متابعة اللعبة: بين ولاية الفقيه وولاية الحاخام والإصلاح الديني

(رد على مقالة الإصلاح الديني 2 في مجلة الآداب)

بقلم أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1970)

ألإشتباك الدينسياسي الذي أخذ يتصدر اللعبة السياسية في منطقة النفط والتآمر الدولي، وصل حدود العودة إلى مشهد من مشاهد الكهانة الأولى. إسرائيل الدولة الأوروبية حاملة رسالة التنوير الإستيطاني التقدمي والعلماني والإشتراكي الكولخوزي إلى رعاع العالم، أصبحت تطرح الآن نظام ولاية الحاخام، وهي الولاية الأكثر تخلفا وتطرفا وعنصرية في تمييز الذات وصناعة الإختلاف مع الآخر. إسرائيل هذه كانت وما تزال تنعى على العالم سكوته عن الخطر الإرهابي الذي يشكله نظام ولاية الفقيه في أيران عليها وعلى العالم. وظلت تبرر شرعية انفرادها بامتلاك وصناعة الأسلحة النووية بكونها النظام الوحيد المؤتمن بالديموقراطية العقلانية على سلاح كهذا. بالتحليل الذي تقدمه إسرائيل وأصدقاؤها الذين يملكون العالم، قد يعزى هذا التحول النوعي في النظام إلى فشل التعقل الإسرائيلي في حروبه المحدودة ضد الأنظمة الإرهابية. وقد تعزوه الجهات الأقل ولها بالدولة اننموذج إلى الأخطار التي أصبحت تهدد عنفوانها القمعي ومشروعها الإستيطاني، وتهدد بالهجرة المضادة وتراجع الهجرة الإيجابية، بعد حربها مع المقاومة اللبنانية. ولكن هذا كله يبقى تعبيرا عن المزاج العام الذي لا شأن له باتخاذ القرار أو بخفايا تصنيعه دوليا. يمكن الإتكاء على هذا المزاج في تبرير القرار ولكن ليس في صناعته.

هناك الآن على السطح نظامان دينيان متطرفان أحدهما إسرائيل، تخوضان صراعا معلنا حول من سيتولى الوصاية على المصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط، الذي كان يسمى المنطقة العربية، وكان جديدا وأصبح كبيرا على طريقه نحو العولمة. وهي لعبة لا غموض فيها إلا لمن يحبون الغموض أو يفتعلونه للتسلل من خلاله إلى ما يريدون. استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان. مثل هذا التحول السريع في الموقع الحداثي الأبرز خارج المركز الحداثي العالمي، من العلمانية إلى النظام الدينسياسي، ومن المجتمع الفعال إلى المجتمع المستلب دينيا، وعلى أيدي عناصر قيادية معروفة بخلفياتها اللادينية، يبدو سريعا وسهلا أكثر مما يحتمل وعي التحولات. وإذا كان هذا الإنطباع شرعيا ومنطقيا، فلا يبقى أمامنا سوى العودة إلى ظاهرة تصنيع الأزمات التي تعتبرها الليبرالية الحديثة والمحافظون الجدد أهم ديناميات التاريخ الإجرائي الجديد الذي ورث حركة التاريخ التطوري القديم. واللليبراليون الجدد هم كما رأينا في التجارب التي خاضها بنا التاريخ الجديد، مجموعة من الحداثيين يغلب عليهم طابع الكهانة. وإذا كان هذا الطابع هو وليد التعمق الذي لا بد منه لعزل خزعبلات التاريخ القديم عن حتمية التطور في اتجاه أمامي نحو نظام اجتماعي محدد، فإنه لا بد أن يكون بعظمة التطلع العظيم الذي يرمي إلى نشر وعي جديد ليس على مستوى النظام فحسب، ولكن على مستوى الوعي العام للبشر المستلبين في تاريخهم القديم. فالجانب العقلاني لمشروع إنتاج نظام علاقات جديدة في المجتمع المعولم يحتم إنتاج إنسان جديد يشبه إنسان نيتشة في وعيه المجرد. ألقضية هي كما يحدث مع الأنبياء عادة بسيطة في جوهرها، ومفادها سيطرة النهج الإلإمبريالي على كل العالم، ولكن مع ترجمة القوة إلى وعي تصبح الرؤيوية لزوما حتميا في مخاطبات الذات القيادية (النبوية الواقعية) مع الآخر الغارق في وعيه الموروث. وعودة إلى الطابع النبوي والتبشيري للدجال السياسي بوش، تبين لنا أن العلاقة وثيقة الصلة بين الرؤيوية والجريمة السياسية. وهكذا فإن تصنيع الأزمات التي ترمي إلى التأثير في الرأي العام، وتقريبه من وعي معين أو جره إليه، لا تكفيها القوة المجردة بل عليها أيضا أن تأخذ بعين الإعتبار الحاجة إلى إيقاظ نزعة الإنحياز الغيبي المتأصلة في البشر لتحقيق هدفها المكتمل، وتحفيز هرمونات التعصب الديني للذات. والمعروف عن شعوب الشرق الأوسط هو انصياعها التلقائي للعاطفة الدينية التي لا تملك عواطف أخرى مستقلة عن هذا الإنصياع. وفيما عدا إيران وإسرائيل فإن السيطرة على العلاقة بين السياسة واستخدامات الدين بحيث تصبح مشروعا قوميا تنمويا كامل التنظيم، مفقودة تماما في الإجتماعيات العربية المسترسلة في فوضى التواجد بكل فروعه. هناك في الجانب الأول عقل سياسي يملك سيطرة كاملة أو قادرة عل الأقل على التدخل في المواقف الحاسمة لوقف أو تعديل التفاعلات الخطرة التي تبعد السياق عن أهدافه التنموية، مقابل وهم عقلي مستفحل يخدم كل تدجيلات الوعي الفردي، ويجعل من تنظيم علاقات اجتماعية بين الدين والمصلحة التنموية مستحيلا قطعيا ومخالفة لطبيعة البنية. فالمشروع التنموي الذي يقوم على الدين وحده، أو يخدم الدين فيه هدفا دينيا مستقلا عن عقل المشروع، شيء مخالف لأي منطق عملي أو وعي سليم. والإسلام في الوعي الهجري ( العربي المسلم ) لا يكاد يشكل في الحياة الحقيقية سوى مجموعة إشكالات سياسية في الوعي التلقائي بين الدين وحرية ووعي وعقل وحقيقة الإنسان الفعلي. فهو حالة اشتباك عفوية مع كل ما هو إنساني واجتماعي وتاريخي في الوعي. وهو يقوم في جوهره التاريخي على الفرز بين المسلم ( الهجري ) والعربي ( القومي ) بنفس السلاسة التي يتم بها الفرز بين الكفر والإيمان. فالعداء المتأصل بين متهودي الدعوة ورافضي التهويد ( الحزب المحمدي وأتباعه وحزب جلة قريش القوميين وأتباعهم ) ما يزال إلى اليوم يكرر نفسه ووعيه الغامض الذي قدمته السير النبوية والتاريخ الهجري. لذلك فإن الليبرالية الغربية لا تراهن على أي حراك مؤثر على الساحة الهجرية لأنها إشكال نادر للتخلف له عقله المختلف والمتخلف. وهي تساند ولاية الحاخام ضد ولاية الفقيه بدون تردد، ولكن بدون التنازل عن إمكان تسوية ما، إذا تعقدت الأمور، تضع إيران في موقع مقبول تال أو متحالف مع إسرائيل، بخصوص تقسيم المشاع الهجري بين نفوذين حليفين لها.

لذلك يرى العقل الليبرالي الإمبراطوري واقع الحال على الساحة الهجرية، واقعا مواتيا من حيث جموده على التبعية والتخلف واللافعل، بمدى ما هو إشكالي في صعوبة تأهيله الوظيفي في النظام العالمي الجديد. هناك ثروة إنتاجية واستهلاكية تعد ثلثمائة مليون من البشر تعيش على ثروات استراتيجية بالغة الأهمية، لا يمكن تركها إلى الأبد إقطاعا لحفنة من الوكلاء الشبيهين بالماعز البشري، الذين يضيعون حيوية الثروة في دورات المياه والمشاريع الريعية والعمران المخرب. إن بث نوع من الحيوية الإقتصادية التي تخدم أهداف المشروع الكوني في منطقة من أهم مناطق العائد الإمبرطوري في العالم، تحت سيادة إسرائيلية كاملة أو منقوصة لمصلحة التابع الإيراني المفترض، يجب أن يصحبها نهضة موجهة لوعي ثلثمائة مليون وحدة بشرية، تعيش في لاوعيها الديني الخاص. بدون ذلك فإنهم سيظلون يهددون مستوى الجدوى بعدم الإستقرار الذي لن تكون له نهاية في صراعاتهم الغوغائية، وكراهيتهم المجردة لإسرائيل وأمريكا. لا يوجد قوة جامعة يمكن التوجه إليها في مجتمع للرهبنة المزيفة سوى الدين. إنهم يعيشون في علاقة مضطربة مع التدين المريب ولكن لا وعي لديهم غيره لإدراك جودهم وحركتهم. بل إنهم في حالات الإسترخاء المعاشي يكادون يصدقون أنفسهم، ويقدسون عجول الفقه ايضا فيما تجأر به. عينة بالغة التعقيد مستعصية على الوعي العادي، تلجأ عند حاجتها لوعي عملي إلى استشارة الغريزة التي لها جانبها الديني أيضا. هذا الواقع لا يمكن أنن يقترح على الوعي الليبرالي إصلاحا اجتماعيا أو سياسيا قد يلغي المزايا العظيمة للوعي القائم بالنسبة لها، ويحرك وعي التجربة بمحاذيره القومية والعلمانية والإنمائية المستقلة، بل يقترح الإصلاح الديني الذي سيدعو إلى الإعتدال فيلغي إشكالية رفض إسرائيل، ومعاداة أمريكا والتطرف الأيماني وفكرة غزو المجتمعات الغربية بالإسلام المهاجر والتبشيري، ويقبل الديموقراطية والتعددية وإنماء السياحة والتأكيد على دور المرأة فيها. باختصار طرح قضية ” الإصلاح الديني “.

قد يفسر هذا كثيرا من الأمور وأهمها الود بين الليبرالية والإسلام السياسي. فهذا الود يملك كل الموضوعية، فكلا المشروعين غصن على ذات الشجرة الملحمية للضلال البشري البعيد، الذي أنتجه كهنة السيادة والإبتزاز وورثت خلاصاته الليبرالية الحديثة، عقيدة الدين الإقتصادي الرأسمالي الأكثر شمولية في تاريخ البشر. فهما يمثلان الرأسمالية كديانة عقلية من جانب واحد، وكديانة غيبية بذات الشمول والأهداف تمثل أقدم نظام بورجوازي في التاريخ من الجانب الآخر. ديانة نظامية تقدس الملكية الخاصة دستوريا وعقيديا، وتحتم التراتب الطبقي، وتعول على صورة أزلية لكوكب مقسم إلى أغنياء وفقراء. فلو أردنا إنتاج الليبرالية صناعيا لما اقتضى الأمر أكثر من إصلاح الإسلام نظاميا وعقلنة رؤيته الإقتصادية وفصلها عن التنمية الإجتماعية، والحفاظ على فلسفته في تقسيم الثروة. فالإسلام هو الحليف الإجتماعي المثالي للإمبريالية الغربية، بشرط تحييد نزعته العدائية للآخر غير المسلم بوصفه دينا إمبرياليا تبشيريا. لذلك فإن تحييد هذه النزعة في إطار نظام قائم على العولمة الإقتصادية المعرفة سياديا، يعد شرطا لا تنازل عنه. وهذا كله يفسر بالتالي الرؤية الليبرالية بتفصيلاتها لمشروع الإصلاح الديني الإسلامي الذي قام أحدهم بطرحه مؤخرا في حلقته الثانية في مجلة الآداب اللبنانية. هذا الإصلاح الديني من المفروض أنه سيكمل مع ولاية الفقيه وولاية الحاخام كل الترتيبات اللازمة لتحييد العقل الإجتماعي والإيديولوجي، بوسائل مختلفة لدى الهجريين من ناحية، ولدى الإسرائيليين والإيرانيين من ناحية أخرى.

يبدأ الكاتب بداية صعبة يستدعيها مشروعه المعقد، كما يقول، أو تعقيد مشروعه بكثرة الأوجه المحملة سعيا وراء رحابة الحركة، ورفع درجة الإفتراض إلى وضعية التسليم من خلال التعقيد الذي يهيء الغموض اللازم لعمل الساحر لتمرير ألعابه السحرية. نحس أننا أمام حركات وأصوات غير مبررة تشبه وقع كلمة ال ” جلا.. جلا ” المشهورة. فالإسلام ” مفهوم غير مفهوم، ومدرك مشوش، والإصلاح الديني على هذا الأساس ملتبس. ” والمعروف بالنسة لأي دين أن يبدأ المؤمن به من الماهية التي تنتهي بالشكل، لأن هذا هو الأساس النظري المقلوب الذي يحقق المغالطة الإيمانية، وأن يبدأ الباحث الموضوعي من الشكل ( الحافز الطبقي أو المصلحي ) توصلا إلى الماهية المطلوبة ( ألوجهة الإجتماعية ) خاصة في حالة الإسلام الذي نشأ في وضح التاريخ. لا يعني هذا أن تفكيك الماهيات للوصول إلى مسوغاتها الموضوعية موجود خارج مناهج البحث، ولكن اختيار المنهج على قياس البحث هو جزء من الموضوعية يتعلق بالنزاهة. كما أن الماهية المشتركة بين كل الأديان هو كونها آلية الفرز الحقوقي الطبقي، وتسويغ التراتب القائم، أي مشروع الطبقة الإجتمادي في مراحل التاريخ المتأخرة. وهو الآن مشروع للتحريك العفوي، أو صناعة لإنتاج التخلف والجمود واللاوعي. هذه هي الماهية الوحيدة المدركة وعيويا للدين ولا لزوم للمعرفة بأكثر من ذلك إلا في حالات الإصلاح الديني أي تحديث وإعادة إنتاج الوعي المعدل لمشروع الطبقة الإجتمادية المتقدمة مثل مشروع العولمة الليبرالي. ولكن الكاتب يقطع في النهاية طريقه الطويل بين قطرات المطر المتساقط ويعود مبتلا بامتياز ليقول أن الإصلاح الديني للإسلام هو إصلاح مفهومه وعقلنته وضبطه. هذا الحرص على إصلاح المركبات المعطلة منذ قرون طويلة خاصة بعد أن أصبحت ركاما مشوشا، يوخي بأن الكاتب كان يعدنا في مفتتح خطابه لتمرير حزمة من النوايا لا يمكن أن ندركها إلا في نهاية الورقة المطولة للبحث، بعد اكتمال مشروعه الإصلاحي لغويا. كما أن استعمال الفاظ عارية مثل إصلاح مفهومه وعقلنتة وضبطه لا يوحي بمشروع جدي للإصلاح الديني المعقد وإنما بمشروع إجرائي لترويض الخيول الجامحة يذكر بإصلاح مفهوم وعقلنة وضبط المشروع القومي التنموي العراقي المغدور. لا يجوز للباحث ما يجوز للإعلامي من قطعية ومباشرة وقمع لأي حضور إيجابي للمتلقي.

يواصل الباحث مسيرته المعقدة فيستعيد بنفس طريقة الجلا جلا معالم نشأة الإسلام بسهولة نظرية قرأناها في الصفوف الأولى للمدرسة الإبتدائية. فالخلاف المحمدي مع ” قبيلته ” قريش كان مشاحنة دينية محلية، بالغة السطحية. وهجرته إلى يثرب كانت خيارا للسلامة الشخصية أو هربا أو ترحيلا قسريا حمال أوجه، ولكنه سرد بسيط لرواية السيرة النبوية بقطعيتها ومباشرتها. وفي المدينة – المركز اليهودي المستقل للصيرفة وصناعة السلاح – ” قبيلتان ” عربيتان يمنيتان من نسل تبع. هكذا يقول كتاب السيرة. ولكن كثيرا من قطرات الحقيقة تتخلل مصادر عدا السيرة النبوية توحي بأن هاتين القبيلتين لم تكونا سوى معسكرين لعمال التراحيل المزمنين والبؤساء قائمان خارج أسوار المدينة، وكان العداء بين معسكر العاملين في تأبير النخل عند يهود المدينة، والعاملين في ورش الحدادة والنجارة وصناعة سروج الخيل والأسلحة عداء مستحكما لأسباب يمكن لعقل التجربة استحضارها بدون عناء. أي أن الباحث الإصلاحي يتبع نصوص السير النبوية في إخفاء أي دور لليهود في كل ما حصل. وأن الصراع بين المكيين والمدينيين كان صراعا بين النفوذ اليهودي والعربي على صورة ومضمون الحركة البرجوازية الناهضة في سعيها نحو حكومة مركزية تربط المجتمعات القبلية المتطورة وعيويا أكثر من خليجيي اليوم، بحركتها الإجتماعية المتحفزة. وكان تبني الرسول للأورثوذكسية اليهودية دينيا وإيديولوجيا وعرقيا، وإشادته برموز المسيحية مع بعض النقد الهاديء لقضية التثليث، وتبرئة القرآن لليهود من صلب المسيح، كلها أمور تعود كما يوحي الكاتب بتغافله عن دوافعها التأسيسية إلى ليبرالية الرسول المبكرة، وميله إلى العولمة الدينية، وليس إلى إقامة تحالف إبراهيمي توراتي ضد تيار الأصوليين العرب بقيادة عدوه أبي سفيان. أما الهجرة فقد كانت من حيث نتائجها نقلة حاسمة نحو مفهوم الأمة الدينية قبل اكتمال مفهوم الدولة والنظام الحاكم. وحتى قبل شراء المال اليهودي لولاء بعض القبائل العربية. والكاتب يقصد هنا بمفهوم الأمة مفهوم الدولة والشعب الواحد اجتماعيا ورعويا في ظل مركزية دينية. أي الإنتقال من وحدة القبيلة إلى وحدة القبائل في الجزيرة العربية. وفي رأيي أن القضية لم تحدث بهذا المعنى الأستقصائي من جانب الرسول. فقد كان يؤسس لقوة عسكرية داخل تحالف قبلي ويهودي مقابل مقابل تحالف خصومه القبلي التراثي في مكة والطائف واليمامة. والصفة الدينية هي التي كانت تحيل افتراضيا على المفهوم البديل للقبلية، أما الصفة السياسية فتحيل إجرائيا وواقعيا على التكوين القبلي لمشروع السياسة دون أن يتبنى الحلفاء حتما مشروع الدعوة. وتحالفات النبي القبلية خارج إطار وحدة العقيدة، أشهر من أن يتم تجاهلها.

هذا الحوار التاريخي حول افتراضات الكاتب ليست مقصودة لذاتها. ولكن سيطرة التفكيكات المجانية لا تجوز إطلاقا في المنهج التفكيكي الذي اتبعه الكاتب. مما يوحي بأن قصد الإستبناء يسبق قصد المعرفة الموضوعية لديه. فهو يمهد لمزاج معرفي يقوم على اختيار التنبؤ المعرفي المناسب لمشروعه الليبرالي الإصلاحي. فهو يريد فصل السياسة عن الدين وليس الدين عن السياسة. وقضية الدين وإصلاحه لا تهمه في شيء، لذلك عندما يصبح عليه أن يشهر مشروعه بوضوح يتنازل نهائيا عن أي إصلاح ديني أو حتى ما يشبهه. ولولا ” فرضه التفكيكي ” حول اختلاط المفاهيم في الإسلام بين الديني والزمني والتباس أحدهما بالآخر داخل مركز السيادة والإكراه لما نجح في الفصل بينهما لاحقا وتبرئة الدين من الإكراه ودمغ النظام به ليصبح الإسلام مجرد أحجية إيمانية للفقراء. أي أن تبرئة الإسلام استوجبت دفنه حيا حتى لا يزعج الليبرالية. ولكن والحق يقال، أن الكاتب كان حريصا على إقامة ضريح مناسب للمغدور، وإن كان على صدور أتباعه المساكين والمغدورين أيضا، الذين يكونون كل الهجريين تقريبا:

عندما رأيت عنوان البحث ” الإصلاح الديني “، اعتقدت أنني سأقرأ هراء من نوع غير الذي قرأته. توقعت كاتبا فهلويا يريد أن يقص الماء بالسكين. فأنا لا أومن بالإصلاح الديني، لأن المشكلة ليست في النصوص وإنما في عقل التلقي. فالإصلاح الديني هو إعادة العقل إلى ساحة المواجهة وموت النصوص المقدسة تلقائيا. أما تعديل النصوص بالتأويل والإبقاء على قداستها فهو تحويل ضغط النصوص إلى ساحة مصلحة جديدة. لذلك توقعت حملة شعواء على حظائر الفقهاء، كظاهرة طفيلية لا مكان لها في النص المباشر أو التأويلى في الإسلام. وأن الفقهاء هم نوع من العجول السائبة ترعى في أرزاق الناس وعقولهم. وأن التكليف الإيماني في الإسلام هو تكليف فردي خالص لا يعترف بشيء اسمه رجل دين متخصص. ومثل هذا الكلام الذي قال مثله إصلاحيو الكنيسة ولا مكان له أصلا في الإسلام، الذي بنى كنيسته ليس في عقل ” بطرس ” ولكن في عقل كل مسلم وجوارحه. أي أن الإصلاح الديني في الإسلام هو عملية هدم بالجرافات وليس عملية استبناء مصلحي بالتعديل. ولكنني فوجئت بمشروع إعلامي يتسحب مثل الأفعى على رمل الإستغفال، يدخل من باب السياسة ويخرج منه تاركا خلفه سياجا للفصل بين العجول وأراضي النظام. بين المسجد وملعب الجولف الذي خلفه. لم يفصل السياسة عن الدين فقط، وإنما فصل التدين عن الحياة العامة والحركة الإجتماعية. انتقل من مفهوم الأمة الذي رسمه على هواه، إلى مفهوم الطوائف العقلية والإجتماعية، وسلم مركز السيادة والإكراه والتعامل مع دار الكفر إلى الطائفة الليبرالية، وترك للعجول المؤمنة حرية الرعي في حقول التخلف، بعيدا عن أي إكراه:

1- ” الإسلام دين عقيدة للمطلق. ولا يصح تكييفها لمعايير خارجها ( وفي هذا نؤيدهم نحن أيضا ) “. أي نحن لا نتفق مع ما نعتبره خطأ، ولكننا نؤيده. لا نتفق مع قدسية النص ولكننا نؤيدها. لا نتفق مع استعباد العقل ولكننا نؤيده. من هذا المنطلق فنحن لا نوافق على التخلف ولكننا نؤيده ما دام هناك من يرغب فيه. فما على الإسلام وحامليه ( عامة الشعب ) سوى أن يقفوا جانبا ويتركوا للنظام الليبرالي أن يعالج معايير العلاقات السياسية مع الآخر.

وفي الحقيقة أن الليبرالية لا يمكنها التخلي عن مبدأ حرية التخلف الإجتماعي، لأمور تتعلق بحرية العقيدة، ولكنها لا يمكن أن تتخلى عن الإكراه السياسي ومحاربة الإرهاب لهذا السبب بالذات. لهذا السبب الليبرالي وحده، يجب فصل السياسة عن الدين وعن عامة المؤمنين به. هذا التحييد خارج النظام ولعبته السياسية للتخلف الديني ومعتنقيه، هو الإصلاح الديني. فالإصلاح الديني، لا يعني الإنسان المتدين بشيء. والربط هو بين الإصلاح الديني وحرية التدين (جانبا )، وليس بينه وبين التمدن الإجتماعي. أي أن الإنسان يبقى خارج تنموية الإصلاح الديني. لأن محاولة تحرير العقل من قيود الغيبية ستكون محاربة للدين نفسه.

محاولة فصل الدين عن التخلف ستكون تدخلا في خيار التخلف، وهو الخيار المفضل في مشروع الفكفكة الذاتية للمجتمعات من جانب المشروع السياسي الليبرالي. الليبرالية نظام سياسي متمدن ولكنه غير متحضر ( أخلاقي كما يقول الكاتب ). ولكن كونه خيارا وحيدا للتنمية في عصرنا فعلينا وعلى كل شعوب الأرض أن تفصل بين السياسي والذاتي في سلوكها ومواقفها لتجد مائدة أو فتات مائدة تأكل عليها في نظام العولمة. لم يعد هناك إمكان لتنمية ذاتية مستقلة حتى في الأحلام، والتنمية أصبحت مشروعا سياسيا مشروطا بالتبعية للمركز السياسي والإقتصادي العالمي. فهل ننشغل بالتنمية الإجتماعية والإنسانية وتحرير العقول واتباع فروسية الإلتزام الذاتي ورومانسيات الإنسان القديم، ونظل جوعى داخل أسوار حريتنا الوهمية ؟ علينا أن نعرف أن التبعية هي أيضا حرية نسبية. وأن القوة والإكراه هما أهم جزء في لعبة المصير السياسي، شئنا أم أبينا. وعلى الإسلام أن يعطي بانسحابه الفراغ اللازم للنظام لحل الإشكال المزمن بينهما على شكل تسوية مغرية على غرار عزل الملك وسجنه داخل الحرملك تحت اسم ” صاحب الجلالة “. ألا تذكر هذه التسوية بتسوية سياسية موازية يطرحها الغرب الليبرالي على شعب مخلوع عن وطنه. يمكنك اليوم تعريف الليبرالي الهجري بأنه الشخص الذي يعتبر مفهوم التسوية هو مفهوم الخلاص لضعفاء العالم، بعد أن وضعت أمريكا والمحافظون الجدد قانون الناريخ البديل: التسوية بالإكراه.

2- ما يميز أو يعيب نص الكاتب هو أنه يخضع كل الوقت لومضات سيكيولوجية فاقعة وشفافة يمكن اعتبارها مؤشرا جدليا عقويا على مشروعه المضمر. ” سكان هذا العالم الإسلامي مسلمون بمعنى حوهري للكلمة لا ينطبق على قولنا أن الأمريكيين مثلا مسيحيون. ” وأنا أصدق الكاتب أن كلمة “الأمريكيين ” كانت من إملاءات الوعي الباطن، أي ذات مصدر سيكيولوجي يخص انشغاله السياسي، وأن وعيه الواعي حاول الإستدراك ب ” مثلا ” لإبعاد الشبهة، ولكن قضية الإبعاد هذه لم تقنعه باستبدال الكلمة لأنها توافق جوهر مشروعه أكثر من قوله الألمان أو الإيطاليين مثلا. ” فمثلا المعرفية ” تختلف هنا عن ” مثلا التبريرية “. وهي معرفيا تشكل رفضا قاطعا لكون الأمريكيين هم نموذج للتمثيل على المسيحية التقليدية كنهج تاريخي ليس “غامضا ولا مختلطا ولا مشوشا كالإسلام “. فالأمريكيون منذ البداية لم يعيروا المسيحية كعقيدة أي اهتمام. ما أعاره الآباء المؤسسين لأمريكا منذ البداية اهتمامهم، هو مثيولوجيا المسيحية في العهد القديم والجديد فى رؤيويات التوراة ورؤية يوحنا اللاهوتي الدموية كمحفز ذاتي للجريمة التي ارتكبوها ضد الهنود الحمر. وهي ذات المحفزات السيكيولوجية التي ربطت بين جرائم المحافظين الجدد والمسيحية. اما الثيولوجيا فلم تكن أبدا هاجسا مسيطرا في الثقافة الأمريكية. على الأقل فإن ثيولوجيي المسيحية المهاجرين حديثا إلى أمريكا، لا يشكلون وجه الدولة والشعب الأمريكي المسيحي. الذي يشكله فعلا هو التحالف المثيولوجي السياسي بين اليهودية والمسيحية الذي يميز فكر الجريمة الذي ترفع لواءه الليبرالية الحديثة للمحافظين الجدد من الصهاينة والمسيحيين. فلماذا الإصرار من جانب الكاتب على على طرح مسيحية أمريكا بالذات كمكافيء لإصلااحه الديني؟ الأمر أعمق بكثير من أن يكون فلتة لسان. وهي أقرب إلى كونها إحدي إيماءات النص.

مباشرة بعد هذه الورطة السيكيولوجية المتسللة، يقع الكاتب باختياره في أزمة سيكيولوجية مع نصه ” المعرفي والموضوعي ” حينما يبادر إلى حملة معتبرة على طالبان لا علاقة لها بشيء واضح سوى التنفيس عن موقف حاقد. قد تكون لدى الكاتب أسبابه الموضوعية في الحقد على طالبان، ولكن ما قدمه لنا كان عربدة نفسية أخرجته عن توازنه البحثي تماما. ” أم هو ذلك النظام السياسي والقانوني والأخلاقي الذي يعمل على فرضه بالقوة إسلاميون ذكور عابسون طوال الذفون قصيروا الأثواب ثقلاء الدم خفيفوا العقل؟ ” ما دخل هذا الكلام في الحديث عن تنظيم ديني؟ هل قال مرة عن كونداليسا رايس التي استطاعت احتمال منظر مئات الأطفال اللبنانيين والفلسطينيين المحوقين دون أن تنطق بكلمة، ولم تستطع احتمال منظر طفل إسرائيلي أصيب بالهلع بسبب صواريح حزب الله، أنها سيدة غير متوازنة عقليا أو نفسيا أو عاطفيا؟ هل هو مؤهل كليبرالي مثل كوندايسا رايس أن يتصدى للحكم على طالبان؟ طالبان كما قال طويلو الذقون قصيرو الثياب، ولكن ما شأن حلف الأطلنطي بذلك؟ من الذي يقتل نساء واطفال الآخر طالبان أم أصحاب الذقون الحليقة طوال الثياب؟ من لا يعرف أن ظاهرة الإسلام السلفي الجهادي هي ظاهرة استدعاها الغرب بكل خبثه السياسي وفظاظته الهمجية وأنها أكثر شرعية في العقل التاريخي ومنهج الأخلاق العلمية من ليبراليي الإبادة المجانية؟ طالبان تحارب عن شعوبها بالإنسجام مع ما تملكه من وعي ديني ليس لها خيار متوفر غيره، فعم يدافع قتلة المارينز وحلف الناتو المحترفون؟ طالبان ليست النموذج البديل الذي نتمناه لمقاومة الغرب السافل، نتمنى لو توفر للشعب الأفغاني وعي آخر أكثر تقدما لبناء مشروعه في مقاومة حضارة الدم والجنس والكوكولا، ولكن كيف يمكن لأي عقل علمي نزيه أو عقل بسيط عفويته سليمة، أن يقارن بين إنسان من العهد الحجري يدافع عن نفسه بما يستطيع، وبين ليبرالي مسلح ببندقية يريد اصطياده ليطعم كلابه؟

وباختصار نحس أن الموقف الإنساني لا يمكن أن يكون مع الناتو ضد طالبان. فهمجية المتمدن ليست قصورا في الوعي، بل قصور في مؤهله الإنساني. وهو أخطر أشكال الوعي في التجربة التاريخة: عقل الجنون. لا يحق للباحث أن يحكم سيكيولوجيته الحزبية في أية قراءة موضوعية للآخر. ولكن الليبرالي هو ظاهرة تدين ذاتي لا يقيم مواقفه أصلا على مفهوم محدد للوعي وإنما على مفهوم محدد للمصلحة وعلى مزاج فكري تطلعي يؤلف له وعيه المناسب.

“أمريكا ” اللفظة والمفهوم، كنموذج معرفي معين لدي الكاتب، قذفته إلى سطح الوعي حركة السيكيولوجيا الباطنية، وتبناه العقل الواعي بحتم العلاقة الأبوية الخاصة بالمشروع اللليبرالي العالمي، ثم استدعيت طالبان كنموذج ومفهوم تطابقي مضاد، بوعي سيكيولوجي خالص للكراهية الحزبية لأكمال صورة ” واقع الحال “. وكما ظن الكاتب، فإن هذه المعادلة السانحة ستمكنه من التحكم بسيكيوجيا المتلقي، عندما يضعه أمام صورة العالم ” الواقعي ” الجديد، الذي ليس له سوى خيار واحد هو الخيار بين النموذج المسيحي الأكثر تنورا والأعمق ليبرالية للغرب، وبين النموذج الإسلامي الطالباني الذي أسبغ عليه الكاتب نموذجية مسخوية فاقعة تذكر بالحيوان أكثر مما تذكر بالبشر، وقال للمتلقي أمامك خيار واحد ! أمريكا أو طلبان. حماقة استنباطية شاهقة ظن الكاتب أنه لوى بها وعي المتلقي كما تلوى اليد. ولكنه سيدهش عندما يتبين أن الضحية المتوقعة لهذه المهارة الإعلامية السيكيولوجية لم يكن المتلقي. وإنما كان شخصا آخر. وستنفجر مهارته المفخخة في وجهه عندما يسمع الإجابة على سؤاله غير المباشر.. ستقول له الأكثرية الهجرية بدون تردد: طبعا طالبان ! إذ ليس هناك أصدق من وعي الغريزة الذي يراوح بين إحساس الحاجة وقصد السلامة وبين القانون الطبيعي. ولا يوجد كائن حي عاش تجربة الفرق بين أمريكا وطالبان سيفضل أمريكا على طالبان أو حتى يقبل مبدا المقارنة بينهما. أمريكا كما أثبتت هي نفسها، مافيا عالمية مكونة من مصاصي دماء. إشكال تاريخي للذاتية وجنون القوة يفصل بين البشر وحاجاتهم المعيشية بالنهب، وبينهم وبين سلامتهم بالمؤامرة والجريمة. نظام للجريمة العالمية لا يرى بأسا في تدبير المجاعات ونشر ألأوبئة المخبرية وإثارة الحروب الأهلية، لأنه يصدر عن وعي خاص يتنكر لمبدأ حق الحياة للجميع، بوصفه مبدأ غير واقعي. لا أحد يملك عقلا يقف في وجه الحياة.

3 ـ في حين يعزل الكاتب الإسلام عن النظام في دائرة الحياد التنموي التخصصي لجماعة من الوعاظ أو حراس العقيدة، فأنه يتحدث عن هذا النظام بدون أي تحديد لماهيته سوى جانب السيادة والتخويل بالإكراه. فالفراغ الناجم عن تحييد الإسلام من الحياة السياسية، إذا ما اعتبرنا أن النظام السائد الآن في كل قطريات السيادة العربية هو نظام خلافي إسلامي دستوريا، يلعب فيه العامل الديني دورا مركزيا في التربية والتعليم والثقافة العامة والرقابة والإرشاد السياسي والتنموي، وأهم من ذلك كله في دعم صورة وشرعية النظام، فإن واقع الحال هذه، يحتم شغل هذا الفراغ بنظام مختلف جوهريا لا يكون فيه للدين أية سيادة عامة، تتعدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أظن أن السياق في هذه المسألة يتضمن تجاهلا بناء على مستوى تحديد البديل. فقد أوحى الكاتب قبل قليل أن الخيار الوحيد أمام عامة المسلمين هو الليبرالية الغربية أو حكم طالبان، فمن المنطقي وقد أخرجت طالبان إصلاحيا من الصورة، أن التداعي الذهني سيتجه نحو الليبرالية رأسا. وهي حركة بارعة من جانب الكاتب ستسفر عن أداء رسالته الليبرالية، كما يأمل، بدون إشكالات مع آخرين تم تجاهل وجودهم من قبله. هؤلاء هم ممثلو التاريخ الذي تظن الليبرالية أنها أسقطته نهائيا. فهم تاريخيون أصلانيون متنورون، أو إيديولوجيون تطوريون أو كلا الأمرين معا. أي أنهم يشكلون الإقتراح الثالث الذي أسقطه الكاتب في معادلته الأمريكية الطالبانية. عيب هؤلاء الأساسي في نظر الليبرالية أنهم يتمسكون بالسوية التاريخية للجدل التطوري بكل تفاصيلها المادية والمعنوية ولا ينكرون أهمية أية تجربة في حياة البشر. لا يعترفون أن الإنسان يتطور تكنولوجيا كالسيارات. وأن فضل الرومانسية أو الغيبية أو العبودية على تكوينه المادي والوجداني لا يقل أهمية عن فضل الماركسية. وأن صيغته الحالية هي نتاج تطور مفاهيم صنعتها تجربة علاقته بوجوده، وليس نتيجة خيارات تركيبية للعقل الإقتصادي المريض للرأسمالية. ألتقدم الإنساني عملية إبداعية مركبة للتطور التاريخي والعلمي، وليس خلقا تجريبيا للفوضى البناءة. هؤلاء هم الإيديولوجيون بمختلف مواقعهم التحررية. وعلى الساحة الهجرية يشكل القوميون التيار الأبرز بينهم. وتجاهلهم التام من جانب الكاتب كانت المهارة الأبرز من بين كل الشعوذات التي يتكون منها بحثه الإصلاحي الديني. وهو موقف للتعصب الليبرالي الذي يرى في الأيديولوجيا ” والتاريخانية ” والأصلانية والتحرر أعداءه الحقيقيين. فهذه المفاهيم ذات الطابع الشمولى، تهدد المفاهيم الجزئية الصماء التي يعتمد عليها في مشروعه لصناعة البشر المناسبين، مثل حمى الجنس والجوع والطموح الفردي والإرهاب والعنف وتعطيل مفاهيم القيمة في حياة الإنسان الروبوطي الجديد لخلق النموذج المثالي لدورة فائض الفرق بين كونه منتجا وكونه مستهلكا.

يبدأ التجاهل لدى الكاتب للمفهوم القومي من لعبة المصطلحات في حديثه عن نشأة الإسلام. وبالمناسبة فإن كل ما قاله حول موضوع الإسلام كان مهارة تركيبية وليس مهارة بحثية، اختلطت فيها التفكيكات الغائية بالإستبناءات الإعتباطية التي إن دلت على رقي الأداة، فإنها تدل أيضا على عدم نزاهة القصد، مكونة في النهاية مستبنى سوفسطائيا مرفوض بحثيا لأنه موضوع بلا موضوع، ومرفوض استنكافيا في المحاورة، لأنه مستحضر إعلامي خالص تستفيد منه شركات الكوكاكولا أكثر مما يستفيد منه الإصلاح الديني أو السياسي المزعوم.

ظهور الإسلام لم يكن في إقليم سماوي أزرق بين كائنات سماوية، كان على الأرض. ويبدو أن الكاتب يعترف بشكل غير مباشر بهذه الحقيقة. لأنه يبدأ من لحظة ظهور نبي ودين على إقليم بشري، ولكنه قبلي. وبما أنه كذلك، أي قبلي، أي موات اجتماعي معطل الحركة فإن الدين يمكن أن يظهر فيه بدون مقدمات اجتماعية. يمكن السؤال عن سبب الحرب بين بكر وتغلب على خلفية مركز السلطة في التحول الإجتماعي من القبلية إلى الملكية، وهو أمر حدث قبل ظهور الإسلام بمئات السنين، ولكن لا يمكن السؤال عن سبب ظهور دين في منطقة قبلية. هذا التسليم الإبتدائي السهل هو الذي سيمكن الكاتب من تجاهل أي مصطلح اجتماعي معقد بخصوص القبيلة. فهي وحدة بيولوجية لا ثقافة لها ولا تاريخ ولا حيوية ممتدة خارج حدودها البيولوجية. وكانت مدن أو حضريات مثل مكة والطائف واليمامة ويثرب هي امتداد نصي لمفهوم القبيلة البيولوجية في ” ديار ” بني سعد أو” ديار ” بني تميم. لم يكن للامتدادات الإثنية للقبيلة العربية منذ فجر التاريخ إلى الشام وأرض العراق وتأسيس حضاراتها المبكرة أي انعكاس على وجدان القبيلة، لأنها لم يكن لها وجدان بعد. لم يكن لممالك الأطراف مثل الغسانيين والمناذرة أي تأثير على مصطلح القبيلة الأصم لأن رجال القبائل لم يكونوا يرتادون الأطراف أو البلاد العربية الخاضعة لحكم الفرس أو الرومان لأنه لم يكن لديهم باسبورتات في ذلك الوقت. كانت القبيلة الجاهلية بالضبط كما صورها الإسلام العباسي بعد أكثر من مئة سنة تحت رعاية رقابية مشددة من الشعوبيين وفقهاء القصر. ولذلك فإن الإسلام الذي جاء إلى مكة من غار حراء مباشرة، لم يكن أمامه إشكالات اجتماعية من أي نوع سوى القوة العمياء للقبيلة البيولوجية. وتوازنات القوة بين الفرعين القبليين الأكبر والأقوى، عديمي الهوية، في مكة كانت وراء الأحداث الكبرى في نشأة الإسلام. لم يكن هناك أية مقدمات سياسية أو إيديولوجية ناضجة، أو حتى مظاهر وعي متمايزة لمراكز قوى شبه منظمة، يمكن أن تفسر بعض جوانب الحركة الجديدة.

كل هذا الإنغماس في الهراء البحثي، كان وراءه قصد التجاهل المسبق، أن الإسلام كان حركة تيار قبلي مثقف يصارع على السيادة القومية داخل النهوض البرجوازي للأرستقراطية القبلية العربية. وحينما كاد يخسر المعركة، أقام تحالفا مع يثرب المركز المالي والصناعي اليهودي في الجزيرة العربية. لم يكن هذا التحالف ارتجالا ميدانيا وإنما كانت له جذوره العميقة في تيار بني هاشم قبل ظهور النبوة. وكان أهم إيديولوجييه في مكة خديجة وورقة بن نوفل والعباس بن عبد المطلب. ولعل في تلك الإدانات القاسية التي يوجهها القرآن لثقافة التراث الأبوي الجاهلي دليلا حاسما على طبيعة الصراع بين تيار تهويدي بقيادة بني هاشم، وتيار تراثي عربي بقيادة أبي سفيان وحلفائه في مكة والطائف.

إن مصطلحات مثل الأمة والجاهلية والملك العضوض هي مصطلحات فقهية لاقومية بلغت قمتها في مصطلح ” الملك العضوض ” إشارة إلى إلى الحمع بين الدين والقومية في النموذج الأموي، والذي حاول فقهاء الشعوبية بقيادة تيار التهويد المهزوم الإنقلاب عليه أكثر من مرة تحت مسميات مختلفة، منذ حكم يزيد بن معوية، وحتى نجحوا في ذلك بقيادة فارسية مباشرة أيام مروان الحمار آخر ملوك بني أمية، لتبدأ بعد ذلك الخلافة الإسلامية ” العضوض ” للشعوبيين التي لم تزل قائمة حتى اليوم.

وتشكل عدمية الكاتب القومية تعبيرا عن عداء أوروبي طويل لأي نهوض قومي عربي، تبلور أخيرا في الليبرالية الغربية الحديثة على شكل صراع حياة أو موت مع أي مشروع تنموي عربي ذاتي. لقد عبر الكاتب عن هذا العداء بالأسلوب الإستشراقي المألوف في التجاهل، حيث أصبح الدين هو عرقية العربي وهويته القومية. وهي ظاهرة لا يمكن الإعتراف بها عقليا ولا تاريخيا. وبما أن الليبرالية هي مركب مزجي لخزعبلات ذاتية، فإننا لا نستغرب إقدام الكاتب على هذا الإنكشاف الذاتي الشجاع للقيام بمهمته التضليلية.

كوميديا الإصلاح الديني هذه، رغم أنها يمكن أن تكون هدفا إعلاميا بحد ذاته، ألا أن مجيئها في لحظات انشغال الغرب باستيلاد النظام والعالم العربي مولودا سياسيا جديدا، يناسب مرحلة التصفية النهائية، تمهيدا لابتداء العصر الإسرائيلي رسميا في المنطقة، يمكن أن يستدعي التساؤل إن كان لذلك علاقة مباشرة إذن بعصر ولاية الفقيه في إيران من ناحية، وعصر ولاية الحاخام في إسرائيل من ناحية أخرى، خاصة وأن الفراغات والصدف لا مكان لها في مجريات الأمور في العصر الأمريكي. العرب لم يكونوا مرة واحدة خلال حوالى المئة سنة الأخيرة طرفا في صراع مع أي طرف أو أطراف خارجية. كانت تفرض عليهم صراعات افتراضية، ولكنها كانت تبقى في حدود الكذب النظري، وبدون أن يكون المتوقع غير ذلك. هذا ما حدث في الصراع المتعدد الأسماء حول فلسطين، والذي أصبح اسمه المعتمد دوليا وإسرائيليا ألصراع العربي الإسرائيلي. خاض النظام العربي هذا الصراع ببسالة تآمرية إلى أن أخترق البؤس الفلسطيني ليقف مع إسرائيل في صف السلام. نجح في تصفية الفلسطينيين وطنيا من الناحية العملية، وأصبح وكيلا عن الفلسطينيين في مهزلة تفاوض كبرى كان طرفا غائبا وحاضرا في صياغتها. وما دام الشرق الأوسط الجديد على الأبواب، وافق النظام الأيراني أو رفض، وما دام الفقيه الشيعي والحاخام اليهودي يدافع كل عن مصالحه بشراسة، فماذا ظل على المسلمين أي السنة ( يذكر الكاتب في مقالته البحثية أن الشيعة ليسوا مسلمين بل هم دين آخر بسبب الفروق الجوهرية بين التشيع والدين السني ) سوى أن يقفوا وهم الأكثرية الدينية في المنطقة التي ستتقسم الحصص فيها بين الأديان؟ من المحقق أن النظام العربي يدرك هذا المنطق ويتمشى معه بالتأييد الأعمى لأن الذين يرددونه هم الأصقاء الأمريكان والأصدقاء الأوروبيون. ولكن المشكلة هي مع ذلك العناد المجاني الأعمى الذي يظهره المواطن العربي تجاه إسرائيل. وقد أثبتت أمريكا ونظام الدوحة العربي للشعوب العربية أن القضية الفلسطينية قد انتهت بأيدي الفلسطينيين أنفسهم، وأنهم لا يستحقون التعاطف معهم. ولكن هذا لايبدو مقنعا تماما وهو لا يكفي أيضا لإحداث انقلاب في الموقف النظري للإنسان العربي. فقد يتجاوز هذا الموقف حدوده النظرية إذا تفجر الموقف مع إيران. فسوف تكون هناك فرصة سانحة لهذا الإنسان الذي يحتقر أنظمته ويخشاها للإطاحة بها إلى جانب لإيران. لذلك لا بد من فقيه سني يحمل راية الدفاع عن حقوق السنة في الشرق الأوسط الجديد ووتتبعه الجماهير العربية السنية باقتناعى أو نصف اقتناع. إذ يمكن إخراج بعض المشاهد الإعلامية التي تتخصص بها السي أي أيه والموساد، والتي ستفجر عواطف السنة في اتجاه الإنحياز لدينهم، أي الإسلام، مقابل الدين الشيعي الذي من المؤكد في الفقه السني أن اليهودية أقرب إلى الإسلام السني من الشيعة، بفتوى من الشيخ “بطن العجل ” وفقهاء تركيا والمؤتمر الإسلامي الذي هو عضو في حلف الأطلسي. وأمريكا وإسرائيل نفسهما تدركان أن لا أحد يعرف تماما كيف ستتطور الأمور مع إيران سواء على الصعيد السياسي أو العسكري، ولكن استنفاذ كل إمكانيات الإحتياط والتخطيط لمواجهة أية احتمالات هي جوهر العمل السياسي والعسكري.

إذن مهزلة الإصلاح الديني كما وضعها الكاتب، لا توحي بجديته بقدر ما توحي بغرضيثه السياسية. وقد تكون تخويفا للإخوان المسلمين لتليين مواقفهم في التفاوض مع أمريكا والغرب لقبول إسرائيل بدون شروط وإقامة ثحالف الليبرالية مع الإسلام المعتدل تحت مظلة الدول الخليجية. وقد تكون لمجرد تهيئة العقول السنية لخيار الحياد في حالة تحالف الأنظمة العربية مع إسرائيل ضد إيران. وقد تكون أبعد من هذا بكثير، فوعاظ الليبرالية يملأون ساحات الإنترنت خاصة بعد ثورة الهرمونات الليبرالية في إيران.