فيروز الرحبانية: لم تطبع فاحتلوا صوتها

بادية ربيع

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1974)

سيدتي فيروز

قد لا يكون لكاتبة متواضعة مثلي كل تلك الجرأة والحماسة على مكاتبتك، وأنت بمكانتك ومشاغلك معاً. لكن تقلبات هذا العصر غدت تسمح بكل شيء. هل تخيلت مثلاً أن الألفية الثالثة ستُفتتح بتدمير العراق واغتصاب النساء والرجال على حد سواء، ويكتمل ذلك بتدفق السفراء العرب إلى هناك للمباركة بينما يحمل كامل روثهم “أمين” عام جامعة الدول! أو أن كوسوفو المستقلة تعيش من بيع النساء أجسادهن وتشغيل الرجال في صيانة دبابات النيتو! أي مكونات هذه للإنتاج الأهلي الإجمالي!.

فهل هو كثير بعد كل هذا أن أتطاول وأكتب إليكِ عن وجعي!

حديثي إليك عن أخبار خاصة في الأرض المحتلة لا يعرفها العرب، لأن ما يُنقل إليهم هو زيارات هيلاري كلينتون وسابقتها كونداليزا رايس لرام الله ست عشرة مرة. هل يذكرك هذا بشيء في لبنان؟ لا شك (الفرقة 16 للقمع الرسمي). وحين دالت أراضي الجنوب للمقاومة الفلسطينية (طبعاً قبل تغريبة م.ت.ف إلى تونس) خلقوا القوة 17!. أنظري المماحكات الإقليمية أو ما فضل البعض تسميتها القطرية.

هل خطر لك أن دار الإذاعة الإسرائيلية تضع صوتك الآتي من أحشاء التاريخ الإنساني (قبل تدنيسه براس المال، والبغاء العلني) ما قبل الدولاني والمسيَّس، الصوت الآتي من غابات البراءة قبل أن يصبح الإنسان سياسياً ومالكاً وقاتلاً وحتى قواداً، ولا تنسي حالتنا العربية، أي خائنا وعبداً! تضع هذه الدار (التي ورثت محطة إذاعة القدس في فلسطين منذ الثلاثينات ) صوت فيروز كل صباح قبل نشرتها السمومية الأولى ما بين السادسة وبضع دقائق وحتى السادسة والنصف!

لم أكد أُصدق ما قالته لي صديقة من الأرض المحتلة. ورغم أني مجهولة المكانة والمكان، إلا أني خشيت القيام بزيارة إلى هناك، للتأكُّد، كي لا اسقط في التطبيع حتى لو زعمت بأني ذهبت إلى هناك لأسمع فيروز وهي تغني : “مْشيت في الشوارع، شوارع الئِدس العتيئة”. نعم لك هنا طعم آخر، ولكن طعم التطبيع مر، وهو الطعم الذي رفضه الرحابنة، فرفضت أنت القدوم الذليل إلى هنا!

لم أتخيل أن هذا العدو وصل احتلال الأصوات، لم يكتف بالأرض ولا بالأرحام ولا بهمم المناضلين من جنسنا والجنس الآخر، هل يسمحوا لنا أحياناً بوصفهم بالجنس الآخر؟ كيف لا، طالما بدأنا نكتب نقرأ ونعمل ونناضل ونستشهد وحتى نقتل! ولكن، ماذا لو غضبوا! هل يجرؤوا على تحرير صوتك من الاحتلال! أم أن “المرجلة -بلهجتكم في لبنان” هي علينا نحن حصراً؟

روت لي هذه الصديقة قصة حقيقية، على لسان الشاعر الراحل عبد اللطيف عقل، الذي هرب باكراً من الزمن وحتى من العمر، بل من صحوة الصباح. قال انه وصديقين له حضرا عام 1975 عرس أحد شعراء الأرض المحتلة الأولى 1948، وكانت سهرة رائعة كما لو أنها في عدن بعد طرد الإنجليز. وفي نهاية الليل اجتمع قسم من “السهَّيرة” في بيت والد العريس وهو رجل طاعن في السن يرتدي الزي العربي الذي قضت عليه البنطلونات والشورتات، وحتى الجزء العلوي المعرَّى للذكور، بكيني الرجال! كان أحد مذيعي دار الإذاعة الإسرائيلية من الحضور.

سأله أحد الثلاثة: ما هو شعورك وأنت تقول: هنا دار الإذاعة الإسرائيلية، نشرة الأخبار، قتلت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي ثلاثة مخربين فلسطينيين تسللوا من الحدود الأردنية، واعتقلت الرابع جريحاً، ولم يصب أفراد الدورية بأذى”

كان الرجل بالطبع قد شرب خلال السهرة، ومعذرة للذين لا يشربون إلا الماء! فما كان منه إلى أن انفجر باكياً كما لو كان مفجوعاً بأهله جميعاً.

هل تعلمي لماذا سقت لك هذه القصة؟

سيدتي، لأننا وصلنا زمناً اصبح الحديث بيني وبينك “تطبيعاً” مع العدو العربي، واصبح التطبيع مع العدو الصهيوني، انتقالاً حضارياً، تحولاً، ألم تقل الماركسية الجريحة في الوطن العربي، أن كل شيء يتحول! إن ظل الحال هذا، أرجو حينها أن تقولي لي: من هم أهل مكة الصيدَ الذين تغنين لهم؟ أرجو ان لا تتحولي هذه المرة إلى وهابية وسلفية لتقولي أنك غنيتها لخالد بن الوليد أو عروة بن الورد! عندها، إذا واصل التاريخ إغماض عينيه عنا لفترة أخرى، أرجو أن تغني شوقي، ولكن ليس لزحلة جارة الوادي، بل:

يا نائح الطلح اشباه عوادينا نأسى لواديك أم تُشجى لوادينا

ماذا تقصَّ علينا غير أن يداً قصََّت جناحك جالت في حواشينا

ملاحظة، حضرتني الفقرة الأخيرة هذه حين سمعت أن ولي عهد البحرين، صاحب العظمة المُقبل، يطالب العرب بالتطبيع الإعلامي مع إسرائيل، فخشيت على مكة طالما أنفلونزا خنازير التطبيع وصلت حدود جزيرة العرب، أهي جزيرة العرب أم هي مجزرة نسائهم، لا أدري، ولا أريد أن أدري!