البيان الرأسمالي

موفق محادين

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1980)

قبل شهرين خدمتنا الصدفة في منتدى الفكر الاشتراكي – هنا في الأردن ونظمنا ورشة فكرية حوارية حول البيان الشيوعي بمشاركة الدكتور هشام غصيب والدكتور مازن حنا، حيث قدم الدكتور غصيب ورقة حول الرأسمالية الان بعد قرن ونصف تقريبا على صدور البيان الشيوعي، وقدم الدكتور حنا ورقة حول البيان نفسه وقدمت ورقة حول المنسي في هذا البيان “الديمقراطية والمسألة القومية”.

أما وجه المصادفة في ذلك فهو أن الدوائر الرأسمالية في العالم راحت تنظم حملة جديدة لتأييد الرأسمالية من جديد، وكان أخطرها على الإطلاق ما نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في حزيران الماضي تحت عنوان “البيان الرأسمالي” بقلم فريد زكريا.. مما استدعى منا في منتدى الفكر الاشتراكي تنظيم ورشة جديدة لمناقشة هذا البيان وذلك بإدارة الدكتور حسان بدران مساء اليوم الأحد في مقر رابطة الكتاب.

وتدور فكرة “البيان الرأسمالي” كما كتبها فريد زكريا على أن ما تشهده الرأسمالية هذه الأيام ليس أزمة بنيوية، بل أزمة تعود لسببين عارضين هما البعد المالي “الذي يخلطه بالبعد النقدي” من دون التمييز بينهما والبعد الأخلاقي..

وفي التعليق على ذلك، فان غياب “الثقافة الاقتصادية” كما يبدو عند زكريا وعدم اطلاعه الكافي على الاشتراكية وأعمال ماركس وتحديدا “رأس المال” قد تفسران معالجته الفقيرة، بالمعنى المعرفي، بل وحتى “البيان الشيوعي” الذي اعتبره الاشتراكيون أنفسهم وثيقة متعجلة، لم يتحدث عن انتصارات وشيكة للعمال بالمعنى التاريخي بل تحدث عن أزمة عميقة وطويلة للرأسمالية.

وفي كل الأحوال فان أهم ما في قراءات ماركس للرأسمالية يؤكد أن الأزمة في جوهرها التي تظهر بين الحين والحين كأعراض عابرة يمكن تجاوزها في كل مرة ولكن لا يمكن إنكار الطابع البنيوي الجوهري لها وبهذا المعنى لم يقل لنا زكريا لماذا تتواصل الأعراض المرضية للازمة الرأسمالية وتظهر في كل مرة بشكل مختلف.. فما لا يعرفه أن ماركس شخص هذه الأزمة مبكرا بما سماه التركيب العضوي لرأس المال وبالتالي ميل معدل الربح للهبوط.. ويعني التركيب العضوي العلاقة بين الرأسمال الثابت “التقني” والرأسمال المتحول “الأجور” حيث برهنت الرأسمالية نفسها أنها في اعتمادها السريع على الآلات والتقنيات تقلل من سوق الأيدي العاملة، حيث يتحقق الربح الحقيقي وإلا لماذا تهرب الرساميل نحو العالم الثالث بحثا عن أيد عاملة رخيصة ولماذا تعاني أوروبا وأمريكا ما تعانيه من ظاهرة الهجرة إليها وهي هجرة لعمالة أسيوية وافريقية ولاتينية رخيصة..

أما العامل الأخلاقي، وحسب فلاسفة كبار مثل هابرماس وماركوز، فهو والرأسمالية ضدان لا يجتمعان معا، فجوهر الرأسمالية جوهر لا أخلاقي قائم على آليات السوق التي لا ترحم لا عمالة شقراء ولا عمالة سوداء ولا تتورع عن شن أبشع الحروب من اجل مصالحها حيث يعرف زكريا أن الرأسماليين وليس الاشتراكيين وليس احد في العالم الثالث هو من شن الحرب العالمية الأولى والثانية واغرق جنوب العالم بتجارة الأسلحة.