أسئلة واجوبة

احسان سالم ـ فلسطين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1968)

س: الى أين وصل الحوار الوطني والى أي مدى ستؤثر التوترات الأخيرة داخل فتح على هذا الحوار؟

ج: فشلت الجولة الأخيرة من الحوار الوطني في التوصل الى أي اتفاق. وفشلت أيضا جولات الحوار الثنائي بفتح أي أفق يؤدي الى أي اتفاق. وتم تأجيل الحوار الى الخامس والعشرين من الشهر المقبل.وبكل تأكيد ستفشل جميع الجولات المقبلة مثل سابقاتها.

اذن لماذا هذا الفشل المكرر؟؟

الجواب هو بكل بساطة أن التناقض ليس مجرد تناقض فؤوي بل هو نتاقض تناحري مبدئي. هو تناقض من يعتبر نفسه حركة تحرر وطني ويقبل بمخططات العدو بشكل كامل بل ويقوم بتنفيذها عبر التنسيق الأمني اليومي وعبر مطاردة المقاومة واجتثاثها تحت شعارات زائفة. عبر القبول بجميع المشروعات التي صاغها اعداؤنا لصالح العدو. هو تناقض بين من يضع نفسه بخدمة هذه الاتفاقات الاملائية وبين من يرفض هذه الاتفاقات التي اثبتت الأيام زيفها وبطلانها على الأرض. وبالتالي فما هو المطلوب من جلسات الحوار هو أن تذعن حركة المقاومة للشروط التي يضعها من يحاصرها ويقطع عنها كل سبل الحياة لا لسبب الا لأن هذه هي رغبة الولايات المتحدة والحركة الصهيونية. وهي عملية تعويض العجز الذي تجلى في الانتخابات التي دعت اليها أمريكا وبالتالي تعويض هذا العجز عبر جلسات الحوار المستمرة علها تؤدي الى تركيع وتكبيل المقاومة بسلسة شروط واذعانات تعني عمليا وأدها وانهاء دورها المقاوم. اذ أن هناك اصرار معسكر السلطة على تصوير المقاومة كما لو انها حركة متعطشة للسلطة فقط. وما يدور في أروقة الحوار هو عملية مقايضة وعروض. وكأن الأمر مجرد بورصة تحت سقف السيف المسلط على طاولة الحوار بأن معبر رفح لن يفتح الا بالاذعان وأن الحصار لن يتوقف الا بالاذعان. لذلك اذا لم تفتح جميع الملفات وتناقش الأسباب الحقيقية التي أدت الى هذا الوضع لن ينجح أي حوار يفتقرعن الاسباب والجذور ينطلق من النتائج فقط.

كما أنه لم يعد خافيا أن سلطة أوسلو هي مجرد رهينة بيد القوى المعادية لشعبنا وقضيته. وأن هذا الارتهان قد أطلق العنان لقوى داخل فتح لترجمة هذه الشراكة الى أفعال ووقائع. وبالمقابل قد أدى ايضا الى تكبيل أيدي القوى الوطنية داخل حركة فتح. وهذا يفتح الباب أمام الاستمرار في سياسة مجابهة ومناهضة حركة المقاومة والاستمرار في عملية الوهم التفاوضية، التي مكنت الاحتلال من الامعان في التنكيل بكل الحقوق الوطنية الفلسطينية التي لا تقوم على أي أساس أو مرجعية. وعليه فاني استطيع أن القول بأن سياسة التطبيع والانحناء والاذعان التي تميز بها المفاوض الفلسطيني قد وصلت الى ذروتها وبالتالي فهي غير قادرة أو راغبة بانتاج أي حوار وطني حقيقي.

س: ما مدى الدور الذي يمكن للفصائل الوطنية والاسلامية لعبه في ايجاد مخرج لازمة الانقسام؟

ج: لقد أصاب الترهل العديد من القوى الوطنية وهي بانحيازها لمشروع سلطة أوسلو قد فقدت الكثير من مصداقيتها ومن التصاق الجماهير بها. وقد ادى تماهيها مع سلطة اوسلو الى تراجعها واضمحلال دورها الوطني. وبالتالي فقد كان ممكنا لهذه القوى ان تلعب دورا رئيسيا بمنع الوصول الى حالة الانقسام التي تشهدها اليوم لو أنها أدارت مواقفها بمبدئية واستقلالية غير متوفرة لديها. فالكل يعلم بأن هدف الانتخابات الأخيرة كان تفكيك الصف الفلسطيني ودفع من كان غائبا أو رافضا الى طريق التسوية والتصفية. وهذا يفسره الاستماتة الامريكية الأوروبية العربية على تركيع المقاومة ومساومتها حول فك الحصار والاعتراف بها والاغداق عليها مقابل الانخراط فيما انخرطت فيه العديد من هذه القوى وبالتالي السلطة.

لو كان لهذه القوى الوطنية الحد الأدنى من المبدئية لما رفضت الدخول في حكومة وحدة وطنية غداة الانتخابات. ولما وقفت تتفرج على اعلان الحرب الذي اعلن على نتائج الانتخابات وصعود المقاومة كممثل للشعب العربي الفلسطيني. وبالتالي فان النداءات التي تطلقها هذه القوى بين الحين والآخر ما هي الا غطاء للعورة غير المستورة. ولنسمع ما تقوله هذه القوى في مذكرتها المؤرخة يوم 2962009 : “قام وفد يمثل ثمان فصائل فلسطينية بزيارة السفارة المصرية في رام الله صباح اليوم الاثنين 2962009. حيث تم تسليم مذكرة تضمنت اشارة وتقدير كبيرين لجهود القيادة المصرية في دفع مسيرة الحوار الوطني الفلسطيني وانهاء حالة الانقسام. وكذلك عبرت الفصائل عن قلقها الكبير ازاء المنحى الخطير الذي اخذ ينح اليه مسار الحوارات الثنائية بين فتح وحماس”.

هم شعروا بالقلق عندما اخذت فتح حماس تتحاوران بشكل جدي حول التفاصيل والحلول بدونهم. ولم يخطر ببالهم أنهم بذلك يدينون أنفسهم عبر فقدانهم الأهمية بالمواقف المفصلية حينما اصطفوا جملة واحد مع السلطة ومع النظام الذي يحرق الطعام والدواء الذي انتهت صلاحيته بدلا من ارسالها لاطفال غزة.

في جميع جولات الحوار كانت القوى الوطنية حاضرة ولم تقم بطرح موضوع توحيد منظمة التحرير واعادة بنائها طرحا جذريا حقيقيا. والذي هو أي هذا البند من أهم أسباب الانقسام وعدم التمكن من انهائه فيما لو تحقق وأصرت هذه القوى على تنفيذ اتفاق القاهرة الشهير الذي ادارت قيادة السلطة الظهر له. ولكن بالمقابل نحن نرى تسابقا على تكريس حالة منظمة التحرير المهترئة والاستمرار بوصفها بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. اذن هناك تناقض كبير بين أقوال هذه القوى وأفعالها ومواقفها وهم قانعون بأن تظل قيادة هذه المنظمة ترفع أيديهم المشلولة لحظة الحاجة للتوقيع وتنزلها بعد ذلك. وتستمر الحالة.

لذلك تستطيع هذه القوى وأنا اقول ذلك نظريا أداء الدور الوطني المطلوب منها فيما لو توفرت الارادة والمبدئية. ولكن ذلك وحسب الراهن مجرد اضغاث احلام.

س: كيف ترى الأخطار المحدقة بالقضية مع تنامى انشغال الفلسطينيين بخلافاتهم الداخلية؟

ج: لا يوجد لدى مؤسسة الحكم الصهيونية أي قبول حقيقي بفكرة الدولة الفلسطينية. لأن مجرد قيام هذه الدولة يعني نفي العقيدة الصيونية حول أرض اسرائيل. وهي على أبعد الحدود توافق من باب الانسانية فقط على بقاء بعض سكان ما يسمى بمفهومهم بيهودا والسامرة على أرض اسرائيل التاريخية وهذا اقصى تنازل لديهم. ولكن بعد أن ندفع نحن اثمانا باهظة منها حق العودة القدس والاستقلال. لذلك فجميع ممارسات الاحتلال ومرورا باوسلو وحتى اليوم هي ترجمة حقيقية للفكر الصهيوني الذي يقوم على نفي الهوية الفلسطينية على اراضي الضفة الغربية، عبر المشروع الاستيطاني التهويدي الذي يقضي على وجودنا.

لقد فاز نتنياهو بالانتخاببات الأخيرة والسابقة عبر شعاره الذي رفعه قائلا: ” لقد جلبت لنا اوسلو الخراب”. بينما تستميت قيادات السلطة الفلسطينية بالدفاع عن اوسلو والقتال. وان ما نراه اليوم من زرع مئات الالاف من المستوطنين داخل الاراضي الفلسطينية وفي القدس المصادر 60% منها حتى الان والمرشحة للزيادة، وكل التصريحات والمواقف والمفاوضات العبثية انما كانت فقط لكسب الوقت ولسرقة أكبر مساحة ممكنة ولزرع أكبر عدد من المستوطنين وصولا الى خلق واقع لا رجعة عنه وليس بعيدا اليوم الذي تسمع فيه عن قيام دولة المستوطنين. وهذا أمر يجرى بتسارع كبير وسيرى العالم كيف ان الجنود الصهاينة يحاولون ارغام بعض المستوطنين على اخلاء بعض البؤر والكرفانات الفارغة وكيف انهم يواجهون بمقاومة ضارية من المستوطنين. وطبعا سيقوم العالم الحر بالثناء على موقف الحكومات الاسرائيلية الشاخصة للسلام. ولكن تبقى حقيقة واحدة وهي أن اتفاق اوسلو وما تلاه من مفاوضات لطالما حذر منها العديد ممن لم يتلونوا بثقافة الهزيمة، لم تكن الا ستارا لهذه المخططات التي يبدو انها في طريقها للتنفيذ العلني.

امام هذا الواقع المعاش والذي شاركت اسرائيل بخلقه المطلوب الان هو انهاء كل اشكال المقاومة لصالح بقاء السلطة المحكومة بالعديد من الاتفاقات وهذا ما خططت له اسرائيل. ونحن نعلم بان وجود هذه السلطة واستمراريتها مرتبطان بالاحتلال. وبعبارة اخرى تجريد الشعب العربي الفلسطيني من كل مقوماته وقبوله بالامر الواقع المفروض والمتواطأ عليه. وهذا ما يدفع نتنياهو الى التمرتس وراء مواقفه المعلنة والذي يجد ان الوقت قد حان لتنفيذها. وهو واضح عندما يقول ان اسرائيل ستوفر الماء والخبز للقاطنين في ما تبقى او سيتبقى في الضفة الغربية مقابل ان يعوا هذا الكرم ويكونوا في مستواه. ويستطيعوا اذا ارادوا تسمية ذلك دولة.

هذه هي المخاطر الحقيقية الماثلة امام سياسة تفريغ الساحة الفلسطينية من كل مقومات الرفض والمقاومة وحتى الكلامية. واطلاق النيران الكاسحة عليها حتى لا تستطيع النهوض مرة اخرى في وجه المشروع الصهيوني الذي اعلنه نتنياهو بكل وضوح. وانا اؤكد بان تمترس السلطة وراء شروطها في مؤتمرات الحوار بضرورة ان يعترف الجميع بالاتفاقات المشينة الموقعة انما يعكس ابقاء الوضع كما هو حتى لا تُكبل ايديهم فيما لو تم تجاوز الانقسام ومغادرة هذه الحالة وتوحيد الصف الفلسطيني.

س: الا ترى انه بات من الضروري ان تقف كل القيادات الفلسطينية امام مسؤولياتها. وان محاسبة الجميع بات امرا ضروريا ولو عبر مؤتمرات وقواعد هذه القيادات؟

ج: ان الكيان الصهيوني والامبريالية الامريكية يعملان بكل ضراوة في سبيل منع المقاومة من ان تتعمق وتتجذر. ويعملان من اجل فتح معارك يومية وسجالات فارغة حول برامج مشبوهة. وان الكيان الصهيوني والادارة الامريكية ليسا في وارد الحل السياسي حتى لو اسقط شعبنا المقاومة. وجل ما لدى امريكا هو تكريس الانقسام وخلط الاوراق وتركها مبعثرة لتتحول الشغل الشاغل.

وانا اقول بان المعركة مع العدو الصهيوني والقوى المساندة له والمتحالفة معه مستمرة على مختلف الاصعدة. وان هناك تحديات في غاية الخطورة تفرض عل شعبنا وقواه وقياداته السياسية ان توحد صفوفها وان تستجيب دون ابطاء او تردد لمقتضيات المعركة المصيرية التي يفرضها العدو. هذه المعركة التي لا بد من زج كل امكانات جماهيرنا من اجل احراز النصر فيها. وانه قد حان الوقت لتقول الجماهير المطعونة والمغدورة في رابعة النهار كلمتها لان مصيرها هو من يساوم عليه.

وان القيادات المهزومة التي بقي في عروقها بعض الدماء هي اليوم امام امتحان عسير امام شعبها. وانه بات من الضروري ان ينتفض هذا الشعب ويحاسب ويحاكم كل من يقامر عليه ولقد اصبح المطلوب الان حوار وطني على برنامج وطني هو برنامج وخيار المقاومة وليس الاقتتال على السلطة والمكاسب وتمكين العدو من تنفيذ برامجه في تصفية قضية شعبنا تحت ستار السلام خيار استراتيجي فقط والتفاوض على برنامج العدو نفسه.

abuarabihsan@gmail.com