هكذا يكرمون مبدعيهم… فماذا نفعل نحن؟؟!!

عبد اللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1977)

إنك كعربي، قد يتسنى له أن يجول في بعض من بلاد الله الواسعة، لن تعدم ملاحظة ما قد يثير إعجابك وفي نفس الوقت يحرك مواجعك ويشعرك بغير قليل من الأسى. فأنت مهما حاولت فلا مفر لك ولا من مهرب من ورطة المقارنة… المقارنة بين ما تراه في هذه البقاع الغريبة، إو هذا العالم الذي قدمت إليه، وما خلّفته وراءك في عالمك ، ذاك الذي جئت منه وتنتمي إليه.

قد يصادفك كثير مما لا يعجب، وأيضاً كثير مما هو يعجب، لكنما نحن هنا نتحدث عما يعجبك، بل ويشعرك بالأسى، وحتى الغيرة، لفقدان مثيله في ديارنا المترامية المنداحة ما بين بحر العرب وحتى بحر الظلمات.

كان هذا بعض من حالي، أو ما جال في ذهني، وأنا أجول سائراً في دروب جزيرة مارغت الدانوبية الأنيقة الملتوية في تصميم آخاذ بين باسق أشجارها المعمرة الوارفة، هذه التي يمتد عمرها ما بين نهايات القرن الميلادي التاسع عشر وهذا الواحد والعشرين الذي نحن فيه… تلك الجزيرة، أو هذا المنتزه القومي المتوسط شطري العاصمة المجرية، اللذين يعذلهما النهر الأزرق فتستعين على قدره الأبدي بجسورها العديدة الشهيرة، والتي تضم نصباً يرمز إلى وحدتهما، ونعني شطريها بودا وبشت، لتغدو، كما يسميها المجريون، بودابشت، أو كما تعرف خارج المجر ببودابست… بالمناسبة العرب هم ربما من الأمم القليلة التي تسمي سواها من الأمم بما تسمى هذه الأمم نفسها به. بخلاف عديد الأمم، ومنها الأوروبية تحديداً، التي تصرّ على أن تطلق على سواها مسمياتها هي، أو تحرّف، وأحياناً عن عمد، ما يسمى الآخر نفسه به. مثلا،ً نحن نقول الهند والروس والمجر..إلخ، بينما يصرّ كافة الأوروبيين على تسمية هذه البلاد هنغاريا، أي نحن وحدنا، وربما معنا بعض من محيطنا الإسلامي، نطلق عليها ما تطلقه هي على نفسها من تسمية، المجر…

هذا ليس موضوعنا، ونعود إلى الجزيرة الفريدة، التي يلامس طرفيها شمالاً جسر الملك أرباد وجنوباً جسر مارغت، أو هذين العتيقين من بين تسعة جسور مثلهما تمتطي صهوة النهر… الجزيرة التي كانت قبل أقل من قرن محرمة على عامة الناس، وكان دخولها يعد وقفاً على طبقة النبلاء وحكراً على الخاصة. ولكي تقطع المسافة ما بين هذين الطرفين، الذين ينتهيان في منتصف الجسرين المذكورين، أو حيث بوابتي هذه الجزيرة الفاتنة، فلا بد لك من السير في دروب تسوقك عن عمد إلى حيث يتمازج مع ظليل الأشجار الكثيفة متعددة الأنواع مساحات متناثرة بعناية من الورود والأزاهير، التي يخيل إليك أنها ما هُندست إلا لتوشي ثوبها الأخضر الرائع، وتلتف كشال بديع حول نافورتها الشهيرة، بعد أن تمر بك دربك من حيث حياض المياه المعدنية الموشاة بالنباتات المائية المنتقاة، والمسابح الشتوية المقفلة، ونماذج مصغّرة من حدائق الطيور الفريدة، المخصصة للأطفال، الذين لهم أيضاً ملاعبهم الصغيرة المبثوثة بعناية في جنبات الجزيرة.

وإذا كان هذا للصغار، فللكبار أيضاً طرق خاصة لهواة امتطاء الدراجات، وأخرى لمن يمارسون رياضة الركض، أما الطاعنون في السن فلهم، إلى جانب قطار سياحي صغير أشبه بلعب الأطفال ينتقل بهم في طول الجزيرة وعرضها، الكراسي الخشبية الجاثمة في أفياء الجزيرة وبين أدغالها، وحيث مروج أزاهيرها، أو مطلة بمن يركن إليها متعباًعلى شواطئ الدانوب الحاضنة للجزيرة. ناهيك عن مقهى سياحي هو أقرب إلى الاستراحة… وفندق الترمال الشهير المقترن اسمه بالمياه المعدنية التي تنبع في جنباته…

هناك الكثير الذي يمكن قوله في هذه الجزيرة الفاتنة، لكن مما يستوقفني في كل مرة تطئ قدماي فيها سندسها الأخضر المزهر هو أمر واحد يثير إعجابي ومواجعي معاً. أنه هذه التماثيل النصفية الموزعة في جنباتها، وما يسطّر على قواعدها من عبارات تعرّف الغادي على أصحابها… أنهم، تحديداً، شلة من المبدعين المجريين، أو من يصنفهم المجريون كذلك. أي نحن هنا لسنا بصدد المخلّدين من الأبطال القوميين أو القادة التاريخيين، أو تلك الرموز الصانعة لتاريخ المجر، فهؤلاء لهم نصيبهم الوافر في أمكنة أخرى، وسوف تصادفهم في أغلب الميادين وتلتقيهم في معظم الشوارع، وحيث تطلق مسمياتهم على كثير من المرافق العامة، ومنها محطات المترو، أي أنك لن تعدم مصادفتهم في أي جزء من هذه العاصمة المترامية التي تعيش هاجس تاريخها بأمجاده وأحزانه.

مثلاً: هنا، الميدان المترامي المسمى ميدان الأبطال، لا يضم منهم، أو يحظى بالتخليد فيه، كما قد يتبادر إلى الذهن، الملوك والقادة، وإنما تماثيل زعماء القبائل الوثنية السبعة الذين باتحادهم ما قبل القرن السابع الميلادي تم تأسيس الأمة المجرية، وإلى جانبهم أو خلفهم، ديكور من صف من الرهبان الذين نشروا المسيحية التي أسهم اعتناقها في حماية هذه الأمة الصغيرة التي كانت المختلفة في محيط من الأمم المتنصّرة القوية، من أعراق اللاتين، والجرمان، والسلاف، التي تحيط بها و تعاديها، أو كانت تنظر لها ككافرة أو نشاز تعيش في قلب القارة وتنفرد عنوةً بمرابع سهل المجر العظيم الخصبة.

الطريف هنا، أن أهم الرموز التي تطلق على أهم شوارع بودابست هو القديس اشتفان، أو سانت اشتفان، أواسطفان في العربية… الملك الذي قرر ذات يوم حماية مملكته من جيرانها الكارهين بتحويل رعيته إلى دين أعدائها، ويسرد التاريخ المجري كيف احتار الملك أولاً بين اختيار الكاثوليكية أم الأرثوذكسية مذهباً، فاختار بعد تمعن الأولى، لأن معتنقيها كانوا الأقرب الأقوى حينها، وقيل أنه لو كان الإسلام أقرب إليه وأكثر قوةً في القارة آنذاك لاختاره، أما لماذا هو رقيّ، أو رقته روما، إلى مصاف القديسين؟ فلأنه أعمل سيفه البتار في رقاب رعيته وأسال دماء الكثيرين من نبلائها وزعمائها حتى تنصرت مكرهة وبقرار سياسي مدروس حيث القناعات الإيمانية لم تكن من أولويات جلالته!

قد يكون من صفات الأمم الصغيرة، المهددة دائماً من قبل الطامعين من جيرانها الأقوياء، أنها تبالغ في حماية هويتها واستحضار تاريخها لائذةً به، وحتى اصطناعة أحياناً، وقد تتطرف في توخي سبل صون ثقافتها الخاصة، لاسيما في قارة مثل أوروبا، هذه التي نادراً ما عرف تاريخها التسامح مع ضعافها أومستضعفيها، وتنوء تحت ثقل تاريخي من العنصرية وكره الآخر، والقريب منه قبل البعيد، بل هناك أمم أوروبية صغيرة أبيدت تماماً في عصور القارة المتقدمة المظلمة، أو مُسحت هوياتها بالقوة، مثل الآفار، والهون، وسواهم ممن عددهم لنا التاريخ الأوروبي الدامي. حتى أن بعض الأمم، ومنها المجريون، وقبل عقود فقط، تحرص على ترجمة حتى الأسماء الأجنبية بمقابلها المحلي لحماية لغتها… لعل في هذا ما يفهم، لكنما، ما يدعوك للاستحسان ويشعرك بالغيرة أيضاً، هو كيف يكون مستوى الحرص البائن هنا على تخليد المبدعين في الحقول الثقافية، وتخليدهم رموزاً وطنيين، وهنا نعود إلى جزيرة مارغت المدهشة الجميلة. هنا تصاف تماثيلاً نصفية تستظل أشجاراها، هذا موسيقار، وهذا مطرب شعبي، وذاك شاعر، وهذه مغنية أوبرا، وهناك قاص وثمة رسام. حتى ليخال لك أن كل من مر بهذا الوسط، وبغض النظرعن قيمة اسهاماته، يحظى بالتخليد هنا. ونحن هنا لسنا بصدد بعض الرموز الكبيرة، التي مكانها ليس هنا، فمنهم من تسمى محطة راديو باسمه مثلاً… هنا ليس مكان، الشاعر الشهير شاندور بتوفي، أو بتوفي شاندور، وفق ترتيب الأسماء المجرية، التي تأتي العائلة فيه قبل اسم الشخص، ولا أتيلا يوسف، أو يانوش أرن، بل لمثلهم أماكن أخرى تليق بهم وحكراً عليهم .

وإجمالاً رموز المجر المختلفة تحتل شوارع فاتنة الدانوب المتلئلئة وحدائقها وساحاتها وذاكرة من هي عاصمتهم، وسائر بلاد العشرة ملايين ونصف انسان الذين لا يكادون يعادلون عدداً قاطني بضعة أحياء في مدينة كبرى من مدن العرب…

… اتساءل هنا، ولنأخذ الشعر مثلاً، ماذا لو كان لديهم بعض من شعراء المعلقات، أو قليل مما يتجاوز المئة والخمسين شاعراً المدفونين في بطون كتبنا، في مرحلة انتقالية لا تعدو مابين نهايات الحقبة الأموية وبدايات العباسية، والذين قد لا يعرف الكثيرون حتى من جامعيينا منهم ربما سوى شعراء النقائض الثلاثة و جميل بثينة وكثير عزة ؟! ماذا لو كان لديهم بعض مبدعي الحقبة العباسية أو الأندلسية… ماذا لو توفر لهم متنبي أو كان منهم جواهري؟!

أجزم أنه لو كان لديهم اليتيمة مثلاً، لأنشئوا مركز أبحاث دائم مهمته البحث عن شاعرها، ولكانوا خلدوه كأي جندي مجهول بنصب يلائم غموضه…

هكذا إذن، هم يكرمون مبدعيهم، وهكذا يخلدونهم، الأمر الذي هو بالنسبة لهم واجب الوجوب، بل هماً قومياً يعادل وجودهم… فماذا نفعل نحن بمبدعينا؟!

لا داعي للإجابة… ويكفي أن نقول، أن انحدار راهننا المشين يهيل كثباناً من اللامبالاة والقصور والعقوق على من سلفوا منهم، وتدفن فداحة سوء واقعنا الكثيرين منهم أحياءً … وللحق نقول، أنه إنما يستثني من هذا بعض الأنصاب، أو ما تكرسه مع سبق الإصرار مافيات النقد، ونوعيات لزجة من مبدعي العلاقات العامة، وعجيب أجناس متزلفي الفضائيات، وفصائل من المتبدلين مع تبدّل الفصول، الواقفين دائماً أمام أعتاب كل من يغدو من أولي الأمر!