المخجل

توجان الفيصل

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1974)

في قراءة بانورامية لردود الفعل الشعبية العربية، نجد أن حذاء الزبيدي هو وحده المشروع الذي حقق إجماع الشعوب العربية.

تناولت إحدى المواقع الإلكترونية الأردنية موضوع مقالة ولي عهد البحرين في “الواشنطن بوست” في خبر بعنوان: دعوة مخجلة للتطبيع: ولي عهد البحرين يدعو العرب للتواصل مع “الشعب الإسرائيلي”. وموجز ما يقتبس من مقالة ولي عهد البحرين ويلخص فحواها هو أننا “نحن العرب لم نفعل ما فيه الكفاية للتواصل مباشرة مع الشعب الإسرائيلي… وعلينا أن نتقدم الآن نحو سلام حقيقي من خلال التشاور مع شعبنا وتوعيته، وكذلك من خلال مد اليد إلى الشعب الإسرائيلي لتسليط الضوء على فوائد السلام الحقيقي… مهمتنا هي بالتالي أن نقوم برواية تاريخنا مباشرة للإسرائيليين وتمرير رسالتنا إلى وسائل إعلامهم، رسالة تعكس أمال غالبية العرب وتؤكد أن السلام خيار استراتيجي بالنسبة لنا ونقدم المبادرة العربية للسلام بوصفها السبيل لتحقيقه”.

ولا يناقش الخبر فحوى المقالة بأكثر من الإشارة في العنوان لكونها “مخجلة”. ولكنه يربط تلك المقالة بمقالة أخرى للرئيس المصري، الشهر الماضي، في صحيفة “وول ستريت جورنال” يحيي فيها الرئيس أوباما لأنه “فتح الباب” أمام اتفاق سلام في المنطقة وأنه يتعين على العرب أن يفعلوا بالمثل. ويربط الخبر كلا المقالتين بالدعوة الأمريكية للعرب لاتخاذ تدابير ملموسة باتجاه تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. ولكن الخبر يعود ليذكر بأن وزير خارجية البحرين، التي لم تعترف بإسرائيل كما يقر الخبر، دعا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في تشرين أول العام الماضي إلى تأسيس تجمع شرق أوسطي يضم، إضافة إلى الدول العربية، كلا من إسرائيل وإيران وتركيا.. وأن الوزير البحراني صرح لصحيفة »الحياة” الصادرة في لندن أن “هذا هو السبيل الوحيد لحل المشاكل القائمة بين دول المنطقة”!!

الخبر بمجمله يؤشر مواربة على دول عربية إلى جانب البحرين التي “لم تعترف بإسرائيل بعد”، ومثله مواربة اقتراح الوزير البحريني في الجمعية العمومية الذي “لم يحدد الدول التي يمكن ضمها”. بمعنى أن هنالك، ومنذ ما قبل دعوة أوباما وكلنتون للعرب للتطبيع، بل ومنذ ما قبل انتخاب أوباما وتعيينه لكلنتون وزيرة لخارجيته، قرون استشعار محلية تعمل في المنطقة على تلمس الطرق التي تمكن من التطبيع. وهو ما يخلي ذمة أوباما وكلنتون، بل وذمة حكومة نتنياهو نفسها التي لم تكن قد انتخبت حين جرى عرض الوزير البحراني لشرق أوسط جديد على طريقة بوش المودّع (بكسرالدال) يقينا ونهائيا للمشهد السياسي حتى داخل حزبه.. والمودّع (بفتح الدال) من الشعوب العربية بحذاء الزبيدي. وفي قراءة بانورامية لردود الفعل الشعبية العربية، نجد أن حذاء الزبيدي هو وحده المشروع الذي حقق إجماع الشعوب العربية، أو أقلّه أيدته “غالبيتها”. ومن هنا فإن تسلح ولي عهد البحرين بتلك الغالبية ليست في مكانها، إلا أن لا يكون جرى أي “تشاور مع الشعوب”، أو أن التشاور جرى وأظهرت نتيجته أن تلك الشعوب أغلبيتها “بحاجة لتوعية” بفوائد التطبيع والشرق الأوسط الجديد الآتي معه.. مما يعيد “المهمة العربية”، أو بشكل أدق “مهمة الأنظمة العربية” إلى الداخل وإلى ما يلزم من “وسائل” قد لا تكون كلها إعلامية، لإنجاز ذلك “التشاور” أو لاستكمال تلك “التوعية”، قبل الحديث مع”الشعب الإسرائيلي” عبر “وسائل إعلامه الوطنية”.

هذا لم يقله الخبر، ولكن نقوله نحن. ولكن ما وجب أن يقوله الخبر “المتقصي” الذي عاد بنا إلى تاريخ البحرين، القصير جدا فيما يتعلق “بالحديث” عن التطبيع والتبشير به وليس ممارسته علنا، والذي تناول مصر أيضا.. هو ما يعني القارئ الأردني أولا بخصوص هذا الشأن الموصوف بأنه »مخجل« لا أقل. وإذا كان العذر الشائع في تناول سياسات مصر دونا عن سياساتنا نحن، هو أنها دولة عربية كبرى، فالبحرين دولة أصغر منا بكثير. وهي بعيدة عن قلب الصراع وليست مهددة بالتحول لوطن بديل لأحد. وكل ما يصدر عنها لا يمثل أي ثقل أكثر من كونه مجرد عينة من حالات عربية أكبر وأخطر، وهي حالات ليست خافية على احد لتصبح العينة الميكروسكوبية ذات أهمية تستدعي وضعها إلى جانب مصر وكأنها بذات الثقل أو تليه على القائمة العربية.

كاتب المقال ولي عهد صغير السن تعوزه الخبرة والكفاءة اللازمة للدخول في حقل السياسة الذي لا يوليه أعداؤنا إلا “للعتاولة”. وهنا يتبين أصل هذا السبق الكبير الذي يتيحه لأعدائنا تحديدا كون ساستهم كلهم منتخبين. وحقيقة “الشعب الإسرائيلي” التي يتوهم البعض، ويؤمّلون لتجر أقدامهم لمزيد من التطبيع، أنهم سيغيرون آراءه ومواقفه ببضعة أحاديث مع الصحافة الإسرائيلية، تتجلى في النظر لقائمة من انتخبهم منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي، من أمثال بن غوريون وغولدامائير وشامير ورابين وشارون ونتنياهو، وأيضا في استعراض برامج هؤلاء الانتخابية التي لا تحيد عما يسمونه “حقوق الشعب اليهودي التاريخية”.. بل وفي تذكر أن الذين علا صوتهم الآن بين هؤلاء هم من اغتالوا رابين دون أن ينتظروا الانتخابات ليسقطوه، بظن أنه فرط بجزء من حقوقهم، في حين نلعن نحن لحظة ميلاده كونه من سلبنا على قطعة ورق حقوقا لم تتح له في حروبه معنا على الأرض.. والأهم أن اغتيال رابين لم تسقط أهلية قاتله »كمواطن« إسرائيلي، ولم تسلب أيا من »حقوقه السياسية«، بحيث ذهب القائمون على الانتخابات إليه في سجنه في الانتخابات الرئاسية التالية، ليدلي بصوته في انتخاب الرئيس التالي!!.

هؤلاء هم الناخبون الإسرائيليون، أو كما يسميهم ولي عهد البحرين »الشعب الإسرائيلي«، وليس دونما عذر له يتأتى من مقارنة تفرض نفسها على الأصغر سنا والأقل خبرة، فيما يلتف عليها الأكثر حنكة. وهؤلاء هم الذين أوصلوا، إلى جانب الرؤساء سابقي الذكر وغيرهم ممن لا يستخف بهم عاقل، أعضاء الكنيست الذي صوت أربعة وخمسون من أعضائه على ضرروة جعل الأردن وطنا بديلا، وامتنع ما يقاربهم عددا ويفوقهم دهاء لحين.. بل هم من لم ينتخب ليفني، وهي التي، من موقعها في المعارضة بعد خسارتها وليس من موقعها في الحكم، استطاعت أن تملي تصورها للخطة التي سيأتي بها إلينا

أوباما ووزيرة خارجيته.. هذه الخطة التي ما زال ينتظرها القادة العرب محبوسي الأنفاس، مع أنها كلها مكتوبة ومنشورة ومعروفة منذ قدمتها ليفني للإدارة الأمريكية الجديدة بداية مايو الماضي، أي قبل خطاب أوباما للعرب والمسلمين من القاهرة، وحتى قبل جولته الأولى في المنطقة. وأهم ما أعلنت أمريكا تبنيه في السياسة التي أطلقت ها آرتس عليها “إرث ليفني”، هو خطوات التطبيع المتدرجة المطلوب استخلاصها من العرب في إطار ما يزعم انه عملية سلام إقليمية.

المشكلة ليست في البحرين، ولو كانت لهانت.. المشكلة في أشياء كثيرة »مخجلة« نحاول دفنها تحت وابل تراشق بيني كريه داخل الوطن الواحد، وإن فاض صدرناه ليصبح تراشقا عربيا.. ربما على أمل أن ترد صحافة البحرين فتقول لنا بدورها ما لا نجرؤ على قوله نحن!!