حروب الحسم الدولي تتمركز في بلادنا

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1980)

يجمع المعنيّون في العالم عموماً، بمختلف اختصاصاتهم ومواقعهم السياسية والعسكرية والفكرية، على أنّ الوضع الدولي، الشديد التعقيد والغموض والاضطراب، هو وضع استثنائي انتقالي لا يمكن أن يستقرّ وبدوم بالصورة الراهنة التي هو عليها، فقد أفلت زمام قيادة النظام الدولي من قبضة واشنطن الإمبراطورية، ولم تتلقفه قبضة أخرى بعد، بينما واشنطن تجهد عبثاً لاسترداده، فترتّب على ذلك حدوث هذا “الفلتان” التاريخي الذي يعمّ العالم، حيث لا توجد في أيّة عاصمة من عواصم العالم استراتيجية دولية واضحة، تشير بحزم إلى مصير دولي ما محدّد، فالتاريخ البشري يبدو اليوم منطلقاً لا على التعيين بمعزل عن الإرادات الإنسانية، مثل حصان جامح يعدو خبط عشواء!

غير أنّ المعنيين إيّاهم يجزمون بأنّ حسم الوضع الدولي الانتقالي المضطرب، واستقراره على حال من الأحوال، متوقّف تحديداً على نتائج الحروب الدائرة في البلدان العربية والإسلامية، في فلسطين والعراق وإيران وأفغانستان، فقد أفلت زمام قيادة النظام الدولي من قبضة واشنطن في هذه البلدان، خصوصاً في العراق، وينبغي استرداده في منطقتنا وليس في أيّة منطقة أخرى، سواء لصالح الأميركيين أو لصالح غيرهم، وهكذا سوف تستمرّ الصراعات والحروب الضارية، في هذه البلدان الأربع قبل غيرها وأكثر من غيرها، حتى يتحقّق الحسم، ويستقرّ الزّمام في قبضة جهة دولية ما، ليس مؤكّداً أنّها الأميركية حتماً وبالضرورة!

ولكن كيف ينظر المعنيون إلى طبيعة وأطراف الحرب الدولية الدائرة في بلادنا، بما فيهم أوساطنا الرسمية وشبه الرسمية، وغير قليل من أوساطنا غير الرسمية، حتى المعارضة؟ إنّهم ينظرون إليها على أنّها حرباً بين الحضارة والهمجية، بين التقدّم والتخلف، بين القانون والإرهاب! فالذي تسبّب في “فلتان” زمام القيادة الدولية من قبضة واشنطن، التي هي مركز الحضارة والتقدّم والقانون “مهما بلغت أخطاؤها وذنوبها”، هم هؤلاء “الهمج المتخلّفون الإرهابيون” من العرب والمسلمين! وبناءً على ذلك ينبغي حرمانهم من تحقيق النصر الحاسم، وإعادة الأمور إلى نصابها ولو على أيدي الأميركيين والإسرائيليين الظالمين، فالظلم الأميركي الإسرائيلي مقبول ويمكن التعايش معه إذا كان هو ثمن البقاء في دائرة الحضارة، وثمن درء خطر انتصار “الوحوش” من العرب والمسلمين!

ليس ثمّة أدنى مبالغة في هذا الذي عرضناه، فأمتنا وأوطانها ليست مطروحة كمركز حضاري محتمل، بل مصنّفة من قبل المركزية الأوروبية/الأميركية/الصهيونية على أنّها جرم مظلم، غير قابل للتحضّر ذاتياً، يدور في فلك جرم مضيء متحضّر! إنّه قدرها الذي ينبغي عليها أن تسلّم به طوعاً وإلاّ فكرهاً! وهي عندما تحاول استرداد حرّيتها الأولى ومرتكزاتها المادية الأساسية الأولى، التي لا تقوم للديمقراطية قائمة قبل استردادها، والتي تؤهّلها لإنتاج الحضارة والنور والتقدّم والقانون ذاتياً، يتهمونها بالخروج على القانون إذا كانت محاولتها سلمية، وبالإرهاب إذا كانت محاولتها قتالية، وفي الحالتين يجدونها تستحقّ العقاب، بما فيه شنّ الحرب ضدّها عندما يكون ذلك ضرورياً وممكنا!

إنّ في بلادنا من لا يزال يصرّ على تجاهل الحرّية كفعل أوّل قتالي لا مفرّ منه على طريق التحرّر والخلاص والديمقراطية، فيقفز في الفراغ إلى الأمام مطالباً بتحقيق العلاقات الديمقراطية التي يستحيل تحقيقها (جدّياً وليس هزلياً) قبل استرداد الأساسيات المعنوية والمادية المصادرة والمسلوبة، حيث العلاقات الديمقراطية تأتي كتحصيل حاصل، ينظّم حياة شعب حرّ، بعد نجاح عمليات استرداد الأساسيات بالقتال.

إنّ تعبير الحرّية عن وجودها وفعاليتها يتجلّى في اتساع دوائر المقاومة وساحات القتال، وليس ثمّة ما تحتاجه الأمة في هذه الحقبة الخطيرة من تاريخها سوى اتساع دوائر المقاومة وساحات القتال، فهي تخوض معركة وجود أو لا وجود مفروضة عليها حاربت أم لم تحارب، ولنا في المآل الذي آلت إليه أوضاع فلسطين اليوم الدليل القاطع على ذلك، حيث تبدو فلسطين وشعبها كأنّما هما على وشك الزوال!

أمّا عن التجارب الديمقراطية الجديدة في بلدان أميركا الجنوبية، التي يرى البعض فيها مثالاً يقتدى، فهي مهمّة وإيجابية طبعاً، لكنّها لا تزال هشّة، ولا تصلح مقياساً ولا مثالاً، بل هي قابلة للانكفاء لأنّها لم تتعمّق وترسخ ذاتياً بعد، ولأنّها تحقّقت في غفلة من الولايات المتحدة الغارقة في حروب بلادنا، وهي إذا كانت لا تزال مستمرة فإنّ الفضل الأول في ذلك، حتى الآن، يعود إلى استمرار الحروب وإلى صمود المقاومة في بلادنا، أي أنّها مدينة بعدم انهيارها، حتى الآن، للمقاومين الشجعان في فلسطين والعراق وإيران وأفغانستان، وفي الصومال أيضاً!

إنّ ما ينبغي أن يخشاه اليوم كلّ عاقل مخلص لأمته هو انكفاء المقاومة، فتشكيلات المقاومة وجماهيرها لم تمتلك بعد القدر الكافي من الحرّية السياسية والفسحة الجغرافية التي تكفل لها مزيداً من الاستقلال والاتساع، كما هو واضح في البلدان الأربعة المذكورة، وعلى هذا الأساس كتب رينو جيرار في صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية يقول: “يدعو ثلاثة من كبار القادة العسكريين الأميركيين، الذين تولّوا القيادة الوسطى سابقاً، الرئيس أوباما إلى التفاوض مع نظام طهران حول صفقة كبيرة، وبموجب هذه الصفقة تنضمّ طهران إلى نادي الدول النووية، لقاء تخلّيها عن حزب الله وحماس، ولقاء احترامها لسيادة العراق، ولقاء مساعدتها قوات حلف الأطلسي في تحقيق استقرار أفغانستان”! (صحيفة “السفير” 7/7/2009). غير أنّ الصحفي الفرنسي أضاف متسائلاً: “ولكن، هل يستحقّ محمود أحمدي نجّاد أن يكون موضعاً للثقة؟ هل يصلح مفاوضاً لإبرام اتفاق كهذا؟”!

إنّ في تساؤل جيرار ما يفسّر لنا الخلفيات الغامضة للمعركة الانتخابية الرئاسية الإيرانية، واستمرار ذيولها حتى اليوم، ورفع شعار “إيران أوّلاً” الذي سبقها ورافقها! وإنّ السؤال الذي ينبغي أن يطرح من قبلنا بداهة هو: “ترى هل كانت الصفقة الأميركية/ الإيرانية ستتمّ بسرعة وبسهولة، ضدّ المقاومة في البلدان الأربعة، لو فاز بالرئاسة شخص آخر غير نجاّد؟ وأيّ تعويض أو عزاء لشعوب هذه البلدان المقهورة في أن تتحوّل إيران إلى دولة نووية، ديمقراطية على الطريقة الأميركية؟”!

ns_shamali@yahoo.com