المخدرات في الستراتيجية العالمية للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية

جورج حداد*

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1972)

لا تزال البروباغندا الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تملأ العالم زعيقا اشبه بالنباح الهتلري، حول “الدمقراطية” و”حقوق الانسان” و”الصليبية” و”صراع الحضارات”. وهي طبعا تدعي انها صاحبة “رسالة حضارية”. وبحجة القضاء على نظام طالبان والقاعدة في افغانستان، وعلى نظام صدام حسين في العراق (والطرفان كانا صناعة اميركية بامتياز)، تم قتل والتسبب بموت مئات الالاف وتشريد الملايين من المواطنين الافغانيين والعراقيين المظلومين، وتدمير هذين البلدين، واحتلالهما احتلالا كاملا ناجزا تم خلاله التخلص التام من نظامي طالبان وصدام وحتى من صدام حسين شخصيا، وفصـّل المحتلون لافغانستان والعراق النظام السياسي والاجتماعي والثقافي “الدمقر اطي” و”الحقوق ـ انساني” و”الحضاري” الذي يريدون. فماذا كانت النتيجة؟

ـ لا “دمقراطية” ولا “حقوق انسان” ولا ظل لـ”الحضارة”. بل انهيار سياسي واقتصادي واجتماعي وحضاري وبؤس وشقاء وتهجير وموت يومي بسبب وبدون سبب، في الطرقات والجوامع والكنائس والاسواق والمدارس والمؤسسات. حتى الاحتفالات الدينية والجنازات والاعراس صارت هدفا للتناوب (المدوزن في مطابخ السي آي ايه والموساد) بين: التفجيرات “الارهابية”، و/او قصف الطائرات والصواريخ الاميركية بحجة مكافحة الارهاب. وأفظع نتيجة “دمقراطية” و”حقوق ـ انسانية” و”استقلالية ـ سيادية” توصل اليها الاحتلال الاميركي هي وضع افغانستان والعراق والعالم العربي البائس والعالم اجمع امام الخيار “الحضاري” التالي:

ـ اما استمرار الاحتلال، واما عودة طالبان مرة اخرى في افغانستان. و: اما استمرار الاحتلال، واما “الفوضى الخلاقة” الكاملة والمذابح المتبادلة الشاملة في العراق.

ان السادة “اليساريين” وحتى “الماركسيين” السابقين والحاليين، امثال سيادة الرئيس الافخم جلال طالباني وحميد مجيد موسى وفخري كريم والعفيف الاخضر وصلاح بدرالدين وكريم مروة والياس عطاالله ومن لف لفهم، يريدوننا ان نؤيد استمرار الاحتلال الاميركي لافغانستان والعراق، ولو مرحليا، بحجة انه اهون الشرين، وانه هو “الرافعة الحضارية” التي ستشق لنا طريق “الدمقراطية”.

فإذا كانوا يريدوننا ان نؤيد الاحتلال، فهذا يعني عمليا الاعتراف بالفشل التام لاميركا في تطبيق الدمقراطية، لانها اصلا لم تأت بالاحتلال لتطبيق الدمقراطية، ولأن الاستعمار والاحتلال لم يكونا يوما ولن يكونا ابدا الطريق الى الدمقراطية. ويعني استطرادا الاعتراف بالكذب التام للامبريالية الاميركية ـ الصهيونية العالمية في كل ادعاءاتها حول “الدمقراطية” و”حقوق الانسان” و”الحضارة”.

XXX

واذا كان من الواضح، والمفضوح جدا، ان الهدف الاساسي للعدوان على العراق واحتلاله هو: النفط والغاز؛ فإنه ليس من الواضح، الا لقلة قليلة من الناس ان الهدف الاساسي والرئيسي للعدوان على افغانستان واحتلالها، بل و”اشراك” الحلف الاطلسي كله في هذا الاحتلال، هو: المخدرات.

ان ذوي التفكير السطحي يعتقدون ان “شغلة” المخدرات لا تزال مقتصرة على المهربين والمافيات والعصابات بالتعاون او بتسهيلات من قبل بعض رجال الشرطة والجمارك وبعض السياسيين الفاسدين؛ دون ان تدخل هذه “الشغلة” في السياسة الرسمية للدولة ذاتها. ويعتقد اصحاب هذا التفكير السطحي ان الدول “الدمقراطية”، ولا سيما دولة “دمقراطية” عظمى كأميركا هي ضد زراعة وصناعة وتجارة المخدرات، وانها تحارب “شغلة” المخدرات من اجل تأكيد نظافة “دمقراطيتها” المزيفة وتضليل مجتمعها الخاص والمجتمعات والشعوب والدول الاخرى لاجل “تمرير” سياستها ومصالحها الامبريالية.

ولو كان ذلك صحيحا، لما كان من سبب للاحتلال الاميركي لافغانستان، الذي مر عليه الى الان حوالى 9 سنوات ويريد الرئيس اوباما توطيده وتوسيعه وتأبيده.

والسؤال الذي يمكن ان يفاجئ اصحاب التفكير السطحي: هل يمكن ان تكون اهمية “شغلة” المخدرات قد “ارتفعت” من مستوى اهتمام المافيات والعصابات، الى ان تصبح عاملا رئيسيا في الستراتيجية العالمية لدولة عظمى كأميركا؟

هذا ما ينبغي الاجابة عليه من قبل جميع القوى الوطنية والتقدمية والانسانية والدمقراطية الحقيقية.

XXX

ونحن نحاول مقاربة الجواب في ما يلي:

ـ1ـ لقد تأسست الرأسمالية على قاعدة “المزاحمة الحرة” الشهيرة، التي هي في مظهرها قاعدة “دمقراطية”، ولكنها في جوهرها قاعدة تصلح لوحوش الغابات اكثر مما تصلح للمجتمع الانساني، لان الترجمة العملية لهذه القاعدة هي “القوي يأكل الضعيف” و”الفاجر يأكل مال التاجر” (اي التاجر الشريف والنزيه)؛ وفي خلال مرحلة زمنية معينة نشأت “الاحتكارات” على قاعدة “المزاحمة الحرة”. فماذا فعلت الدولة البرجوازية “الدمقراطية” التي سبق وتأسست على قاعدة “المزاحمة الحرة”؟

ـ لذر الرماد في العيون، صدرت هنا وهناك بعض القوانين المعارضة للاحتكار، ولكن في النتيجة اندمج جهاز الدولة مع الاحتكارات، واصبح في خدمتها تماما؛ ونشأت بنتيجة ذلك الدكتاتوريات المكشوفة، او الدكتاتوريات المتسترة بصندوق الاقتراع والمتسلحة بالمال والشرطة والمخابرات والاجهزة السرية والعصابات؛ وتحول المواطن الى “حشرة” او ادنى من حشرة، تجاه الاحتكارات وسلطة الدولة في جميع البلدان الرأسمالية. ونشأ الاستعمار والامبريالية، واحتلال البلدان الاخرى واستعباد الشعوب الاخرى، لا بواسطة عصابات او جيوش مرتزقة مرتبطة بالاحتكارات ولا علاقة للدول الاستعمارية بها، بل بواسطة الجيوش الرسمية والنظامية للدول الاستعمارية؛ وهي جيوش تابعة لمؤسسات الدولة المنتخبة “دمقراطيا” من قبل الشعب الاميركي او الانكليزي او الفرنسي الخ. فما هي هذه الدمقراطية التي تبيح لـ”المواطن” (!!!) الاميركي او الانكليزي او الفرنسي، ان “يصوت” و”يمنح ثقته” لقتلة الفيتناميين والجزائريين والمصريين والعراقيين الخ.؟ وبأي حق دمقراطي او سماوي او جهنمي، يجوز لـ”المواطن!!!” الاميركي او الانكليزي او الفرنسي ان يلبس بذلة عسكرية “نظامية” ويحمل علم دولته “الدمقراطية”، ويجتاز الاف وعشرات الاف الكيلومترات ويأتي الى بلادنا لقتلنا في بيوتنا، ظلما وعدوانا؟ ان اعطاء الطابع الدمقراطي للدول الاستعمارية خاصة والرأسمالية عامة، حوّل ليس فقط الحكام والقيادات في تلك الدول، بل كل “مواطن!!!” يؤمن بهذه “الدمقراطية” وينفذ سياستها، حوله الى قاطع طريق وقاتل وجلاد، او مساعد لقطاع الطرق والقتلة والجلادين. ان جورج بوش هو مسؤول عن احتلال العراق، ولكن الجندي(= المواطن!!!) الذي نفذ الاحتلال، والناخب(= المواطن!!!) الاميركي الذي أيد الاحتلال هما ايضا مسؤولان. وكل من يؤيد الاحتلال باسم “الدمقراطية”، ايا كان واينما كان، حتى لو كان رئيس جمهورية او رئيس وزراء في العراق او افغانستان او فلسطين او لبنان، هو مسؤول بنفس الدرجة، مثله مثل الرئيس او الجندي الاميركيين، ويجب محاسبة كل هؤلاء على كل قطرة دم سفكت في العراق وغير العراق وكل اهانة وجهت الى الانسان المظلوم العراقي وغير العراقي.

هذه هي النتيجة التاريخية لاندماج الدولة الرأسمالية مع الاحتكارات.

ـ2ـ مثلما اندمجت الدولة الرأسمالية مع الاحتكارات، وتحولت الى وحش معاد للانسانية، فما هي الضوابط او الموانع “الاخلاقية” التي تمنع الدولة الرأسمالية المعاصرة من الاندماج مع العصابات والمافيات، بحيث ننتقل من مرحلة “مافيا في الدولة” الى مرحلة “دولة المافيا” او “الدولة المافيا”.

ـ3ـ اذا وضعنا الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية في مكانها الطبيعي، كطغمة اجرامية لا عقيدة ولا دين ولا فكر ولا مبدأ لها، انسانيا، سوى الركض وراء تكديس المليارات على حساب المجتمع الدولي بأسره، بدون اي اعتبار لأي قيمة، سياسية او اخلاقية او فلسفية او دينية، انسانية او قومية او عائلية او فردية، لاستطعنا ان نكتشف ببساطة كبيرة ان الامبريالية ليست لديها اي موانع لاستعمال اي سلعة قذرة او اي سلاح قذر، في سبيل مصالحها، ولاستطعنا ان نكتشف ببساطة اكبر ان هذه الطغمة قد وجدت ضالتها منذ زمن ليس بالقصير، في “سلعة ـ سلاح” قذرة تنسجم تمام الانسجام مع الطبيعة الطفيلية المطلقة للامبريالية، وهي: “سلعة ـ سلاح” المخدرات.

ـ4ـ واذا اجرينا جردة لكل التحليلات، المؤيدة والمعارضة، لـ”الحملة الصليبية” العالمية الحالية، التي تقودها الادارة الاميركية الراهنة، لوجدنا انها تتمحور حول ثلاثة اسباب، او ابعاد رئيسية، هي:

أ ـ ما يسمى “مكافحة الارهاب”، التي يراد تحت لوائها ضرب كل مقاومة وطنية واجتماعية ـ انسانية، للطغمة الاحتكارية الامبريالية، الاميركية ـ الصهيونية، في مسعاها للهيمنة الاحتكارية الاحادية على العالم.

ب ـ الاحتلال والهيمنة السياسية ـ العسكرية، تحت الشعارات الكاذبة لنشر الدمقراطية.

ج ـ السيطرة على المقدرات الاقتصادية للعالم، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي والممرات التجارية العالمية الرئيسية.

ولا شك ان هذه الابعاد كلها هي حقيقية وواقعية، وينبغي اخذها تماما بعين الاعتبار. ولكن في كل من هذه الابعاد، فإن الطغمة المعنية تبقى بحاجة الى “شركاء”، دولا او قوى او مؤسسات سياسية واقتصادية ومالية.

كما ان هذه الابعاد تفترض ان تتقيد الطغمة المعنية بحد ادنى من القوانين والاعراف الحقوقية والشرعية الدولية، وان تخضع ولو شكليا لبعض القرارات الدولية من الهيئات التي تشارك دولها فيها، كالامم المتحدة، وحتى الاحلاف العدوانية كحلف الاطلسي وما اشبه. وهذا ما تريد تلك الطغمة المجرمة التحلل منه نهائيا. ذلك ان الهيمنة العالمية المطلقة التي تطمح اليها تتنافى مع اي منطق مشاركة لها، او مراقبة عليها، من اي جهة اتت، حتى من اقرب حلفائها واتباعها انفسهم، وحتى من دولها الخاصة بالذات.

وهذا ما يدفع تلك الطغمة لأن تعمل المستحيل، كي تخفي أقصى ما تستطيع البعد الرابع، الذي هو البعد الاساسي والرئيسي، “للحملة الصليبية” القائمة حاليا، وهو البعد المتعلق بالمخدرات.

ـ5ـ تفيدنا التجربة التاريخية العالمية، انه في القرن الثامن عشر حاول المستعمرون الانجليز مد “حضارتهم” الغربية من الهند الى الصين لاستعمارها ايضا. ولما فشلت حملاتهم العسكرية الاولى، لجأوا، وليس بدون اغماض العين والمباركة الفعلية من قبل “كنيسة الدولة”، الى سلاح الافيون، الذي اخذوا ينشرونه لتسميم الصينيين وشل ارادة المقاومة لديهم، وايجاد “قاعدة حليفة” للانكليز في صفوفهم، الامر الذي مهد للانكليز سبيل الانتصار العسكري لاحقا. وهذا ما عرف تاريخيا بـ”حرب الافيون”. وطبعا ان كمية مادة الافيون التي استخدمت في هذه الحرب كلفت الخزينة البريطانية بعض النفقات، مثلها مثل اي باب من ابواب النفقات الحربية، التي تم تعويضها من الارباح الناتجة عن الاستعمار.

واستنادا الى هذه التجربة “الحضارية!” ـ الاستعمارية الثمينة، فإن الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تلجأ الان الى المخدرات، بطريقة “عصرية” و”علمية” و”اقتصادية”، “ارقى” و”افضل” و”اكثر عقلانية” مما جرى في حرب الافيون الانجليزية ضد الصين. ويتبين ذلك فيما يلي:

اولا ـ ان الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تتعامل مع المخدرات اولا كبيزنس، اي كمشروع مالي مثله مثل اي مشروع مالي ـ انتاجي ـ تجاري آخر. وبذلك فهو لن يكلفها شيئا، كما كلف الافيون ميزانية الامبراطورية البريطانية في حينه. بل بالعكس، ان تجارة المخدرات هي كفيلة بتمويل اي “حرب أفيون” اخرى في عصر “العولمة” الاقتصادية الراهنة المتوحشة بالمطلق.

ثانيا ـ ان لهذا البيزنس خصوصيات استثنائية اهمها:

أ ـ انه يدر ارباحا خيالية لا يمكن لاي بيزنس آخر، بأي حساب مالي عادي، وبناء لأي مبدأ اقتصادي، ان يضاهيه فيها.

ب ـ باعتبار ان شغلة المخدرات لا تزال تخضع “دمقراطيا” او “دينيا” للمنع والتحريم والتجريم، وتقع تحت طائلة القانون الاخلاقي والجنائي، فإن الاموال الهائلة المتأتية منه تبقى “في الظل”، ولا تخضع للرقابة المالية والسياسية لا الرسمية ولا الاجتماعية، العامة او الخاصة. وهذا ما يتيح للطغمة الاحتكارية الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية ان تتصرف بهذه الاموال كما تشاء، على مدى العالم بأسره، دون الخضوع لرقابة حتى دولها ومجتمعاتها او حتى احزابها المعنية، ناهيك عن مؤسسات المجتمع الدولي بشكل عام. ولتبيان اهمية هذه النقطة نقدم المثال التالي: اذا اراد المطبخ المافياوي في “البيت الابيض” او “السي آي ايه” او “الموساد”، مثلا، تنظيم سلسلة اغتيالات او انقلاب دموي او عملية ارهابية كبرى (كاغتيال جون كندي او بابا روما او رفيق الحريري او ياسر عرفات)، فهو يحتاج ليس فقط الى قرار سياسي معين تصدره مؤسسات الدولة المعينة، بل ايضا والى تمويل معين يحتاج هو نفسه الى قرار من مرجع رسمي او شبه رسمي او حزبي معين الخ. وبذلك تكون تلك الطغمة مضطرة، في نهاية المطاف، للخضوع او لمسايرة مؤسسة ما من مؤسسات الدولة التي توجد فيها، او المؤسسات الحزبية او السياسية في المجتمع الذي هي جزء منه والذي جاء بها الى السلطة. اما في حالة توفر اموال المخدرات “غير الشرعية” وغير الداخلة في اي حساب اقتصادي رسمي و”شرعي” من الاساس، فإن الطغمة الاجرامية الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية تصبح طليقة اليدين كليا، في التقرير والتخطيط والتمويل والتنفيذ، لاي خطة او حملة او حتى حرب قذرة في اي مكان في العالم، بما في ذلك داخل بلدانها بالذات، وبمعزل وحتى ضد مؤسساتها بالذات، الرسمية وغير الرسمية.

ج ـ ان شغلة المخدرات تقوم على “مبدأ” “المصلحة المطلقة” او “المصلحة بذاتها”، التي لا تقيم اي اعتبار لاي “قيمة” اخلاقية او وطنية او دينية او سياسية او فكرية الخ الخ. فالامبراطورية البريطانية حينما لجأت الى سلاح الافيون، كانت ملزمة ان تستخدمه فقط ضد الصينيين، بقرار من مؤسسات الدولة البريطانية ومع الحصول على “غض النظر” من قبل الكنيسة الرسمية البريطانية. اما الطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية فهي تستخدم هذا البيزنس اليوم اينما كان، بدءا من “بلدانها” بالذات وضد ابناء “شعبها” بالذات. وهذا ما يجعل هذه الطغمة “الاجرامية بالمطلق” بغنى تام عن اي “عفش!” ايديولوجي او وطني او حقوقي او اخلاقي او ديني الخ الخ، كانت ولا تزال اي طغمة امبريالية “تقليدية” مضطرة لأن تحمله على كاهلها وتتاجر به.

وهذه “التحررية المطلقة” او “الليبيرالية المتوحشة المطلقة”، تتيح بالتالي لهذه الطغمة بالتحديد “اللقاء المصلحي” ـ بدون اي “حواجز” ناشئة عن اي “معتقدات مسبقة” ـ مع جميع المجموعات الاجرامية والفاسدة في العالم، بما فيها “المعادية” لها، بالمقاييس الدينية والوطنية والايديولوجية والسياسية، ايا كان “العفش” الايديولوجي او السياسي او الفكري او الاخلاقي او الديني “الآخر”، الذي تحمله تلك المجموعات. وللمثال: اذا كانت توجد حرب بين دولتين، فالطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية هي قادرة، بواسطة بيزنس المخدرات، وامواله، ان تكون في وقت واحد “مع” الطرفين المتحاربين، وبمختلف الاشكال والالوان السياسية وغير السياسية التي تبدلها كما تبدل الجوارب. ويصح ذلك حتى لو كان احد اطراف هذه الحرب هو الدولة الاميركية ذاتها. والشيء ذاته يقال في حال وجود حرب اهلية، دينية او عقائدية او عشائرية الخ، مهما كان من “دينيتها” و”عقائديتها” و”عائليتها”. فالطغمة الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية، التي تمارس بيزنس المخدرات، يمكنها بواسطته ان توجد في الوقت ذاته “في المعسكرين”، وأن يقاتل “رجالها” المرتبطون بهذا البيزنس “على المتراسين”، وبذات الحمية الدينية والعقائدية والسياسية والعشائرية التي يقاتل بها الآخرون على كل متراس!… ودون اي وازع او عائق اخلاقي الخ. فطالما يكون “البيزنس” ماشيا، فكل شيء آخر هو مباح.

XXX

نخلص من ذلك الى القول:

ـ1ـ ان حرب افغانستان تؤكد الانتقال من مرحلة “دولة الاحتكارات” الى مرحلة “دولة المافيا”، وان الدولة الاميركية ـ الصهيونية ليست “دولة امبريالية” وحسب، بل هي تحولت بشكل اكثر تحديدا الى: دولة امبريالية مافياوية.

ـ2ـ ان المخدرات هي “سلعة ذات ريعية خيالية” لا تضاهيها ريعية اي سلعة اخرى. وهي في “طبيعتها” ذاتها “سلعة احتكارية” اي ليست (كسلعة: زراعة وصناعة وتجارة) في متناول اي كان من الرأسماليين الآخرين وبالتالي من السهولة اكثر جعلها وقفا على الاحتكاريين الامبرياليين الاكبر في العالم. وفي الوقت نفسه هي “سلاح ستراتيجي” فتاك، ينوب عن الجيوش والاسلحة التقليدية وعن الصواريخ والاسلحة النووية وغيرها من الاسلحة غير التقليدية، التي اصبح يوجد اكثر من “دولة شريرة”، غير روسيا وبالاضافة اليها، يمكنها ان تستخدمها ضد اميركا.

ـ3ـ ان كل سلوك الدولة الاميركية في العقود الاخيرة، وخصوصا في المرحلة الراهنة، تشي بوضوح ان شغلة المخدرات اصبحت “الشغل الشاغل” او المحور الاساسي والرئيسي للستراتيجية العالمية للدولة الاميركية التي تحولت (من رئيسها المبجل الى آتفه نفر في الجيش الاميركي) الى مافيا مخدرات لا اكثر ولا اقل، طبعا بالتداخل التام مع كونها الدولة الامبريالية الاوحش والاحقر في تاريخ البشرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب لبناني مستقل