبط بعلاقة صداقة حميمة مع ناجي، دشن النصب استجابة لطلب من جمعية ناجي العلي الثقافية. اندفع شربل فارس يغوص في ذاكرته ليجد ما يعطي الفنان حقه فاستحضر كل المواقف التي جمعتهما معاً ليستقي منها التصميم، “كنت أشعر في ذلك الوقت أنني أتقمص هذا الشخص، أتقمصه فناناً مناضلاً، وشهيداً، كنت أصنع فعله أكثر مما أصنعه كشخص، وكان الهم الأساسي ليس الشبه في وجه ناجي وجسده. بقدر فعله”.[32]

اختير مدخل المخيم لأن ناجي كان أوصى بأن يدفن فيه إلا أن الأمر تعذر. مع تدشين النصب وتنظيم احتفال لإزاحة الستار عنه حضرت مجموعة مسلحة وطوقت المكان وفجرته. بعد ذلك أعيد نصب التمثال إلا أنه تعرض لاعتداء آخر من قبل مجهولين حيث أطلقت النار على عينه ودمرت يده قبل أن يختفي بالكامل من المكان.

إذاً نصب تخليد ذكراه جرى اغتياله وبهذا يكون قد اغتيل مرتين، لكن حنظلة ورسوماته الأخرى بقيت من بعده ولا زالت تنشر حتى اليوم رغم رحيله المفجع والمأساوي. ومع مرور الزمن نقول لا تقتلوه للمرة الثالثة واحترموا دم الغزال المسفوح.


[1] الأسدي، عبده وتدمري، خلود: دراسة في إبداع ناجي العلي، بيروت: دار الكنوز الأدبية، ط1، 1994، ص 32.

[2] العابودي، فادي عبد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مجد الكروم: روضة الشهيد ناجي العلي، 1989، ص15.

[3] كلَّم، محمود عبد الله: ناجي العلي كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني، بيروت: بيسان للنشر والتوزيع والإعلام، ط1، 2001، ص24.

[4] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 16.

[5] مطر، فؤاد: حكيم الثورة قصة حياة الدكتور جورج حبش، لندن: منشورات هاي لايت، ط1، 1984، ص 42.

[6] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 18.

[7] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 19.

[8] خليل، نائلة: الذكرى الثامنة عشر لاستشهاد ناجي العلي، ناجي العلي بقلمه: لست محايداً… أنا منحاز لمن هم ” تحت”.

www.arabs48.com/display.x?cid=5&sid=84&id=31097

[9] عنبوسي، أحمد: الموضوع والأداة في فن ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 13.

[10] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 21.

[11] النابلسي، شاكر: أكله الذئب !! السيرة الفنية للرسام ناجي العلي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، 2007، ص 45-46.

[12] كلَّم، محمود عبد الله: ناجي العلي كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني، مرجع سبق ذكره، ص 34.

[13] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 25.

[14] الأسدي عبده وتدمري خلود: دراسة في إبداع ناجي العلي،مرجع سبق ذكره، ص 36.

[15] النابلسي، شاكر: أكله الذئب !! السيرة الفنية للرسام ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص215.

[16] النابلسي، شاكر: أكله الذئب !! السيرة الفنية للرسام ناجي العلي، مرجع سبق ذكره ، ص230.

[17] كلَّم، محمود عبد الله: ناجي العلي كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني، مرجع سبق ذكره، ص 26.

[18] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 27.

[19] فيلم ناجي العلي: بطولة الشريف، نور والجندي،محمود، وآخرون، إخراج،الطيب،عاطف، انتاج:إن بي فيلم ومجلة فن، 1992.

[20] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 31

[21] كلَّم، محمود عبد الله: ناجي العلي كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني، مرجع سبق ذكره، ص45.

[22] العلي، خالد: نجل ناجي العلي خالد العلي، مقابلة خاصة عبر الهاتف، 1/3/2008.

[23] كلَّم، محمود عبد الله: ناجي العلي كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني، مرجع سبق ذكره، ص 50.

[24] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص33.

[25] جولاني، إبراهيم والعلم،إبراهيم: ناجي العلي فنان مناضل، ب ن، 1992، ص37.

[26] جولاني، إبراهيم والعلم،إبراهيم: ناجي العلي فنان مناضل، المرجع السابق، ص 36.

[27] العابودي، فادي عيد المجيد: في الذكرى الثانية لاستشهاد ناجي العلي دراسة في كاريكاتير ناجي العلي، مرجع سبق ذكره، ص 40.

[28] موقع حركة فتح الالكتروني: لنحيي سوياً ذكرى استشهاد ناجي العلي.

www.fatehfourms.com/showthread.php?s=b53b56e58b1946f5ea968be1http

[29] شلش، بشير: ناجي العلي: الغزال الذي جف دمه، ملحق صحيفة الاتحاد الحيفاوية، 1/9/2000.

[30] كلَّم، محمود عبد الله: ناجي العلي كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني، مرجع سبق ذكره، ص 27.

[31] المرجع السابق، ص 153.

[32] اليوسفي، ماهر: ناجي العلي مدهش الملهاة ومفجع المأساة. دمشق: أطلس للنشر والتوزيع، ط2، 2006، ص57.