علامات واشارات على الطريق إلى “مؤتمر بيت لحم”

محمد العبد الله
(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1973)

الوثيقة “المتفجرة” التي رماها “أبو اللطف” على مرأى العالم قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، لم تكن ” فشة خلق” كما حاول أن يدعي بعض المعلقين، وليست “زوبعة في فنجان” كما وصفها “محمود عباس”!. فالحراك الذي ارتبط بها، يؤكد على أنها حركة تنظيمية/سياسية اعتراضية، نتيجة مركز الرجل/القائد داخل “فتح”، كأحد المؤسسين الأوائل، بكل ما يعنيه الواقع الراهن من مكانة “اعتبارية وتاريخية” للرجل. ولهذا فإن صدى “قنبلة القدومي الصوتية” كما وصفها بعض المقربين من سلطة رام الله المحتلة، سيتحدد من خلال طبيعة الترتيبات والاصطفافات التي كان متوقعاً لأبي اللطف أن يضعها في حساباته، داخل الجسم التنظيمي للحركة، الذي يتحرك على سطح صفيح ساخن، فرضته حوارات الأشهر الثلاثة الأخيرة قبل 11 تموز_ موعد القاء متفجرة القدومي_ ونتجت عنه مجموعة خطوات انقلابية مارستها قيادة دحلان/عباس، أطاحت بدور اللجنة التحضيرية العليا، وبتوجهات اللجنة المركزية للحركة، التي تعاقبت اجتماعاتها على مدى عدة أشهر في العاصمة الأردنية “عمّان”، والتي توافقت على تحديد عدد الأعضاء، وشروط العضوية، ومكان المؤتمر السادس خارج الضفة الغربية المحتلة.

بعيداً عن أجواء حملات التشكيك بالوثيقة، وخارج اطار عبارات التجريح السوقية التي نفثها أصحاب العقول المريضة بحق الرجل/المؤسس، الذي تحول على يد تلك الحفنة من “الكتّاب”، إلى “متآمر” و”مرتبط بالمحور الاقليمي”، و “مريض الزهايمر”! يمكن القول بأن العديد من الأصوات ” الفتحاوية” الرافضة لانعقاد المؤتمر في ظل هذه الأوضاع الرمادية، سواء من حيث المكان والزمان، قد وجدت في الأجواء التي فرضتها الوثيقة، المجال الحيوي لتحركها داخل البيت الفتحاوي، الذي يشكو منذ عدة سنوات، من تشققات وفجوات هائلة في جدرانه. فرغم التباعد الجغرافي، فقد عبّرت تلك العناصر في “الضفة المحتلة، تجمعات اللاجئين في بعض دول الطوق، الجاليات في أوروبا وأمريكا” عن رفضها لانعقاد المؤتمر.اللافت في هذا المجال، كان الحديث الذي أدلى به “جبريل الرجوب” لفضائية “فلسطين” التي تديرها السلطة في رام الله المحتلة. فقد شن المسؤول الفتحاوي هجوماً قاسياً على دحلان، محملاً اياه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في قطاع غزة. مشدداً بذات الوقت على رفض مشاركة الأخير في المؤتمر السادس للحركة، لأن (من تسبَّب فيما جرى في غزة عليه أن يذهب إلى مصحة عقلية لا إلى مؤتمر “فتح” السادس)، مؤكدًا على أن (هناك اطرافا في قيادة حركة “فتح تريد أقلمة الحركة على مقاس احتياجاتها ومتطلباتها). ودعا الرجوب إلى عدم عقد المؤتمر السادس لـ”فتح” في الرابع من آب/أغسطس المقبل في مدينة بيت لحم دون إتمام حضور قادة الحركة في قطاع غزة، مرجحاً عدم نجاح المؤتمر حال انعقاده، من جرَّاء بعض العقبات التي تعترض طريقه، أهمُّها (القنبلة التي فجَّرها فاروق القدومي، واتهامه عباس ودحلان بالتورُّط في اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات)، على حد قوله. كما أن ما صرح به “حسام خضر” نائب “فتح” في المجلس التشريعي، في مقابلة له مع صحيفة “القدس العربي” مؤخراً يشير إلى حجم التفاعلات داخل الحركة (للأسف الشديد تتم المتاجرة بحركة فتح جهارا نهارا وتستخدم هذه الحركة بتاريخها وإرثها النضالى من أجل الإبقاء على امتيازات شخصية لهذا وذاك)، مضيفاً (ما يحزن أن الذين دمروا فتح على مدار العشرين عاما الأخيرة هم من يملكون الإمكانيات المادية والمالية والوسائل الأخرى من خلال المراكز التى استأثروا بها في الحركة ومن خلال الملايين التى نهبوها من أموال الشعب الفلسطيني)، مشدداً على أن (هناك توظيف رهيب للمال السياسي من أجل أخذ حركة فتح الى شروط المجتمع الدولى وتفريغها من محتواها النضالى الثورى التحرري وقطع الحركة عن تراثها وإعادة صياغة أهدافها ومبادئها وأساليبها بما يتماشى سياسيا مع هذه المرحلة السياسية الهابطة!!).

في ظل هذه الأوضاع الحركية المتشظية، يمكن التأكيد على أن التحضيرات للمؤتمر لم تكن نتيجة اجماع داخلي. فقد كشفت مداولات وتحركات الأشهر الثلاث الأخيرة، عن خلل فادح في مستويات النقاش الداخلي في صفوف القيادات والكوادر، حول طريقة مواصفات عضو المؤتمر، والآلية التي تمكن الإطارات التنظيمية من تسمية مندوبيها للمؤتمر، نتيجة البنية الداخلية للحركة التي تماهت مراتبها في مكونات اجهزة السلطة، خاصة بعد عقدين من الزمن غابت خلالها المؤتمرات، في ظل سيادة القيادة الفردية المطلقة في المركز وفي مناطق الانتشار. لذلك تتخوف قطاعات واسعة من المهتمين بالحراك التنظيمي/السياسي الفلسطيني، من أن يكون اجتماع قسم من “فتح ” في مدينة بيت لحم المحتلة، سيؤدي إلى القطع الكامل مع البرنامج الكفاحي التحرري، والعمل على شطب العديد من مواد النظام الأساسي للحركة، خاصة المادتين (17 و 19) بمضمونهما الخاص بكون الكفاح المسلح هو الخيار الاستراتيجي للحركة مما يعني تحويلها من حركة مسلحة تقاتل الاستعمار الاستيطاني/الاحتلالي/الاقصائي، إلى حزب سياسي، يلائم المرحلة، كما عبّر عنه “دحلان” في حواره مع صحيفة” الشرق الأوسط” الصادرة في لندن يوم 25 تموز/يوليو. بقوله (المؤتمر سيشكل انطلاقة جديدة لحركة فتح ويعيد الاعتبار للعمل السياسي الفلسطيني بطريقة ليس فيها تحريض، فيها محافظة على الثوابت، وفيها في نفس الوقت برنامج سياسي يتلاءم مع الحراك الدولي… المطلوب منا أن نأتي ببرنامج سياسي منطقي وواقعي ومتماسك ويحافظ على الثوابت ويتمسك بها. وأن يكون هذا البرنامج مقبولا دوليا حتى نكون جزءا من المعادلة الدولية).

مع وصول التحركات، والنقاشات، ووجهات النظر المتعارضة، والمتناقضة، حول انعقاد المؤتمر إلى عنق الزجاجة، تأتي قرارات حكومة “حماس” المتعلقة بمنع اعضاء الحركة في غزة من التوجه إلى بيت لحم ليضع عقبة جديدة في طريق انعقاد المؤتمر. كلام القيادي في حماس، والناطق باسم كتلتها البرلمانية “صلاح البردويل”كان حاسماً في هذا الجانب:(لن يخرج أحد من أعضاء المؤتمر السادس لحركة فتح من غزة إلا إذا أُفرج عن معتقلي حماس في الضفة، وقد أبلغنا هذا القرار كتابياً إلى الجهات المصرية). مؤكداً على أنه (ليس من المنطقي في ظل الإجراءات والاجتثاث والاغتيالات التي تجري في سجون السلطة بالضفة الغربية والتي تقوم بها وتقودها حركة فتح، أن تكون حركة حماس ساذجة لدرجة أن تسهّل عمليات الإجرام التي تقوم بها حركة فتح في الضفة وتسمح بسفر أعضائها إلى المؤتمر).

في ظل هذه الأجواء البالغة التعقيد، يبدو للعديد من المراقبين، أن الإصرار على عقد المؤتمر في هذه الانقسامات الداخلية، لن يوفر لحركة فتح البيئة الداخلية الحيوية لإعادة وحدة التنظيم والموقف على أسس كفاحية، بمقدار ما سيساهم بترسيم شكل التكتلات الفئوية وتحديدها، انطلاقاً من إعادة رسم دور ووظيفة ” فتح ” مابعد المؤتمر، بما يتلاءم مع توجهات ووظيفة السلطة في إطار ما يترتب اقليميا ودوليا للقضية الفلسطينية.

مع انشغال العديد من الأطراف الوطنية بما ستؤول اليه خطوات السير على طريق بيت لحم المحتلة، فإن العديد من الشواخص والعلامات الهامة تنتصب في وجه الجميع. فالحصار الخانق على غزة، والاحتلال “المموه” للضفة، والمستعرات الاستيطانية الجديدة أو التوسعية، والحملة الأمريكية المسعورة لشرعنة الهزيمة وترسيمها عربياً، عبر ما يسمى بالتطبيع، تتطلب من جميع الوطنيين بمختلف مواقعهم، الاستعداد لمواجهة المرحلة القادمة، الأخطر في مراحل الصراع العربي / الصهيوني.