إسرائيل الخلفية….. عروس الكرد

أحمد حسين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1979)

لغط عربي شعبي ورسمي واسع، يتراكم حول المقالب السياسية الأمريكية والصهيونية والدولية، ويؤلف حولها حاشية كثيفة من ترهات العقل والوجدان المريض والمسايسات الإنشائية التافهة. تطبيع عربي بطيء، لا يناسب المفاوضات، وضغط أمريكي وأوروبي على إسرائيل بخصوص المستوطنات لا يقابله العرب بالحفاوة اللازمة. زيارات متتابعة لمسؤولين أمريكان ودوليين تثير كثيرا من الغبار الإعلامي. نوايا أمريكية جديدة على قدر من الجدية، تثير اللوبي الصهيوني في أمريكا ضد الرئيس الأمريكي المنتدب ولا يقدم العرب له تنازلات كافية من جانبهم لدعمه وإحراج خصومه. باختصار، زوابع وفناجين وقردة في شارع الظواهر الغريبة بمحاذاة شواطيء الغرق الهجرية.

بعد حين سوف ينجلي الغبار على ساحة السلام، والتطبيع، والمفاوضات على تجميد المستوطنات، عن قيام دولة كردية. سوف تلد الأرض العربية مولودا جديدا هو عبارة عن وطن قومي للأكراد. هذا الوطن العتيد لن يختلف عن إسرائيل في شيء من حيث المهمة والشكل العسكري المتفوق وإضافة قدم غليظة أخرى على العنق العربية. والمواطن العربي المنكوب في ذاته ونموذجه التاريخي سينسى أنشغاله الحالي بفتح وحماس وأوباما وينشغل بعد فترة قصيرة بالجبهة الكردية الإسرائيلية التركية المشتركة على الجانب الشمالي الشرقي للموت الهحري. وسوف تصبح آبار النفط العربية تحت الحماية المباشرة لإسرائيل والكرد والأتراك برعاية أطلسية. وسوف تدخل بلاد الشام كلها في الخط الوهمي الممتد بين الدولة الكردية وميناء إيلات، خط توزيع النفوذ على الجانبين. وفي حين توجه المقاومة العراقية خالص عدائها لإيران فإن الأتراك هم الذين سيمزقون العراق ليحلوا مشكلتهم الكردية والنفطية على حسابه.

لماذا يحتاج الأتراك إلى تحالف استراتيجي أمني مع إسرائيل على الحدود السورية؟ سوريا لا تستطيع تهديد أمن المستوطنين في الجولان، فهل ستستطيع تهديد تركيا؟ يكفي أن تركيا تهدد الأمن المائي لسوريا والعراق لتضمن ولاء البلدين لأمنها. في الحقيقة أن كلا من تركيا وإسرائيل بحاجة لمد نفوذهما في منطقة النفط. وتركيا بحاجة لإسرائيل بسبب نفوذها البرزاني المستوطن في شمل العراق، وخبراتها التقنية المتميزة لبناء دولة الكرد في الشمال العراقي، ونقل مركز الصراع الكردي من أراضيها إلى أراضي العراق. لم تقم مؤسسة كردية واحدة عسكرية أو مدنية في شمال العراق، إلا بجهد تركي إسرائيلي مشترك. الشركات العسكرية والأمنية المشتركة للطرفين تقوم بدق المسمار الأخير في نعش هذه الأمة التي رمتها الصدفة الصحراوية على طريق الغزاة والقوافل، المندفعين من الشمال المرفه إلى الجنوب العاري، عبر بوابة الخواء التاريخي.

والمشروع الصهيوني كان كما يبدو، هو الأب الروحي للمشروع الكردي. فمنذ بداية الخمسينات، وربما قبل ذلك بكثير، توطدت العلاقات الكردية الإسرائيلية، بوساطات شيوعية ويسارية عربية. وبمنطق إقامة إسرائيل كان لا بد أن تخطر فكرة الدولة الكردية ببال الغرب، كموقع جغرافي وتجمع عرقي مثالي لتكرار الواقعة الإسرائيلية ولذات الأهداف. ولكننا اليوم لسنا بحاجة للتخمينات. فشمال العراق اليوم هو مستوطنة نفوذ وعمل ميداني إسرائيلي تركي.

أما الوساطات السياسية اللازمة في المفاوضات بين الحكومة العراقية والأكراد، فسيقوم بها النظام المصري الذي يخشى على إسرائيل من إيران كما يبدو. وفي حين يتلفع الإخوان في مصر برفض التطبيع وولاية الإبن وتسخير الدستور في الإنتخابات، فإنهم لا يرون مانعا في قيام دولة إسلامية جديدة في شمال العراق، حتى ولو كان عرابها إسرائيل، لأن أردوغان أخ مسلم، يدير مفاوضاتهم مع الغرب. ويشاركهم الرأي بالطبع المقاومة الإسلامية في العراق التي تقاوم النفوذ الشيعي وتعتبر قيام الدولة الكردية دعما لمشروع الخلافة السني.

بعد حين ليس بالبعيد سيتدافع اللاجئون العراقيون العرب من ديار الكرد إلى ديار العروبة، وبالمقابل سيتدافع العائدون الكرد من الأراضي التركية إلى أرض الميعاد الكردية. لقد بدأت المفاوضات بين (عرب ) العراق وأكراد الشمال، وكل ما يبدأ بالمفاوضات ينتهي بكارثة هجرية محققة، لأن قبول التفاوض على الأوطان هو الكارثة. سيكون هناك توسع كردي وثقافة كردية عريقة تصل طموحاتها القومية إلى بعقوبة. وسيكون هناك مستوطنات كردية يتم التفاوض عليها وتنكيل عسكري كردي دوري بالعراق وسكانه… وهلم جرا.

وعلى مشارف النكبة المحققة الجديدة، يمتلىء الصيف العربي بالذباب الطنان، حول جثة فلسطين، لينشر النعاس حول موكب العروس الكردية القادمة. يطلق الليبراليون العرب النصوص التي أعدوها سلفا حول مزايا التعددية في العالم العربي. وينبح جرو الليبرالية العراقي في لبنان باللغة الكردية. وتطل العواديات من حراقاتهن على النيل يسألن عن نفط كركوك. وتجد روح فلسطين روحا عربية أخرى تؤنس وحشتها.

طال السياق الهجري أو قصر فهو سياق موت. العجل الذي يجر إلى المذبح سيصل أخيرا. لقد استمرت الرحلة من يثرب حتى الحبشة قرونا طويلة، ولكنها كانت رحلة ممتعة للعجل الآشوري عبر بلاد الماعز الأقرع. كانت الأعنز يحلبن التيوس وينظرن بوله إلى العجل الذي لم يكن يدري إلى أين تأخذه الأسطورة. نعم الأسطورة! فللواقع أساطيره. ونحن أسطورة العصر الواقعية.

بلادنا فائض الجغرافيا الذي ترنو إليه أنظار فوائض البشر. بعد قليل سيقيم النور دولتهم على جزء من التراب المصري، لأن الباحثين يعتقدون أنهم من أصل مصري. فمتى ترفع الأقلية العربية في المنطقة الهجرية رأسها وتطالب بدولة عربية اسوة بالأكراد؟

جاء الأكراد إلى تركيا من زمن غير معلوم ومن كهف لم تره شمس الرواية التاريخية. ولجأ بعضهم إلى شمال العراق رعاة بدائيين إلى درجة الغرابة واستوطنوا هناك. فربط السكان بين غرابتهم البدائية وبين السحر الأسود وتقديس الكلاب والجشع البالغ. وظلوا ظاهرة انعزالية متوحشة إلى أن اكتشفتهم شركات النفط. وكما أقامت إسرائيل الأولى على بوابة النفط الغربية ستقيم الآن إسرائيل أخرى على بوابته الشرقية. اللعبة سهلة ومجربة، وسوف تقوم دولة البرزاني الكردية الملفقة لتلفق تاريخا وثقافة وحضارة سابقة، وتضطهد الهجريين وتتهمهم بالإرهاب والتخلف والأصولية المريضة.

في كل قطر عربي سيكون هناك إسرائيل كبيرة أو صغيرة ولكنها مدججة بالخبرة والسلاح. في السودان ومصر والخاصرة السورية الأنيقة. الأردن فقط سيكون إسرائيل هاشمية واحدة لسبب عرقي مثل نظام المغرب. أما كانتونات العطور المغشوشة التي تصنعها شركات العطور الفرنسية خصيصا للخليجيات، فسوف تصبح سوقا لتهريب العملات باسم ( إمارة ليلنبلوم ). سيصبح في تل أبيب حارة للخليجيين وحارة للأكراد وحارة للدارفوريين وحارة دمشقية، أما العراقيون واليمنيون فلهم حاراتهم من قبل. وهكذا سيتحقق الشرق الأوسط الجديد، ويبدأ الهجريون نهضتهم الهجرية الجديدة. ويذبحون العجل الآشوري ويوزعون لحمه على الفقراء، في وليمة عروس الكرد. أما أنا فسأقرأ لأحفادي أغنية “عروس الكرد” :

على درج الشمال

تهبط عروس الكرد

محناة القدمين

بدماء القبائل

في يسراها رأس جوليات

وفي يمناها مجن داوود.

كردية عريضة الحقوين

بأرداف صخرية

تقطر شهوات الدم العربي

من أطراف أناملها :

اقترب أيها البدائي

لن أدعك تموت

حتى تعيد لي

عربات نبوخذ نصر

ومسلة حمورابي

وبوابة الشمس.

وأستعيد حضارتي المنهوبة.

أيها الموت العربي المسجى

على كينونتي الغائبة

مثل زوج فارع القامة

عريض المنكبين

ولكنه خال من الرجولة

ابتعد الآن عن طريق انوثتي

دعني أروي عطشها الطويل

من أنابيب بعقوبة

وآبار كركوك

أنا الكردية عروس الشمال

أبحث لبكارتي المنسية

عن فارس حقيقي.

تشاتشو

يا كلب الرعاة المقدس

أنر طريق حبيبي داوود

إلى ليلة عرسي

دعه يمشي على دماء ” بلشت “

من مصرع جوليات

حتى قدم الفارس المشنوق،

ليجدني بانتظاره

على مشارف بعقوبة

يرفع تامورة عشقي

إلى عطشه ويشرب.

لا تنظر خلفك يا ابن الآلهة

دع نخل الفرات لجنودك

أما أنت

فخذني أنا شجرة جوز الهند

إلى أعلى كثبان الثلج

فى مملكة كردستان

دعني أطوق عنقك

بلهيب ساعدي

وأتذوق مزاميرك بشفتي.

تشاتشو

تفرس جيدا في وجوه الآلهة

واصنع لي جسدا

يليق بداوود.

مضرجا باللعنات

يموت العربي ليلة عرسي

إلى الأبد.