من قتل مروة الشربيني؟؟!

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1973)

كان حواراً يدور ما بين صديقين قديمين، لكنما كل منهما هو من عالم مختلف… لم يلتقيا منذ أمد، وربما باعدت الأيام الشقة أكثر فأكثر بين عالميهما. هو بودابستي نشأ على ضفاف الدانوب في قلب قارة لا ترى الكون إلا من خلال مركزيتها ولا رغبة لها في غير ذلك، عاش مكتفياً بقارته العجوز، وقد لا يكون قد غادرها أكثر من مرة، وإن فعل فلا يكون إلا غرباً، أو إلا لما يدعى بالعالم الجديد… والآخر جاء من ذلك الشرق الذي غدا غريباً عن ما هو شرقه وما هو غربه… الشرق الذي تكاد أيامه الضائعة تضيّع أمسه وتتوه عن غده. لم يفسد الزمن عتيق المودة ما بينهما، وظلا كما كانا، فكان الجدل ثالثهما عندما يلتقيا، حيث تتزاحم الأسئلة، وتتلاطم التساؤلات، وتشرد الإجابات، وتراوغ أسئلتها أحياناً… عدنا أنا ولاسلو لمناكفاتنا القديمة المفضلة، عاجلته:

من قتل مروة الشربيني؟؟!

إلتقى حاجباه المعقوفين دهشةً، ورمقني بعينيه الزرقاوين المستغربتين، وقال، وقد علت شفتيه طيف إبتسامة عجب: العالم كله يعرفه وتسألني عنه؟!

قلت: لعلك تقصد هذا المتعصب الألماني، الذي سارعت ألمانيا إلى التنويه بمنبته الروسي، والذي عاجلها بثمانية عشر طعنة وهي في قاعة المحكمة، وسدد ما تيسر له منها لزوجها القابع راهناً في المشفى!

قال ساخراً، ومن هو غيره؟!

قلت: إنها الإجابة الأسهل بالنسبة لكم يا صديقي، وهي التي تروقكم فتريحكم و لا تريدون سماع غيرها، وإذ تجهدون في تعميمها في أرجاء المعمورة، تحاولون المسارعة إلى إنزال الستارة على الحدث المخجل، ودفن الحكاية ما استطعتم، بعد أن فشلتم في التعتيم عليها إعلامياً لأسابيع، فلم تجدوا إلى ذلك سبيلاً!

قال مستهجناً، وقد شاب شُقرة سحنته إحمرار، تقول أنتم؟!

قلت نعم، وبها لا أقصد الناس العاديين، ومنهم الطيبون واللامباليون والمخدوعون والجهلة، وإنما أعني أصحاب القرار، وصناع الرأي العام، وسدنة ثقافة كره الآخر.

قال، وأنا من أي صنف من هؤلاء الذين سردتهم؟!

ابتسمت، وقلت، المناكفين!

ابتسم هو الآخر، وقال: أجبني أنت إذن، من الذي قتلها؟!

قلت له سأفعل، ولا تقاطعني حتى أفرغ من إجابتي.

فتبرّم محتجاً، وهل من عادتي أن أقاطع؟

قلت، لا بأس، واسمع: لقد قتلت مروة الشربيني عنصرية قارتكم المعتقة، هذه التي ترضع من ثدي كراهيتكم المعهودة للآخر، والتي لا تعدم مناخاً مناسباً هذه الأيام لتطل سافرةً برأسها، بعد كمون زائف في ظل خصوصية ثقافتكم… ثقافتكم، هذه التي لا يمكنها مهما رقت وتقدمت وتقدمتم الخلاص من خلفياتها وموروثاتها وعقدها التاريخية المتراكمة… وإن شئت، الصليبية الجذر الراسخة في لاوعيكم والتي لم تحرّركم القرون منها… قتلها بحثكم الدائم عن عدو يوحّدكم وتوجهون له فائض كراهيتكم للاخر… واستطردت مفصلاً، والتزم صديقي المباغت الصمت:

قتلتها أكاذيب بوش، واستباقية المحافظين الجدد، وخبث بلير وفحيحه، وحربهما الكونية على عدوهما اللامرئي الموصوف بالإرهاب، والذي جسداه في الحجاب، هذا الذي لساركوزي معه حكاية، بز فيها صفاقة برلسكوني و فجاجة أنجيلا ميركل. قتلها صهاينتكم الناشرين بين أطنابكم الإسلاموفوبيا، وفزاعة أسلمة أوروبا، وغالها باطل موازين حرية الرأي الإنتقائية عندكم هذه التي تبيح التطاول على معتقدات ومقدسات الآخرين، وصولاً إلى نبي العرب الأعظم، وتحرّم مجرد التشكيك في أرقام ضحايا محرقتكم أنتم ضد يهودكم… كانت ضحية مناخاتكم الكريهة التي أشعتموها والتي كان من نفّذ هو مجرد نتاجها وضحيتها… هذا الذي تصادف أنه كان الألماني من أصل روسي! وقد يتبعه غداً بريطاني من أصل صربي! أو بلجيكي من أصل روماني! أو أمريكي من أصل مجري! وهكذا، واحد من غربكم ويصادف أن أصله من شرقكم!

صمت صديقي حتى اللحظة، وشعرت أن صمته الذي هو على غير عادة قد طال، وأحسست أنني قلت بعض ما عندي، وانتظرت ما سيقابلني به، ولكنه، نظر إليّ وفي نظرته بدا لي وكأنما هو في حال من فقد زمام المبادرة، واستبدلت سحنته إحمرارها السابق شحوباً جعلني، وأنا أعرف طيبته وكياسته على الصعيد الشخصي، أشعر بنوع من الذنب، ثم تمتم: لا أدري… هل كلينا الآن يا صديقي بصدد إجراء حوار حضارات؟! وأضاف: على أية حال قد يكون معكم حق يا صديقي، ونحن قد لا نفهمكم… ولكن، وهل أنتم بريئون من دمها؟

قلت، لقد اتفقنا أنا وأنت سابقاً أنه لا يوجد حوار حضارات وإنما ثقافات، لأن هناك حضارة كونية واحدة تتوارث مشاعلها القارات والأمم، وأنتم اليوم تزعمون أنها إنما بدأت عندكم وتنتهي حيث بدأت. ثم دعني أقول لك أولاً، أنتم عودتمونا على أنكم لا تريدون أن تفهموننا، وحتى لو شئتم لا أعتقد أن لديكم القدرة على ذلك، والسبب هو ذاته، أي هذا الذي هو وراء جريمة قتل مروة الشربيني، وثانياً، سأجيبك بما ربما لا تتوقعه مني، نعم، نحن شركاؤكم في هذه الجريمة أيضاً… لماذا؟!

لأننا كدنا أن ندمن إقامتنا المديدة في هاوية انحدارنا، ونستمرئ كوارث الدونية المستحكمة في نخبنا في غياب الإرادة السياسية التي أصبحت لها فلسفة يروّجها دونيينا بين ظهرانينا، أو مذهباً لهؤلاء الذين يرون السلامة من شروركم في التبعية لكم… ولأننا يذبحنا صهاينتكم ونصرّ على أن السلام خيار إستراتيجي ننشده مع سكاكينكم التي هي سكاكينهم، وإبداء قابليتنا لأن نستبدل عدونا التاريخي بالعدو الذي تقترحونه لنا… ولأننا نسمي إعادة تموضع غزاتنا في العراق انسحاباً ونرسّمه يوماً وطنياً، ونسمي الانسياق مع مكائدكم الخبيثة في دارفور الاستجابة لمتطلبات الرأي العام الدولي… لأننا بعد سماحنا لكم بنهب ثرواتنا، نلقي بخيرة عقولنا المهاجرة قهراً وجوعاً في جامعاتكم ومراكز أبحاثكم ومصانعكم، ونلقي بفائض سواعدنا العاطلة في البحر ليغرق في دربه لفردوسكم المنشود من يغرق من ضحايا ويصل من ينجو ليخدمكم… وأسهم معكم ومعنا في مقتلها، المسلمون الذين تقاعسوا عن نصرة بيت المقدس، وكأنما هم ينتظرون حتى يُهدم أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ويتم إستبداله بالهيكل المزعوم، ويتفرجون على التهويد ينهش ما تبقى من أكناف بيت المقدس… وأيضاً، كنائسنا التي حيدتموها في الصراع فحُيّدت، وشجعتم رعاياها على الهجرة عن ديارهم المقدسة فهاجروا ووطّنتموهم… و الجهلة الحمقى من بني ديننا الذين جهلوه فتحولوا إلى مفتين بغير علم، أو قدموه لكم مشوهاً، أو ملفوفاً في نقاب!

إلى هنا أحسست أنني أفرغت ما في جعبتي، وشعرت أنني مرة أخرى أطلت و حتى أثقلت، فتوقفت قليلاً، ثم ختمت: لو كنا بخلاف ما نحن عليه لما تمادت أنواء مناخاتكم التي هي نتاج عنصريتكم المتأصلة على إنتاج قاتل متعصب وضحية من ضحاياها، أكان أصله من غربكم أو شرقكم، يقدم على إقتراف جريمة إغتيال الشهيدة مروة الشربيني… إنتهى حوارنا… لقد دار بين صديقين لكنما من عالمين مختلفين. أنهاه صمته الذي أظن أنه كان وراءه مزيجاً من الحيرة والإرتباك وعدم الفهم… ولأول مرة أجزم أنه لم يكن متكافئاً!