إلى الرفيق عادل سمارة مرة أخرى: لا تغضب

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1972)

لو كان الوعي هو تلقائية العقل في التجربة لما كان هناك صراعات وعي، لأن الوعي عندها سيصبح قانونا طبيعيا متحقق الماهية مثل الجاذبية، ولن يعود حركة تطورية لها قوانينها الجدلية، وملابساتها الظرفية المختلفة والمتغيرة. سيتحول من حركة إشكالية متكونة باستمرار في التناقضات والحلول اللانهائية، إلى ظرف قائم باستمرار له وجهة جدلية ثابتة وخط تطوري مستقيم لا يثير سوى اهتمام المختصين. ولكان ماركس ربما عالما طبيعيا وليس عالما اجتماعيا. على الأقل هكذا تبدو الأمور في تصوري. ولكن العقل البشري لا يمكن إلا أن يكون إشكاليا في الحركة لتتحقق كل إشكاليات الجدل التي تحقق وعي التجربة المرحلية. هناك غائية طبيعية هي التطور لها قانونها الخاص الذي يحتم تناقضات الوعي بين العقل الإشكالي المتلاعب والتجربة النصية للتطور. وهناك خاصية بنيوية للعقل تتيح له التلاعب في مساحة ” حقائق الوهم ” أو مساحة ” أوهام الحقيقة ” لتتحقق الحركة.

بإمكان اي إنسان من الناحية النظرية والفعلية أن يتنكر لوعيه. أي أن يغادر ساحة الوعي الإجتماعي إلى ساحة الوعي الذاتي. لا أعتقد أن هناك حتى الآن وعيا لا يمكن رفضه علميا عدا الماركسية. إنها الوعي الوحيد القادر على التماسك في وجه تلاعبات العقل أي الفلسفات الذاتية. وإلى حين ظهور وعي متقدم على الماركسية، فإن العقل المتلاعب للطبقة أو للفرد لم يعد أمامه على ضوء الماركسية إلا أن يعلن انحرافه الذاتي ليس كجزء من صراعات المعرفة وإنما كجزء من الصراع ضد المعرفة العلمية التي تهدد اجتماعيته الطبقية أو حيوانيته الفردية، أو على الأصح كليهما معا. أي أنه من المفروض أن الماركسية تشكل أزمة للوعي الذاتي وأنها الوعي المسلح الذي يواجه هذا الوعي ويقمعه ثوريا. لقد وضعت وعي الطبقة الرأسمالية في مأزق اللص الذي تم اكتشافه. وبدا لفترة من الزمن أن الوعي الماركسي أصبح قوة مواجهة على طريق الإنتصار. فما هي الحال اليوم؟

لقد اًصبح مجرد التمسك اليوم بالوعي الماركسي، نوعا من الممارسة يحتاج إلى شرط البطولة غير العادية. عليه أن يواجه قمع الجماعة له، بعد أن كانت ساحته الآمنة، وقمع كل السلطات من نقابة الخبازين مرورا بنقابة االأطباء وانتهاء بنقابة حفاري القبور. كل ذلك في خواء معنوي قارص، يعرض موقفه للسخرية ، من جانب الساحة الجماعية التي كانت حضنه الآمن وميدان فروسيته النضالية. عليك يا رفيقي أن تعترف بأنه موقف صعب يتركك وحدك ومن تحب في مواجهة عدو هو معظم الناس تقريبا. لقد نقص أصدقاء الموقف بشكل مخيف، وزاد أعداؤه بشكل مرعب. لم تعد القضية قضية وعي أو التزام بمدي ما هي تعرض مجاني للسياط. لقد غادر معظم الناس وعيهم بهدوء، وبدون مقاومة تذكر، إلى وعي الآخر. لماذا؟ كان بإمكانهم أن يتماسكوا معنويا ووعيويا على الأقل، رغم الصدمة، ومع قدر من المعاناة يمكن احتماله، لأن اضطهاد الكثرة ليس سهلا كاضطهاد الفرد. ألم نكن نعاني طيلة حياتنا؟ اليس ما كان يخفف من معاناتنا إحساسنا بوجود حضن جماعي لن يتركنا للحصار نجوع أو نموت بدون علاج؟ أم ترى أن ذلك كان وهما؟ لماذا يتماوت الناس مثل الثعالب ليعيشوا مثل الفئران. ألا يفهم الشعب الفلسطيني ما يدبر له ليكون في حالة غياب شبه كامل عن الوعي؟ لماذا وقف الشعب العراقي مشنوقا أمام شنق صدام حسين؟ لماذا تعجز الشعوب العربية عن الإحساس بشرفها وإنسانيتها كل هذا العجز المريع؟ هل تنتظر المخلص أم أنها قررت الإستسلام للموت؟ ماذا تريد منهم في الحالتين؟ الوعي الآن يا رفيقي أن نبكي سويا، ليس ضعفا، فهذا أمر ممنوع فرديا، ولكن قهرا وحزنا، لعل أحدا يسأل لماذا يبكي هؤلاء؟ هل لو كان موتك أو موتي يغير شيئا من هذا الدمار العربي والفلسطيني الشامل أكان أحدنا يتردد في اتخاذ القرار؟

لو كان هناك خلاف جوهري بيني وبينك في الوعي، لما كنت أقول مثل هذا الكلام البائس. لعل هذا هو سلاحي الذاتي في مقاومة القهر بعد أن أعجزني الإلتزام. ولعله ليس لي شجاعتك وقدرتك على التحدي. كل هذا وارد طبعا. ولكن أرجو أن تتصور فقط المشهد السياسي الدائر حاليا حول السلام.

ألسلام مع من، أو بين من ومن؟

أين هي الحرب، وهل كان هناك مرة حرب في المنطقة لم تبادر إليها إسرائيل؟ وهل الذي لا يقدر على الحرب يستطيع أن يشارك في السلام؟ ألعصمة في الحرب والسلام ظلت بيد إسرائيل منذ اعتدائها على العرب. فلماذا يريد أبناء الفاضلات العرب أن يدفعوا دوطة أمهاتهم من بؤس الفلسطينيين ودمهم وتشريدهم؟ إذا أرادوا سلاما مع إسرائيل فهو قائم فعلا. وإذا كان التطبيع معها ناقصا أو غير معلن فليستوفوه ويعلنوه. ليس بوسع أحد أن يمنعهم من ذلك أو يأمرهم به إلا إسرائيل أو أمريكا. فما شأن الفلسطينيين بما تريده قطر أو البحرين أو الإمارات أو حامي مصلى إبراهيم في السعودية؟ إذا كانت بلادهم مستوطنات إسرائيلية، فلماذا يرفضون المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين بالوكالة عن الفلسطينيين؟ إنها العتبة التي ستصعد عليها أمهم بلقيس لتسجد أمام سليمان. إنها الدوطة التي يطلبها سليمان من العرب لينزو على بلقيسهم. لا سلام مع بقاء أي أثر للمشهد الفلسطيني. هكذا تقول لهم إسرائيل. عليكم أن تجروا الفلسطينيين إلى هاوية الإشكال التاريخي الوحيد بيننا وبينهم وهو المستوطنات. نريد التأكد أولا أنهم نسوا حيفا إلى الأبد قبل أن نوقف الإستيطان. لعبة مكررة تشبه النزول على درج قبر فرعوني ينتهي بالتطبيع مع الجثة الفلسطينية. فماذا يريد منا أباطرة الحريم في الخليج على سبيل المثال؟ ولماذا يسكت الشعب الفلسطيني على استخدام وطنه وشرفه وهويته في مفاوضات بين أعدائه؟ أليسوا كلهم طرف واحد يجمعهم العداء المصيري للفلسطينيين؟ أم أن الأمور غير واضحة؟ لماذا لا يحتشد شباب وشيوخ وخاصة أطفال المخيمات كما احتشدوا يوم زارهم عزمي بشارة، ويصرخوا في وجوه العرب: إفعلوا ما شئتم، ولكن ابتعدوا عن فلسطين ! لقد أضعتموها، ولكن لن نوقع على التبريء منها، فهي أمنا المشرفة إلى الأبد التي لا تشبه امهاتكم.

لا يا رفيق! كن متفائلا كما تشاء. أنا لا أستطيع! لا يحق لي أن أرفع عيني إلى وجه مطبع تافه خوف أن يبصق في وجهي. تصور أن يقول لي: أنا مع وقف الإستيطان، ومع دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. أليس هذا ما يريده شعبنا، فماذا تريد مني؟

لا يوجد يا أخي وعي مطلق. هناك وعي موضوعي ومرحلي فقط. لقد فقدنا المرحلة بتمامها عربيا وفلسطينيا. لا يوجد سنتيمنتر واحد نضع فوقه أصبعا من أصابعنا ونقول أنه لنا، أو حتى أنه كان لنا. التفاؤل والتشاؤم كما تعلم هما موضوعتان للتقييم الواعي، وليستا مجرد مفهوم مزاجي بدون شكل أو مضمون كما يظنهما الشعراء. وعندما تصل الحال بالشعب الفلسطيني أن يفاوض أعداءه على موته، فلن يكون بوسع أحد موضوعيا أن يتفاءل. يصبح التفاؤل موقفا أخلاقيا يبرر الصمود، يصبح موقفا للتحدي برصيد الذات وحدها من القدرة على الإحتمال. أما في الموضوع فالمطلوب هو ثورة الشعب المفاوض على وعيه.

تفاؤلي الموضوعي هو بحتمية انتصار الماركسية. لا مناص من ذلك أبدا في الوعي المتمثل. الناس لا يستطيعون أن يوقفوا قانون التطور العام، ولكنهم يستطيعون التدخل في تفاصيل مصائرهم الذاتية ويخسروا أو يكسبوا معركة المرحلة أو المصير الذاتي. في هذا المجال لا أستطيع أن أكون متفائلا لأن موضوعية الوعي ترفَض ذلك. في جدلية العاصفة ليس الماء هو الذي يحدد مزاج البحر. الذي يفعل ذلك هو الرياح القادمة من اليابسة. ولكن الماء هو الذي يصنع جبال الموج ويهاجم السواحل ويغرق السفن. ونحن لم يعد لنا يابسة تأتي منها الرياح وبحرنا لا ماء فيه.

لماذا تضع فاصلا بين الشعراء وغير الشعراء؟ الشعر موجود في كل موقف عظيم، الشعراء هم المهارة التي تلتقط الشعر من مشاهد الصمود أو الشهادة أو البطولة أو المعاناة الإنسانية وتحولها إلى نص لغوي. هل تعتقد أن هناك مشهدا عظيما خال من الوجدان؟ إسأل تجربتك وستجد أنك شاعر أيضا بمعنى من المعاني. لأن الموقف عبث بدون الوجدان، والشعر أكثر عبثية بدون الإلتزام. أنسيت رومانسيات العمل الماركسي أيام العز، من اناشسد الأممية والشعارات الإنسانية والروح الرفاقية؟ ألم يكن ماركس شاعرا أيضا. ثلاثة كتب لا رابع لها كونت ثقافتي الوجدانية: القرآن، وكتاب الأيديولوجية الألمانية لماركس وأنجلز، وكتاب ألف ليلة وليلة. هل لو كانت الثقافة الفلسطينية والعربية تتعايش مع وجدان التجربة الفعلية التي تربط الإنسان بشاعرية المشاهد الأرضية من سهول وجبال ووديان وبشر ، وليس مع وجدان نواقض الوضوء كنا نصل إلى هذه الحال من التباس المصير في عقولنا؟ أنت في قناعتي شاعر بدون أن تقصد أكثر من أي مطبع يكتب الشعر بالثقافة المحمولة. إن النص الشعري لا يحمل اختلافه عن غيره إلا بإجازة لاحقة من وجدان المعرفة الأنساني. وقد يقول الباحث عبارة الوجدان بدون غرض إبداعي مسبق، ولا يمكن مقارنة أي نص لشاعر تطبيعي بها لأنها شعر حقيقي. هل أضيف إلى معلوماتك شيئا إذا قلت لك أن معظم النتاج الثقافي الفلسطيني كان آلية للتطبيع إن لم يكن برداءة التوظيف والقصد فبالغباء المحكم والثقافة البلهاء؟ قال لي مرة أحد أكابر شعرائنا من مدرسة التعاقد الوطني، وهو يتحسس معدته:

سأموت ممعودا يا أحمد، فهل سترثيني؟

قلت: لا ! ولو مت مقتولا.

قال: لماذا؟

قلت: لأنني لا أهجو الموتى.

وعربد وجدف وشتم. فقلت له:

تمهل ! سأكتب إذا شئت، عبارة قصيرة على شاهد قبرك هي أبقى لك من قصيدة مكتوبة على الورق.

قال: ماذا ستكتب؟

قلت: سأكتب: هنا يرقد الشاعر العظيم الذي لم يكتب في حياته بيتا واحدا من الشعر.

وانصرفت مسرعا وتركته يجدف على هواه.

هذا هو المطبع. يكتب شعر مقاومة ويقبض من وزارة الثقافة الإسرائيلية بدل مقاومة. ومع ذلك فهو شاعر مقاومة حقا بشهادة كل مثقفي الأرض المحتلة، وقراء ” وسميعة ” الشعب الفلسطيني. فهل أكون عاقلا إذا كذبت شعبا كاملا، وساحة ثقافية، وصدقت نفسي؟ لقد جربت أن اتناول موقف المرحوم محمود درويش الوطني بشيء أقرب إلى العتاب منه إلى النقد. كنت متهيبا ليس من محمود درويش فقد كنت أعلم أنه لن يرد علي. ولكن من رموزيته الوطنية في نظر الأكثرية الساحقة من القراء ومن النقاد الذين كان يرهقهم الكساد الثقافي. وما آلمني أن أحدا لم يهتم بما قلته عن المرحوم وإنما كيف تجرأت على ذلك. فلماذا أفعل ما يسيء إلي ولا ينفع التزامي؟

أعرف أني أغضبتك. ويعز علي أن أغضبك. ولكنني أعترف لك بأنك على حق في غضبك. لأن البذاءة الثقافية لا يصح السكوت عليها حتى لو كنت تعيش مع مصدرها وحيدين على جزيرة منعزلة. ردة فعل الوعي حتمية وجودية. وشرف الإنسان أيضا حتمية وجودية. ولكن في إطار فرديته الإجتماعيه الملتزمة، وليس في إطار فرديته الأنوية. إنني اتجنب الإلتحام مع المطبعين لأنهم في ضوء نكبة الوعي التي نعيشها، أصبحت أشعر أنني أمارس التزاما فرديا مرفوضا وطنيا.

عزيزي عادل !

لا أدري هل أنا غاضب أو محبط أو كاذب مع وعيي. لعل كلينا محق أو أنك أنت المحق، ولكن يعزيني أن كلينا وجهان لوعي واحد أحدهما مستبشر والآخر عابس. واسلم لأخيك.