أصل التطبيع وفصله: رسالة مفتوحة للقوي الوطنية والنقابات المصرية

عيداروس القصير

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1971)

علي الرغم مما يشبه الإجماع بين قوي المعارضة السياسية وأهم وأغلب النقابات المهنية والعمالية الرسمية المصرية حول رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، فإن هذا الإجماع يقوم علي موقف ملغوم وتلفيقي.

حقا ساهم هذا الالتقاء حول رفض التطبيع – ولا يزال إلي حد ما – يساهم في الحد من حركة التطبيع الفعلي وخاصة مساندة موقف جماهبر شعبنا الرافض من حيث الأساس للتطبيع مع الكيان الصهيوني.إلا أن هذا الموقف الملغوم والتلفيقي هو نفسه الذي لم يتح – رغم استمراره لنحو 30 عاما منذ أن طبعت أول دولة عربية وهي مصرللأسف علاقاتها مع اسرائيل – مواجهة أصل أو جذر التطبيع وعزل أساس التوجه السياسي الذي جعل عقد اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأسلو الاستسلامية أمرا ممكنا، وهو دليل علي عدم حدوث تطور سياسي جذري في توجه القوي الوطنية وجماهير شعبنا للمقاومة الايجابية والفعالة لسياسة الاستسلام للكيان الصهيوني والتبعية لسيده الاستعمارالامريكي والعالمي وسبب من أسباب عدم حدوث هذل التطور المنشود.

فكما هو معروف اتفقت هذه النقابات وتلك القوي والأحزاب علي رفض التطبيع حتي – أو إلي حين – تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وبهذه الصيغة فهي لم ترفض مبدأ التطبيع أي لم ترفض القبول والخضوع لللاستعمار الاستيطاني في أرض الغير وهو الشعب العربي الفلسطيني وبالتالي رفض القبول بالخضوع لمن أنشأه ويحميه وهو الاستعمار الامريكي والعالمي، وإنما علقت رفضها علي انسحاب من الضفة والقطاع والقدس الشرقية وحق العودة مقابل الاعتراف بحق الغزاة المستوطنين الصهاينة في اغتصاب أراضي 48 وتصفية المقاومة الفلسطينية التي ما أسست منظماتها سنة 1965 إلا لتحرير هذه الإراضي.

وعلي ذلك ينطوي موقف مقاطعة التطبيع هذا ومنذ بدايته علي مخاطرة أن يكون مرحلة انتقالية تجاه قبول التطبيع الفعلي، إلي جوار امكانية أن يكون مرحلة انتقالية تتحول فيها مواقف القوي والهيئات المختلفة المنضوية في الموقف إلي رفض التطبيع من حيث المبدأ وتبني استراتيجية تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني وتصفية القاعدة الاقليمية الأساسية للاستعمار في المنطقة. فالموقف الوسطي انتقالي بطبعه، وتغييره واتجاه التغيير مرهون بنتيجة النضال بين تيار القبول بالأمر الواقع عسير التغيير وبين تيار المقاومة والتغلب بالطريق الثوري علي واقع الاستعمار الاستيطاني المدعوم من القوي الاستعمارية العالمية. وهذا ما يتطلب من القوي الوطنية الثورية في مصر ألا يقتصر جهدها علي الحفاظ علي موقف رفض التطبيع بصيغته الحالية كحد ادني. فالبقاء طويلا في موقف وسطي وغير مبدئي هو مقدمة للتراجع للوراء، بل عليها أيضا ودون المزيد من التأخير ان تعمل بجهد صبور ودوؤب لدفع مختلف القوي الوطنية تجاه الموقف الوحيد الصحيح الذي اكده مضي 42 عاما علي هزيمة 67 ومضي 61 عاما علي هزيمة 48. وهذا الموقف الصحيح هو التمسك بتحرير فلسطين تحريرا تاما من الاستعمار الاستيطاني ورفض جريمة وعار قبول الاستعمار الاستيطاني لفلسطين 48 عندما قبلت الدول العربية قرار مجلس الأمن رقم 242 سنة 67 القائم علي الاعتراف باسرئيل واقامة حدود آمنة لها، وما جره ورائه من تنازلات متتالية، مقابل وهم استرداد الأراضي المحتلة سنة 67 والسيادة الوطنية عليها واقامة دولة فلسطينية مستقلة عبر تسوية سلمية مع اسرائيل.

إن تعليق مقاومة التطبيع علي موافقة اسرائيل علي الانسحاب من الاراضي المحتلة 67 وعودة اللاجئين هو اقرار وتسليم باستعمار فلسطين 48 استيطانيا، وهواقرار غير جائز لا مبدئيا ولا سياسيا ولا اخلاقيا حتي ولو كانت ازالته مهمة عسيرة أو غير واردة في الافق المنظور. فاقامة اسرائيل هي إزالة شعب من وجوده التاريخي والجغرافي والمجتمعي، فما الذي يفيده اقراره بشرعية تدميره وما الذي يلزمنا نحن جيران هذا الشعب واشقائه أن نقبل بذلك؟ وإذا افترضنا جدلا أننا غير قادرين علي منع الجريمة حاليا فإن ذلك لا يبرر لنا القبول بها وتبرئة المجرم. فلتوجد اسرائيل إلي أجل غير منظور والي أن نستطيع أو لا نستطيع هزيمتها لكن دون أن نعترف بحقها في اغتصاب أرض شعب أخر وتشريد وابادة أبنائه. واذا كان الاستقراراللازم لبناء بلادنا وتنمية مواردها هو الحجة التي يبرر بها المستسملون استسلامهم فالمستسلمون لا يبنون ولا ينمون الا التخلف والتبعية، ومن قال غيرهم أن الاستقرار ممكن في وجود القاعدة الاستعمارية الاستيطانية كلب حراسة الاستعمار الأمريكي والعالمي وأداته المطواعة في المنطقة؟ وما الذي جنته مصر من سلام الاذعان والاستسلام وخيانة القضية الفلسطينية والتفريط في السيادة الوطنية المصرية التي ارتكبتها السلطة السياسية للدولة في مصرغير المزيد من التخلف والتبعية وتفاقم المظالم الاجتماعية؟

ومن قال أننا غير قادرين إلا المستسلمين الذين يخافون من شعوبهم وجيوشهم إذا حملت السلاح لفترة طويلة علي أوضاعهم الطبقية الاستغلالية والسياسية الديكتانورية أكثر من خوفهم من اسرائيل ؟

الاعتراف بإسرائيل حتي وإن علق علي قبولها لنتف من الحق الفلسطيني، وفضلا عن كونه في الحقيقة بالنسبة لمن يقبله من شعوب العالم الأخري خيانة لمبادئ الاستقلال والتحرر والانسانية والحقوق التاريخية والسياسية للشعوب في أوطانهم وأراضيها هو، بالنسية لمن يقبله من المصريين والعرب الأخرين – وبغض النظر عن وعيهم أو عدم وعيهم بذلك أو حسن النية أو سوءها- خيانة لقضية الشعب الفلسطيني والشعب المصري والشعوب العربية المرتبطة رباط المصير بالشعب الفلسطيني الذي انتزعت منه أرضه لتكون قاعدة للعدوان والسيطرة علي مصر وغيرها من البلاد العربية.

لقد كسرت صيغة موقف رفض التطبيع الذي اختارته أغلبية القوي السياسية المصرية خارج نظام الحكم موقف الرفض المبدئي وغير المشروط لوجود الكيان الصهيوني علي أرض فلسطين، وفتحت ولا تزال تفتح الباب – وان احتفظ به لبعض الوقت مواربا – أمام التطبيع مع العدو الصهيوني أي بعبارة صريحة الاستسلام له. وهو موقف يساهم علاوة علي ذلك وبقدرملموس في تكريس الوهم بإمكان تحرير أي شبر من فلسطين من خلال الاتفاق مع اسرائيل والاعتراف بها، ويساهم في حجب حقيقة الحل الوحيد الذي تقبل به اسرائيل وهو تصفية القضية والسيطرة التامة علي فلسطين واستيطان البقية الباقية من أرضها أو أغلبها.

إن مقاومة التطبيع مع الموافقة علي مبدأ التطبيع مقابل أوهام وحلول مظهرية خادعة وكارثية المحتوي، هو موقف غير جدي أقرب للنفاق السياسي من القضية الفلسطينية والقضية الوطنية المصرية ويكرس ويطيل في عمر السياسة الرسمية المصرية والعربية التي استسلمت وخضعت للوجود الصهيونيي والتبعية لسيده الأمريكي والعالمي.

في البدء كان قرار مجلس الأمن 242 لسنة 1967 وكان الاعتراف من حيث المبدأ. التطبيع الواقعي هو تطبيق لمبدأ وافقت عليه قوي تشارك اليوم بل هي صاحبة الدور الأساسي في تحديد الموقف الحالي المشترك المحفوف بالمخاطر للقوي الوطنية من مسألة التطبيع.

من يقبل الاعتراف بالكيان الصهيوني فهو مطبع. الاعتراف تطبيع والتطبيع اعتراف. الاعتراف هو شرط التطبيع بل شرطه السياسي الأول وهو أكبر خطر علي الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية. فلولا هؤلاء المعترفون ونفوذهم الواسع نسبيا في الاقلية المسيسة للشعب وتاثيرهم السلبي علي الروح المعنوية الوطنية للجماهير لما كان استمرار سياسة الحل السلمي والاتفاقيات الاستسلامية التي جلبتها لنا أمرا ممكنا.

ولقد أصبح تطوير معركة مقاومة التطبيع وتجذيرها والوصول بالموقف المشترك الغالب بين القوي الوطنية في مصر والعالم العربي إلي موقف يقوم علي رفض مبدأ الاعتراف باسرائيل ورفض تطبيع العلاقات معها دون قيد أو شرط أمرا ضروريا وعاجلا. وهو واحد من المهام الأساسية للبناء علي صمود المقاومة في غزة أوائل هذا العام وانتصار المقاومة اللبنانية سنة 2006 وانتصارات المقاومة العراقية التي أجبرت رغم كل نواقصها الاحتلال الأمريكي علي إعلانه المخادع باستعداده للانسحاب والذي لن يحدث بصورة تامة إلا بمواصلة المقاومة العراقية والمزيد من التفاف الشعب العراقي حولها.

إن الاتفاقيات الجائز عقدها مع العدو الاسرائيلي لأسباب عملية هي اتفاقيات الهدنة المؤقتة لا أكثر. وينبغي أن تقوم مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني علي رفض الاعتراف معه كمبدأ علاوة علي المقاطعة العملية الشاملة. وهذه مهمة القوي الوطنية الثورية ومهمة كل من نادي بجدية بعد انتصارات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق خاصة، وقبل ذلك وبعده عامة، بأن خيارنا الاستراتيجي هو المقاومة.