إلى الرفيق أحمد حسين: مرة على مرار ولأجل أخريات

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1976)

في محاورات سالفة، اثرت فيَّ حديثاً عن الواقع، ذلك المنفصل عنا بوجود قوانينه والمؤثر فينا بها فرضاً لا عَرَضاً ولا حتى اختياراً، وهو ما يجعل العلاقة بينه وبيننا علاقة تحدٍ واستيعاب وقدرة على المقاومة والتطويع، أو هُموْدٍ لاإنساني ليخلق صورة بشر وصورة مجتمعات وصورة طبقات وصورة تشكيلات اجتماعية، تشابه في المظهر والاستهلاك والتناسل بعض البشر ( وبعض الحيوات ايضاً) ولا تشابه البشر في كثير.

هذه المفاتحة أو المبادئة من جانبك تغريني كي افتح على أبواب كثيرة، قد ترى أنت لذَّة الحوار في مخزون لديك لم يجرِ فتحه لظروف متشابكة ومنذ دهور، وأرى معك صحة هذا، وأُضيف الواجب والمتعة لما أتيت به أنت. وهي متعة مشروط تحققها، شئنا أم ابينا، فرحنا أم حزننا، بمتابعة من أُناس الوسط المحيط. فاشكرك، ليس لأني لم أكن قد وجدت ما يُشغلني ويُشاغلني، فأشغالي تتجاوزني دوماً، منها الغثُّ ومنها ما أحاول جعله قوياً ومتماسكاً، ولكن هذا الحوار، وإن كان في الأصل، ودوماً في الأصل، وليد تحدي الواقع على سواده وحلكته، بل على وساخته، أقصد التطبيع، لكن دخول عقلك الحزين فيه، شاقني وآلمني وحرَّشني، فكنت أنت كالمعلِّم الذي يشير إلى المغاليق ليفتحها المريد.

يولد الوعي الزائف/الخبيث اي الإيديولوجيا غالباً صورته الذي يريد للكثرة والعامة، الوعي الأعمى كوعي تلقائي ينتظر منذ الرعشة الأولى حتى الرعشة الأخيرة أمطار الغيب لسقياه، لذا، يبدأ وينتهي متدحرجا كالكرة بالضرورة من الأعلى إلى الأسفل ليستقر هناك، دون أن يدري أنه حتى بهذا يحقق الانحكام بقانون موضوعي تماماً هو في وجهه السلبي، التغير إلى الخلف، أو اللاتغير، وهو اي اللاتغير تغير ما لأن فالأصل هو التقدم. هذا شأن الاستسلام الخليجيي، الذي يُحيط بوعيك كإحاطة الليل بالنابغة الذبياني، وغير الخليجي إن شئت حتى هنا في رام الله رغم أكثر من قرن على تحديات لا مثيل لها. لكن القادم من الخارج، والمتماهي من الداخل يحقنون الوعي الكفيف بما ينيمه قرونا كاملة قادمة. فليس القطيع في الانتفاخات الريعية التي تولدت عنها تلك الكائنات التي تُرى وتُلعن، والتي تنحصر دورة حياتها في المتعة بالبطن والتوغل في الجنس على صعيد عالمي، بالاستيراد خاصة، والسمنة ومن ثم العلاج، وكل هذا إن شئت ينتهي بكل الريع إلى المركز الراسمالي عبر اشكال ثلاثة على الأقل:

□ شراء كل شيىء ومنها مثلا تحويل عائدات الطفرتين النفطيتين الأولى 1973 والثانية 1982 إلى الغرب لإعادة خلق مدن السعودية مثلا بكتل اسمنتية دورها( إن كان هناك ما يفتح الوعي على الموضوعي لتادية دور) هو شوي الوعي بقبح وصلافة الإسمنت.

□ وشراء الأسلحة من أجل اللاشيء، شراء الطائرة والاقتتال بالسيوف اليمانية، وشراء المدفع والاشتباك بالجنس. أما الحامي فهو الإله الأميركي، للبيت رب يحميه! وهكذا ولدت هذه السلحة ميتة في رمل الربع الخالي، لتصبح الأرباع الثلاثة الأخرى خاوية.

□ وحين يجد الجد، يتم إرسال ما تبقى في الصناديق السيادية إلى الخزينة الأميركية ليستعمل المال من يستحقوه، وهذا ما حصل في الأشهر الأخيرة.

قرأت مؤخراً مقابلة مع اقتصادي أميركي عمل مع أل سي.آي.إيه لعقود طوال على تخريب العالم الثالث وخاصة الوطن العربي، لاحظ أن هذا يدغدغ قناعتك، وقناعتي، اننا امة مستهدفة لأننا لسنا هامشيين في التاريخ والحاضر، مهما تفذلكت القشرة العليا مكاناً لا مكانةً، من ابناء الطوائف والإثنيات الذين يستدعون الاستعمار كما تستدعي بائعة الهوى أي عابر سبيل، وأن عزَّ تستدعي السبيل نفسه، ثم يتفاخرون ب “حق تقرير المصير” واي مصير! هذا نمط الوعي الذي يفصل نفسه عن حضور الواقع، فيتدنى حتى يأتي من أسفل المرء.

لا أُخفيك، هناك اسئلة كثيرة بعضها يفتح الدماغ وبعضها يغلقه، وأحار كيف أو من اين أدخل لها. فلا يمكن أن يوجد وعي خارج الحركة الصاعدة ابداً، وإن اعتورتها ردات إلى الوراء، وهي لحظات التغير السالب. ولكن استطالة هذه اللحظات إلى هذا الحد، وهو ما يعانيه الوطن العربي من فترة انتقالية مديدة، هذا إن كانت انتقالية منذ أكثر من قرن وربما ونصف! هذا التطور المحتجز، بل التفكير المحتجز، الحالة المحتجزة إلا من التناسل المجاني، والتراخي الكفاحي، وتبرير كل رديء بقدر ما يحرقني من الداخل بقدر ما يقنعني بوجوب المقاومة.

لكن، ومرة أخرى، ينتصب الواقع بقوة مرعبة، فيفتح انغلاق الوعي، ليقول لي القصة التالية التي تساهم في تفسير الكثير.

يقول الاقتصادي الأميركي الذي بعد أن تقاعد تاب عن ما شارك فيه من وحشية (المقابلة مع إيمي جودمان في راديو الديمقراطية الآن Democracy Now). ذكر في المقابلة أن أميركا وضعت خطة لاستعادة عائدات النفط بعد الطفرتين الأولين له. كانت الخطة أن يقوموا بإقناع العائلة المالكة في السعودية ببناء العديد من المدن الجديدة مما يستنزف الفوائض، وكان لا بد من إقناع مختلف الأمراء، لأن في السعودية ـ حسب راية- ديمقراطية داخل العائلة التي يقوم الأميركيون بتثبيتها في السلطة. كان هناك أميراً وهابياً حتى العظم. وكيف دخل إليه؟ بحث عن مضيفة طيران زرقاء العينين حمراء الشعر، حيث علم أن هذا النمط من الرقيق هو المفضل لديه، وبدأت الرحلة معه، تزوره باستمرار. إلا أن الأمير الذي (بعد العشرة الجنسية لان تماماً سياسياً) طلب إليها أن تعيش معه، والسيدة متزوجة، فاضطر القواد الاقتصادي، (الخزي لهذا التخصص في الاقتصاد السياسي) للاتفاق مع أخرى سويدية بنفس المواصفات، ووافق الأمير على كل شيء. وأذكر، وهذه معترضة أخرى أن كثيراً من المثقفين والصحفيين العرب كانوا يستخدمون تلك العبارة العنصرية المتوحشة: “نريد اللحم الأبيض!”. كان يضيف هذا على الغربة اغتراباً! لكنهم لم يكونوا يعبأون بمشات المتطوعين العرب مارين من لندن إلى أفغانستان لمقارعة السوفييت الملحدين هناك، ولم يعرف لا هؤلاء ولا أولئك أن تلك الحرب خطط لها بريجنسكي!

قل لي، وانت خبير، ما علاقة الوعي بهذا التساقط إلى درك لا نهائي بمفهوم النسبية! أإلى هذا الحد يصل الاستهداف والاستخفاف، وتقزيم وعي الواقع إلى هذه الدرجة، إن كان هذا وعياً بالطبع! ومع ذلك يتهافت العديد من المثقفين العرب على سوق الجنادرية كطوابير القمل التي كانت تحت ملابسنا الداخلية في المعتقل.

لم أتخيل أن بوسع العقل المتلاعب أن يحتجز تطور منطقة بأكملها إلى هذا الحد. وكأن الواقع نفسه يولد ما يستقبل ويتلقح بِ ما يفرضه واقع آخر من الخارج، وهذه ليست ظاهرة الاستعمار بألوانه، بل ظاهرة المصالح المادية لطبقات، وأحياناً لمجتمعات، تقرأ واقعها وواقع غيرها، وتضع سيناريوهات تفتح ما أُغلق عندها وتغلق ما انفتح عندنا. هذا الهامش الإضافي الذي يسمح قانون التطور للإنسان بأن يحول الحركة باتجاه ارتدادي، نعم إلى حين، ولكنه عودة الوعي لولوج الواقع الموضوعي والتاثير فيه، حسب الجغرافيا، هنا بشكل وهناك بآخر مخالف مغاير. لذا تكون الطبقات ليس فقط بدورها في العملية الإنتاجية، وإنما في ممارسة الصراع الطبقي نفسه، وحين يكون هذا على صعيد عالمي، يحصل التخصص بين المركز والمحيط، فيصبح دور ما يحل في السعودية محل الطبقات تحديد وزن خصيتي جورج بوش ومؤخرة جلال الطالباني. ويغوص الأمير في وهابية جنسية مؤكداً ان هذه هي الحور العين.

لا تكمن مأساة الماركسية في عجزهم عن رفضها أو دحضها كوعي عالي وعلمي التسليح، بل تكمن إشكالياتها في أن وعيها المتماسك والمعقد يشترط قدرة العقل على المغامرة في النظرية، ودرجة طبقية من الخلاق وعجزاً عن الخبث والمراوغة، وثباتاً في الانتماء إلى الإنسان، بدل اعتبار الالتزام نشاطاً طوعياً لا صفياً، يأتي تحريكه كالجلوس على المقاهي للاسترخاء والهروب من البيت وضخامة الأسرة. وكأنني أريد القول أن مشكلة هذا الوعي هي في أهله أولاً. لذا، حين تفككت البلدان التي كنت أنقدها دوماً حتى اتهمت بكل ما تمكنوا من صياغته بوعيهم المغشوش بوعي، ولم أُفاجأ ولم أهتز، ليس لأنني مثل إميل حبيبي ونسله، بل لأنني كنت اعي أن تشكيلات قيدت هكذا، لا بد أن تتساقط لضحالة الوعي بالواقع وضروراته ولا سيما وجوب أنسنته. مشكلة الماركسية في الذين زعموا أنهم أحاطوا بها فكان أن حوَّطوها وطوقوها بتخلفهم، حتى لو بطيب نوايا. ولأنهم لم يفهموها اصلاً، ولم يلتقطوا منها سوى القشرة الإعلانية السياسية الشعاراتية: “الاتحاد السوفييتي الوطن الأول، -لاحظ ما الفرق بين هذا وبين الصومال أولاً؟- الوطن الطبقي، حزب الطبقة العاملة، التعايش السلمي، المباراة السلمية، التطور اللاراسمالي، الامبريالية نمر من ورق…” لكنك لم تكن لتجد نصاً واحداً متماسكاً في النظرية، ولا بالطبع نقداً معمقا للتطبيق يقوم على مرتكز نظري متماسك، وحين فعلها مهدي عامل…قُتل، أما سمير أمين فمحظوظ أنه طار إلى إفريقيا وأحياناً إلى وروبا فشكراً لزوجه الفرنسية. لقد غادر مروجو/ باعة الماركسية بالمفرق القاعة إلى اليمين بسهولة ويسر كمن ينتقل في بيته من غرفة لأخرى!

في الضفة الأخرى، لا بد لمواجهة الماركسية من تخصيب الوعي المتلاعب والتلاعب بالوعي، أو لا بد بالأحرى من تلاعب الوعي اللبرالي الخبيث الوعي المحافظي الجديد، الطريق الثالث بالجهل المتعالم، أو الجهل المتطامن، أو الجهل الغائب عن الوعي اصلاً، مثل اميرنا الوهابي المذكور أعلاه- العريس!. هل تتصور أنه في الألفية الثالثة يقف جورج بوش ويقول أن الله قال لي أن اقيم دولة للفلسطينيين! هذا كليم آخر بعد موسى الذي تاه قومه في سيناء اربعين سنة، وسيناء يمكنك أن تلفها على حمار في اسبوع! ومع ذلك لا احد سخر من قول بوش غير شقي مثلي في كتابي “مساهمة في الإرهاب”! أليس عقلاً تافها ذلك الذي لا يعتقل هذا الرجل فوراً ويلقيه في زنزانة كي لا يؤذي البشر، لكنه لازم للمرحلة. أما الذي مات في السجن بعد أن أفقده هؤلاء عقله، فكان لويس إلثوسير!

ولكن، دعنا نخرج من مأزق حلمنا المطعون، ونحتكم إلى التاريخ، الذي احتوى مقدمات تبلور الماركسية، ويحتوي ما تلا ماركس حتى آخر كلمة يكتبها آخر ثوري نقدي ومشتبك، مثلك ومثلي وغيرنا، فهي كتاب مفتوح وهي حركة متواصلة وتطور وتطوير لا يكتملان قط. من هنا، رأيت مأزق تفكك دول الاشتراكية المحققة حلقة في الصراع في التاريخ، تجربة عاشت سبعين عاما، ولم تنته كلياً، وعاشت كميونة باريس سبعين يوماًـ وعاشت التجربة القرمطية قروناً. أما والتاريخ صراع، فلا بد أن يحتمل الهزيمة إلى جانب التقدم، ولا بد أن يعود التقدم بخطىً أثبت. وليس هذا استثارة تفاؤل من جانبي، إنما هو محاولة قراءة متماسكة في لحظة هزيمة ماحقة وهذا دور الوعي. وهذا أمر لا بد أن نرغم أنفسنا على أن تستقيم به، وإلا كان الهلاك، ولو هلكنا كأفراد سيكون هناك من يصمدوا اكثر منا.

ألم تقل انت بأن الماركسية: ” لقد وضعت وعي الطبقة الرأسمالية في مأزق اللص الذي تم اكتشافه. وبدا لفترة من الزمن أن الوعي الماركسي أصبح قوة مواجهة على طريق الإنتصار. فما هي الحال اليوم؟ “.

لا بأس، أرجو أن توافقني على أن الأشهر الأخيرة أرغمت اللص الرأسمالي على الاستسلام وإعلان لصوصيته، واعتذاره من التزييف والتلاعب والأكاذيب. هذا ليس طبعاً بالنقد الذاتي، بل هو خبث المجرِّبين، ليقفزوا على أعناقنا ثانيةً إن لم نكن مسلحين بوعي الواقع ووعي مجرب. إنهم محتالون على العقول كما يحتالون على البورصة، ولذا، أكاد اصدق أنهم يتلاعبون في تكوين الدماغ نفسه وليس بالوعي وحده. يقول الوعي الخبيث أن المشكلة في انفجار الفقاعة المالية هي جشع الأغنياء. والجشع هنا هو لغة، مجاز، ربما شعر قبيح! ما حصل هو الركض وراء الربح الأقصى وصولاً إلى تراكم التراكم مرفوعاً إلى أعلى “أُسٍّ/قوة” ممكن، بل لا نهائي. ما جرى هو رفع الاستغلال الطبقي على صعيد عالمي ومن ثم التراكم إلى درجات لا تتوقف.

نعم غادر الكثيرون وعيهم بهدوء، بل بخنوع مهزوم، بانتقال تافه، وهناك قشرة غادرت وعيها بخيانة تفاخرية وظلت تقدم مفاتن هزيمة وعيها لكي يأتيها الفحل من الباطن والظاهر في ديمومة تتجاوز مقولة “المادة لا تفنى”. ذات يوم، حضرت بالصدفة نقاشاً عن دور البنك الدولي هنا، اي دور البنك الدولي في القيام بما أوكل إليه راسمالياً وصهيونياً لتخريب فلسطينيي الضفة والقطاع (قبل أن تصبحا دولتي طوائف). يبدو أن الداعين لم يكونوا يعرفونني. في البداية قال احد من كانوا يعتبرون الماركسية “سُلالة” من نسل حزبه فقط، لكنه كان قد تحول إلى قط “مُسمَّنْ” قال” أُشهد الله أن عمل البنك الدولي هنا لا غبار عليه!”. لم تخذلني وقاحة الوعي وليس الجرأة التي تتهمني بها، فقلت له:”هذه شهادة زور…فالبنك الدولي ليس سوى إحدى أدوات التطبيع والتبعية”. لكن هل تعلم يا رفيقي أحمد بن الحسين، أنه صار وزيراً، وأن لديه نقوداً كثيرات يمكنه أن يدفع دِيتِي أنا وانت وفوزي البكري وسميرة الخطيب، والطاهر المعز ومسعد عربيد، وأحمد اشقر، وحتى موفق محادين الذي ينتظرنا، حين يطردنا الصهاينة، في الوطن البديل!! وكل الشرفاء ولا ينقص منها شيئاً، بل يمكنه أن لا يدفع!

((معترضة: قاطعني عمرو، حفيدي، يريد المشاكسة، لماذا يا عمرو تصحو باكراً؟

لأنني مثقف!. ألا يبشر هذا بأن المستقبل ليس للبنك الدولي، وللكمبرادور، ومغتالي النساء!)) طبعاً هذه المعلومة عن طفل كهذا سيحملها عملاء التطبيع الثقافي هنا ويرسلوها إلى الموساد ومنهم إلى ال سي.آي. إيه ليفتحوا له ملفاً.

نعم، في لحظات كالثلاثين سنة الماضية، لا تقل عني مكابراً، عقود ثلاثة هي لحظات في التاريخ، عشنا اغتراباً هائلاً، في ثلاث محطات تاريخية اساسية :

□ المسألة العروبية

□ والمسألة الاشتراكية

□ ومسألة المقاومة بما فيها أساساً الإسلام الجهادي

وبدا كما لو ان العالم أغلق باب التاريخ دون البشرية كلها. ولا أخفيك، لم أتوقع أن يفتح الواقع الموضوعي، وجشع راس المال هذه المغاليق بهذه السرعة فيفضح الخصخصة واللبرالية الجديدة، والمحافظية الجديدة، والكمبرادور العربي وأوسلو، والعولمة، واقتصاد الملاذ الأخير، واقتصاد الريع والتصحيح الهيكلي، والقطاع العام الراسمالي المعولم…الخ”.

هنا يأتي دورنا، لقد عرض لنا الواقع الموضوعي مفاتنه الثورية وخزوق السرقة والخبث والكسب واللصوصية المتجددة، وعلينا ان نختار اين نقف وماذا نعالج!

نعم اصبح التمسك بالوعي الماركسي بطولة غير عادية. وهي البطولة العليا مرتبة ودوراً. ولكن كيف ولماذا؟ لأن المتمسكين يحترمون وعيهم المعمٌّق وخجلون على شرف الوعي من السقوط، حتى حين تبارك الأكثرية الساحقة ذلك السقوط، وحتى حين تقول لك..” ولكن قل لي…من اين لك بكل هذا التفاؤل؟ هذا ما سألني إياه عراب التطبيع التمولي في هذه البلاد. شرف الوعي اعلى من كل شرف، وبطولة الوعي أكثر تعقيداً وتماسكاً من اي تماسك.

قال لي مناضل قديم ومطبع، في النهاية: كنا في معتقل النقب في الانتفاضة الأولى، وكان بيننا فتية مستعدون للموت، لكنهم لا يحبون القراءة! قلت له ولا تبكي على هذه الظاهرة! أما هو فبعد عشرين سنة في تنظيم ثوري تحول إلى عميل تطبيعي! هل ترى معنى الوعي السطحي، سنوات الشباب مع المقاومة، وبعدها يقول: “خلاص بكفي، الآن اريد ان اصبح عميلاً”. مبروك أن رأسك ظلت في مكانها.

لا أريد الخطابة عليك وأنت متزن ومجرِّب، لكن صدقني أن هؤلاء المهرولين المرتدين، في غاية الهشاشة الداخلية، مهما تمظهروا بالبهرج المالي والحافلات وحتى السفالات، هم عند المواجهة خجولين كسرى العيون، كما قلت لك قبلاً، إلا في غرف التحقيق حيث فرصة الانقتام منك لسقوطهم.

هذا الخواء موحش، وهذا الليل كما لو كان لا صباح بعده، وفيه يرطن البوم بكل لغات إلا العربية، وهؤلاء المتطوحين على حواف القبض والنهب والفساد، يثيروا كل أنواع الغثيان، أجل هو موقف ولا اصعب، لكنه الصراع بين الاستنكار والتماسك، ليس أمامنا سوى النفس العالية بالوعي المتماسك في الغرف المغلقة، وفي قيعان البحار حيث المياه الداكنة، لكن في هذه المياه بالتحديد بدات الحياة كما يقول علماء الأحياء.

دعني اقول لك إن ما يؤلمني حقاً، هو الوعي بالتقسيط، والالتزام المتقطع كالرغبة في التسلية، هؤلاء ليسوا هنا وليسوا هناك، ليسوا خونة، لكنهم ليسوا في الصف حقاً، هؤلاء الذين ينقسمون من داخلهم بين الوعي بالثورة والوعي الدنيىء بمفاتن السوق، بين أن يكونوا للفقراء، وأن يتمنوا مجاراة اللصوص الأغنياء، بين الوعي الشقي، والتراخي اللبرالي الذي يجعل منه لاشيء. يذكرني هؤلاء بفيالق من تافهي الثقافة والالتزام، كنا نلتقيهم في لندن عند الشهيد ناجي العلي، كنت تشعر أنهم حين يتسخوا، وكثيرا ما يتسخون، يذهبون إلى هناك ليغتسلوا. يقتلني هؤلاء ذوو الالتزام بالمزاج، والذين لم يفقدوا ضميرهم، لكنهم لا يتمكنون من التماسك المتواصل. أشعر أحياناً أنهم أخطر من القطيع، لأنه يميل إلى التعلم منهم وليس منك.

كل اشكال الوحدة موجعة، الوحدة في العمل والوحدة في النضال، والوحدة في الحب وحتى الوحدة في التفكير، اليس الإنسان مدني بالطبع؟ لكن هل تدري، أفضل أن تكون وحدك من ان يكون لك رفيق متردد، رفيق دقيق الحسابات في الفكر والعمل والحب واي مجال، يعيش بعقل السوق فيكون الفكر بضاعة والنضال بضاعة والعلاقة الإنسانية بضاعة والحب بضاعة، وكل هذه تُقاس لديه حسب العرض والطلب، وأحياناً حسب المنفعة الهامشية/الحدية. إسمع، بجانب مكتبي الصغير في وسط المدينة، وبالصدفة كان لي أن أكون في وسط المدينة لفتت نظري لوحة معلقة على مدخل سوق الخضار ومرأب السيارات العامة عنوانها “دعاء السوق” ونصها يدعو الله أن يوفق المرء للربح. ولكن، إذا كان الكل سيربح، فإنه لم يعد سوقاً! هذه مشكلة من يقفوا في المنتصف بين حملك السيف وأنت نائم، وبين من نوَّمهم الوعي الخبيث. فمن هو الشقي إلاّك!

صاحب وعي السوق هذا يسحبك إلى الوراء، يحاول بوعيه السطحي أن يشكل قوة توازن لاندفاعك مدعياً أنه يحاول تحقيق توازنك. لذلك غادر هؤلاء جميعا قاعة المنازلة منسحبين في الضوء الخافت، الذي صبغ وجوههم بلون باهت لم يبرحها. هل سمعت أن الذئب المتفرد ندم يوما ما؟ كلا ابداً. تندم النعاج على تثاقلها وترددها، ودائماً بعد فوات الأوان لأن إليتها تتضخم بما يقتل حركتها. تماماً كما يحصل للأرض في قريتي حيث امتص العمل في داخل الخط الأخضر كل الجيل الشاب، فطالت لحية الأرض وشعرها بما يحل دون القدرة على استصلاحها واستغلالها وبقينا نقول الوطن.

لا تذكرني بدفىء الحضن الجماعي، لأنه لم يكن. لقد وقعت فيه انا كثيراً، كان وعيي صادقاً لكنه لم يكن لئيماً. هذا الحضن ضرورياًً شريطة أن يكون حقيقياً، أما حين يكون الأمين العام يلعب بالمنديل والأرنب كما كتبت أنت عن شاعرهم محمود درويش ومعلمه إميل حبيبي، يكون الأمين العام مخزوقا والله ومع ذلك يحلفون بانه ينشر الطيب عليهم. سألني أحدهم في باريس عام 1977 (هو لم يمت وسيقرا هذا)، هل قرأت ما قاله الأمين العام في الجزائر؟ قلت نعم. قال ما رأيك: قلت كذاب، قال ولكن هذه تكلفك عضويتك. قلت خذها معك.

لا يقلقني اضطهاد الكثرة، بل يقلقني ذلك الجهل لدى الكثرة، وذلك الجبن لدى الندرة الواعية، تلك الندرة الانسحابية التي تقيس الجهد الثورة بمقدار التدفق النقدي في دراسات الجدوى، وحين يتضاءل التدفق تتلاشى من المسرح.

كتبت يوم إعدامه : “على الحبل كان ابهى، على الحبل كان اشهى” فقالت لي حين التقينا في باريسن، لم اختلف معك وأُفجع إلا حين كتبت هذا عن صدام حسين. آه يا رفيقة لو كنت تعرفين ما معنى المشهد بالنسبة لي؟ الذي كان يُعدم هو القومية العربية، هو جسد الأمة، هدف الإهانة كان هذا، لأن الرجل حاول أن يصنع شيئاً، فكان لا بد ان يقتلوه. الم يقل ماركس عن محمد علي: “هذا الرجل هو الذي حول العمامة المفتخرة إلى راس حقيقي”. فهل أرثي أقفية المرحلة! يتثعلب الناس حين لا يكونوا منتجين. لا أحد يفرط في إنتاجه، ومجتمع محتجز التورة يعيش على الريع والمنح لا يقاوم إعدام التاريخ كله، فما بالك بإعدام المرحلة أو صدام حسين!

لا أعتقد أن الناس يتماوتون، بل تقتلهم الرموز/ الأصنام التي احترفت الخيانة بوعي، التي قررت لستر عوراتها ان تفتك بكل شرف كي لا ينكشف عارها أو يحصل توازن القاع للجميع كما هو الحال في الأزمات الدورية حيث يكون الإنتاج بخسا والاستهلاك بخسا والدخار خسيساً والاستثمار خسيساً، أو كما هي المبادرة العربية. ولم يتوقفوا. الم اقل لك أنهم في رام الله زعموا انني طائفي لأنني حذرت من استغلال البعض للتطبيع على اساس طائفي. إنهم يعيدون إخراج التطبيع في ورق من حرير ليمرروه. لم يتوقفوا ولن يتوقفوا. ما يهم هؤلاء أن تتنعَّج الأسود، وتصير النسور دجاجاً، طالما هم يأكلون ويُتخمون، وتتمتع اقفيتهم بركلات كبار الأحذية!

تقول لي نبكي، لا بأس، حتى لو حصل نبكي نحن على تفردنا وعلى تفاهتهم. ولكنني احيانا اضحك.

كان أول مشرف عليَّ في الدراسة في جامعة لندن بروفيسور سامي زبيدة، كان شيوعياً وتحول إلى فيبرياً، ولذا لم يطيقني، فطلَّقته في نهاية السنة الأولى ولجأت إلى جامعة إكزتر. اكتشفت أن له علاقات مع مثقفي اللبرالية والتخارج والتطبيع ووووو هنا. وبعد أوسلو التقى بعضهم، وأعتقد انهم يلتقون دورياً في عمل تطبيعي وتجسسي مشترك. فسالهم: ما هي اخبار عادل بعد اوسلو؟

قالوا: هو على حافة الجنون.

لم يفهم هؤلاء المهزومون بوعيهم الخبيث أننا نختبر الظواهر، الواقع وندرك اللحظات الخسيسة فيه، لكننا نتماسك لأن هذا واجب الوعي المشتبك. ليس المهم تعدد وتنوع الطعنات، وتعدد مصادرها، في النضال والفكر ولقمة العيش والبطالة المفروضة والعشق وغيرها. فالعبرة في الهمِّ الذي نحمل ومدى حبنا، لا بل عشقنا له، ولذا نحميه، أما الغريب، لنكتشف أننا ونحن نحميه، فإننا لا نموت! هل هذا الديالكتيك ايها الحبيب؟

نعم.

* * *

تتسائل:

ألسلام مع من، أو بين من ومن؟

سؤال أعمق من السؤال في الوجود نفسه. هو سلام مع العدو، سلام راس المال. لذا يا سيدي هنا احتلال بلا مقاومة؟ أليس هذا هو السلام في حقبة العولمة!

لأنك شاعر، أستطيع فهم استعجالك حركة التاريخ، لكن هذه الحركة التي لها قوانينها وشروطها الموضوعية تاتي طبقا لذلك، وتكون مساهمتنا فيها بقدر تفهمنا لها. سألني صديق ذات مرة: لماذا يقوم الشيشان بأعمل استشهادية ولا نقوم نحن؟

ولم يمهله الزمن سوى عامين، حتى قمنا بها.

لا اخفيك، وليكن ذلك إبداء لبعض مفاصل جنوني. لا يقلقني هذا الموات العريض، ولا الاستخذاء بألف بلقيس لألف سليمان. كل هؤلاء يمرون كالهوام الذي نموذجه فسائل التطبيع. فرغم كل هذا، فالعدو خائف، رجراج، كل اشتباك يطرح عنده معنى وجوده، ويخلخل اسس ذلك الوجود.

لست بصدد التغزل في نرجسية عزمي بشارة ولا في استخذاء مثقفي الأنظمة الرسمية له، كيف لا وهو آتٍ من معهد التثقيف في الكيان! لكن شباب مخيم الوحدات، لم يكن أمامهم أو بينهم مثقفاً يكذب بالنيابة عن عزمي بشارة وكل امثاله من المبشرين بالتطبيع. الخذلان هو في دور مثقف “يشتغل” عند مثقف آخر.

اصبح المطلوب هو تفكيك مفاصل الدولة القُطرية، والأهم في ذلك تفكيك مثقفيها عندها لا يحتاج الناس لاعتراض أمثال عزمي بشارة ولا التأكيد أن محمود درويش رحل طوعا عام 1969 وأن عزمي رحل طوعاً قبل بضعة أعوام، ولم ينفيهم الاحتلال! عندها لن تكون هذه ظواهر اصلاً.

إذن، هي هكذا، أبصق أنت في سحنة التطبيعي قبل أن يفعل هو، ألم يقل روبسبير: “الجرأة أولاً، الجرأة ايضاً والجرأة ابداً”. فهو يفاخر بالتطبيع وبإقامة “بؤرة استيطان” لفلسطينيين بجانب الكيان، ولا يخجل حين يفعل يومياً ما فعل عمرو بن العاص حين ابان مؤخرته، فكل هؤلاء لا يزيدوا على أن يرسموا وجوههم على اقفيتهم في حفلة غير تنكرية.

النتاج الثقافي الفلسطيني في غالبيته الساحقة، حركة تافهة ومسحوقة. هل تخيلت أن تكون القدس عاصمة الثقافة العربية وهي تحت أقدام الاحتلال؟ ويفاخر بهذا مثقفو المرحلة والدول القطرية. هما خاصرتان بل مقتلان: السياسي والثقافي. وويل لشعب أو أمة فقدت هاتين الخاصرتين. المثقف الفلسطيني سيارة اجرة، بغي تمارس البغاء للعهر وليس لسد الرمق. بدأ قابضا على القرش في مرحلة المقاومة فخرَّب قيمها، وانتهى متأنجزا متدولناً، ومطبِّعاً كما ترى.

ذات يوم، عملت في مكان وكان إلى جانبي أحد شعراء ومثقفي هذا البلد وبمعاييره، وعلى فقري كنت اصحح له التفاعيل قبل ان ينشر. وذات يوم أحسست اني أخون القارىء بذلك المكياج البائس الذي اضيفه إلى قبح نتاجه، كمن يمكيج طفلة جميلة خلقة الله بمساحيق عجائز تخلى عنهن جمالهن، أي كمدينة باريس،، فقلت له، دعني اتوقف، انت شاعر لا تعرف العروض وشيوعي لا تفهم الماركسية. لو قلت لك في اي منصب هو اليوم، لعرفته، ساتركه أحجية.

تقول :

“هذا هو المطبع. يكتب شعر مقاومة ويقبض من وزارة الثقافة الإسرائيلية بدل مقاومة”. آه كم عثلك لئيماً. زرت ذات مرة كاراج سيارات لمصلح سيارات كان معي في فندق “بئر السبع”. سألني : هل اخذت وضعك في السلطة؟ قلت ما هذا الاصطلاح العجيب، شو يعني وضعي في السلطة؟ قال رتبة وراتب. قلت لم أفعل ولن أفعل، وأنت: قال أنا لدي رتبة ضابط بنجمتين وراتب. قلت يا إبن العرض وهذا الكراج الضخم!

بالله عليك ما الفرق بين هذا القبض والقبض من الدولة القطرية؟ وهل التطبيع مع الكيان كبيرة أخطر من كبائر التطبيع مع أدواته العربية؟ هل هناك تطبيع حلال وآخر حرام؟ لست أدري ما المقصود بالرموزية الوطنية؟ لا أعتقد انة هناك رموزية وطنية لغير الشهداء في الميدان. هناك رموزية إعلامية ودعاوية وفنية…الخ، لكن الرموزية الوطنية حصرية. هذا ما تمنيته لأبي علي مصطفى ليظل نظيفاً كماء السماء.

لا اصدق أنك استغربت عدم اهتمام الأكثرية بما كتبته عن درويش، هل نسيت ان هناك مثقفين متخصصين بحقن الجمهور بأفيون الرموزية؟ ولكن، هل تعتقد أن الكثرة التي بكت محمود درويش قد قرأته، فما بالك بمعرفة أنه تلميذ إميل حبيبي!

لا استطيع قبول أنك برفض التطبيع تمارس التزاماً مرفوض وطنياً. هو مرفوض من أوغاد المرحلة، ولذا، أنت مخنوق بطوفان الوهم والتعتيم الممارسة ضدك، أما أنا فمعروف بشقائي المصاحب لي. ولكن صدقني لو نظرت في عيون العامة هؤلاء لرأيت فيها حزن الرعب من الموقف والعجز عن التعبير، وانتظار لحظة التفجير. قبل ايام اتصلت بي طالبة ماجستير تكتب عن الأنجزة، يبدو أن عقلها شقيٌ سألت فيالق الأنجزة في بيت لحم أسئلة نقدية، فقرَّعوها وقالوا لها أنت تكرهيننا كما يفعل عادل سمارة. هي لم تكن تعرفني فقررت أن تكتب البحث بدءاً بالمقابلة معي. هل تلاحظ أن تخبطهم يجلب لنا زبائناً!

أنا مثلك، لا يمتعني البصاق على المطبعين، ولا أشعر أن ذلك دوري. مع الشكر لك حيث سحبت الأمر لما هو ابعد. لكن سكوتنا عنهم مباركة لهم، وهو مثابة إطلاق العنان لحمار لا يتوقف عن النهيق ويسمي ذلك عزفاً منفرداً على العود!. كم احب أن اشتبك واكتب في القضايا النظرية البحتة، مثلا انماط الإنتاج تمفصلاتها، التشكيلات التغيرات الطبقية وخاصة عن الأميبا الطبقية هنا والكمبرادور العربي، طبقات إنتاج الغلمان ومضاجعتهم بالحلال… ولكن همَّ المرحلة يمنعني من النوم، فتراني اكتب من مشكلة طالب مدرسي إلى انهيار تشكيلة اجتماعية اقتصادية في الاتحاد السوفييتي المرحوم. هل يمكن للفرد تغطية كل هذا، ويزعم أن من حقه النوم؟ كلا. ولكن هي جرثومة خلق التغيير.

ليس الوعي بلونه بل بجوهره ودوره،، عابس أو مبتسم، لا فرق، هي ضرورة التكامل والاكتمال. دعني أضع بعض الفرامل للقول.

عام 1963 بعد خروجي من السجن، وكانت أسرتي تعتقد أني قتيل، كان والدي فلاحا متوسطا وكان لديه قطيعين من الغنم الضأن والماعز ـ لاحظ لدي خبرة في رعي القطعان-، حينها ذبح خرافاً وعزم أهل القرية وقائد المخفر كان سمينا وضخما، مخصص بالخلقة للمناسف، قال ولكن الغريب انت الذي تضحك وكأنك لم تكن معتقلاً؟.

ولكن، دفاعاً عن قطيعنا، وعن زعمي أن هذه المرحلة في العالم هي قطيعية لم تنحصر في جغرافيتنا، دعني اسهب بعض الشيى في القطيعية المعولمة، وصدقني أن هذا ليس دفاعاً عن حالتنا الممتدة من سبتة ومليلية حتى الأهواز والإسكندرون، وقريباً دارفور.

لم يحصل في التاريخ أن أجمع العالم الرسمي بأسره على دعم مشروع استعماري استيطاني دموي كما تجسد في دعم المشروع الصهيوني في فلسطين. وبمعزل عن حقيقة، أن العالم الرسمي هو في الأساس عالم المركز الراسمالي الغربي خاصة، إلا أن بقية العالم الرسمي ليس بريئاً من دم الشعب الفلسطيني والأمة العربية. فلا شك أن دول الإشتراكية المحققة قد خسرت في السباق مع الغرب حين قدمت خدمات للمشروع الصهيوني مأخوذة بوهم توظيفه، فوظفها. ولا غرو أن هذه الدول، ولا سيما الإتحاد السوفييتي السابق كان محفوزاً بنظرة دولانية “قطبية اشتراكية” مما يدرجه في النظام الراسمالي العالمي أكثر مما يفصله عنه، وربما هذه حكمة الماوية التي تطورت مبكراً، ولم يأخذ بها أحد لتكن على طريقة: “أمرتهم أمري بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغدِ”. أما بلدان المحيط، فكانت ترغمها على ذلك تبعيتها وفساد أنظمتها لتبصم صاغرة لا راغبة ولا طامعة. أما حين يعلم المرء كم ساهمت أنظمة عربية في إقامة هذا الكيان، بوعي أو لا وعي، هذا مهم، ولكن النتيجة تقريباً واحدة، يُدرك لا شك تعقيدات هذا الصراع.

وإذا كان، ولا يزال، بوسع الأنظمة العربية الحاكمة حجب اتفاقاتها السرية عن الشعوب، فإن حجب الوقائع على الأرض لم يعد ممكناً في عصر عالمية المعلومات، حتى ولو كانت كثرة من التقارير هي مشوهة ومغفلة للحقيقة. فالتحليل النقدي والمضاد والوعي المشتبك يمكن أن يفعل هنا الكثير. فثورة تكنولوجيا المعلومات عبر توفير فرص عولمة المعلومة، كان لها دور خلق الشيء لنقيضه ولو جزئياً، إذ لم يكن هدف تعميم المعلومات مقصود به ان يستخدمها الناس، المهم أن حجب الكثير منها لم يعد ممكناً.

بقدر كشفنا لجرائم الصهيونية، وبقدر تمسكنا بمشروع العودة، وبقدر نقدنا لمواقف أنظمة التسوية والتفريط العربية، ونفاق العالم الرسمي في الغرب وعمق مصالحه في الوطن العربي، بقدر ما نساهم في إنزال الصهيونية عن عرشها الزائف، وتجريدها من ماكينة تشويه وعي البشرية. لقد آن لحقنا الواضح وحقوق الأمم المنهوبة ان تُتوج مكانها. لا بد من تصحيح تاريخ النفاق الرسمي العالمي، الذي دعم واعترف بتنوعاته بالكيان الصهيوني، باستقطاب الأمم، لا الحكومات، لتبَّني حقنا ومشروعنا في تفكيك، اي هزيمة، كيان يمثل كل جرائم الرأسمالية الرسمية العالمية، وحلم التحريفية الإشتراكية بقطبية ومصالح لم تتحقق.

بدت ملامح تحول دورة العالم من معركة تخبط وتورط مركز مراكز العولمة الرأسمالية في أفغانستان والعراق، وهزيمة أداته في لبنان، وانفضاح موقف الكمبرادور العربي يوماً بعد يوم. هي المقاومة في حقبة العولمة ليس غيرها التي ستفعل كل هذا وأكثر. وكأن وجه التاريخ الإنساني الجديد يبزغ طفولياً يانعا من هنا، من المهد الأول للإنسانية. من دماء وأعصاب وحدقات عيون شعب أول دولة في التاريخ يبدا تفكيك آخر إمبراطورية في التاريخ. ومعها تتفكك الصهيونية.

لو لم يكن للحركة الصهيونية ذلك النفوذ المالي، ولو لم يكن للغرب ذلك التطلع لمصالحه الإستعمارية في الوطن العربي، هل كان لهذا التجميع أن يحصل؟ تمويل رأسمالي عالمي متعدد وتجميع قومي متعدد، تجميع ممثلين أو عينات عن كل أمم العالم امماً متحدة تستوطن وطننا؟ نسوق هذا لدحض الزعم “القومي” لدى الحركة الصهيونية، ونسب يهود عشرات القوميات إلى قبيلة عبرية تفككت وذابت عبر ثلاثة آلاف سنة. يعود آخر وجود لبقاياها إلى 70 عاماً قبل الميلاد، وهي وحدها دون مختلف الشعوب والأمم القديمة عجزت عن فعل شيء لتماسك وجودها في التاريخ، فانتهت وذابت. واندمج أتباع ديانتها في مختلف أمم الأرض. وحين بدأ التجميع الصهيوني لهذا التنوع القومي من كل مشرب، جرى إعداد صياغات جاهزة لهذا التجميع وتلبيسه إياها، لغة وإيديولوجيا، واسلحة وأموال، ودعم عدو ليقوم بالمحرقة، والتقاط الحاجة لموظف لدى المركز الإستعماري…الخ فكان هذا الكيان. يخلق هذا التجميع جيشاً، قاعدة عسكرية، تجمعاً بشرياً، ولكن لا يوجد ما يثبت أنه كان أمة أو صار أمة، ومن ثم توليد “قومية” لها. هل يمكن تجميع جنود مرتزقة أو قطاع طرق من مختلف القوميات وحشرهم في مكان والقول أنهم أمة قبل التجميع، وأمة بعد التجميع في وطن أخذوه عنوة، بينما أهله لم يتوقفوا عن النضال لإستعادته. إن التجميع ممكن، لكن الزعم القومي ليس ممكناً.

□ تهيئة الكيان كقاعدة تقنية وإدارية ومالية وخدماتية للوطن العربي والشرق الأوسط.

□ المبادرة بتحويل العملة الإسرائيلية كعملة عالمية كي يتم اعتمادها في الشرق الأوسط الجديد وتكون وسيلة التبادل الأساسية.

□ إلحاق الإقتصادات العربية تقنياً ومعلوماتياً باقتصاد الكيان.

□ ينتج عن هذا إندماج الكيان إندماجا مهيمنا في الوطن العربي، فيكون القوة العسكرية الأساسية، والمركز الإقتصادي الأساسي. وبهذا يُعاد تقسيم المنطقة إلى مركز صهيوني ومحيط عربي، برضى واتفاق الراسماليات الحاكمة.

□ في حال تمكن هذا المشروع من المرور، وله حظوظه بوجود أنظمة عربية تمارس ذلك مباشرة بالتطبيع والإعتراف بالكيان وأخريات تخوض حرباً تخريبية داخل اقطارها/حرباً اهلية ضد الطبقات الشعبية، لتنفيذ مخططات المركز. فإن المنطقة مقبلة على خطر لا سابق له.

□ إنما إلى جانب ظاهرة الإنهيار الرسمي الشامل، تتنامى ظاهرة المقاومة من جانب الطبقات الشعبية، عابرة حدود الطوائف والإثنيات والمذاهب.

□ كأننا نود التثبيت في الذهن أن ما يدور على سطح الوطن العربي من تفاعلات وتقاطبات وحتى مذابح، هي صورة مبسطة عما هو تحت السطح، بمعنى أن المعركة المقبلة هي بقوة وعنف بين المقاومة والعولمة. أما داخل الوطن فهي بين الشعبي والرسمي.

هذا مما يغريني بالحديث إليك لاحقاً، إن طال العمر.

بإخلاص واحترام

عادل سمارة