من كان قادرا على الكتابة فليكتب.. أو فليسكت !

د. أحمدالخميسي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1982)

سأتحدث عن الاحتيال الثقافي، وهو ظاهرة قديمة، لكنني سأبدأ من القشة التي قصمت الظهر وجعلتني أقرر أخيرا أن أكتب في ذلك.

أبدأ من الدعوة التي وصلتني على البريد الالكتروني كما وصلت لغيري وجاء فيها بالنص: ” يتشرف مختبر المسحراتي بدعوتكم لحضور العرض المسرحي ” فيفا ماما ” – دراماتورج وإخراج عبير علي، كتابة د. هاني عبد الناصر، ود. سهام وعبدالسلام المراجع لورشة الكتابة، وذلك على مسرح الهناجر بأرض الأوبرا “.

والآن أرجو القارئ أن يعود ثانية لنص الدعوة، وأن يقرأه بتمعن مرة أخرى. ففي ذلك النص القصير تحيا تقريبا مدرسة كاملة من طرق الاحتيال الثقافي تعيش وتترعرع وتزدهر برعاية رسمية من هناجر الدولة وغيرها. حسب نص الدعوة هناك ” كتابة ” قام بها فلان وفلانة، لكن بين أولئك الكتاب يبرز بشكل خاص اسم ” عبد السلام ” مراجع ورشة الكتابة، مما يترك عندك انطباعا بأن لعبد السلام ( الذي لم تذكر الدعوة اسم عائلته ) اليد الطولى في التأليف؟!، وإلا لماذا ميز النص عبد السلام عن غيره من المؤلفين بأنه ” مراجع ورشة الكتابة “؟.

على أية حال نحن أمام ” كتابة ” قامت بها مجموعة بشكل مشترك، و ” الاشتراك في التأليف ” يعيد للذاكرة فقط تجارب المزارع الجماعية، حيث كان الاسم ” جماعي ” يخفي وراءه دائما مصالح أفراد محددين عديمي الموهبة على حساب آخرين موهوبين، لكنهم لا يستطيعون شق طريقهم.

ومع أن التأليف كان وسيظل رؤية خاصة جدا لا تصلح معها طريقة المشاركة، لكنني سأفترض أن هناك ” كتابة ” مشتركة قامت بها مجموعة. وفي هذه الحالة ماذا يعني النص في الدعوة والإعلانات على أن ” فيفا ماما ” – دراماتورج وإخراج عبير علي. ماذا تعني كلمة ” دراماتورج ” هنا؟. هل كتب الاخرون ثم قامت المخرجة بإضفاء دراما على العمل؟ أم أن المصطلح يعني أن المخرجة هي أيضا المؤلفة؟. لن تفهم أبدا. لأن المقصود تحديدا برعاية مسارح الدولة هو خلط الأوراق، بحيث يظل الاحتيال الثقافي مدرسة صاعدة، طالما أن المخرجة لا تكتفي بالإخراج بل وتريد أيضا أن ينوبها من التأليف جانب. في نهاية نص الدعوة تأتي بالبنط الصغير إشارة إلي رواية بهيجة حسين ” حكايات عادية لملء الوقت “. فما المقصود بذلك؟ هل اعتمدت الكتابة الجماعية والأستاذة دراماتورج على تلك الرواية؟ وإلي أي درجة؟. ويبقى السؤال الحائر: من هو مؤلف العرض بهيجة حسين؟ أم المخرجة؟ أم ورشة الكتابة؟ أم من؟ لا إجابة.

المؤكد فقط أن ظاهرة خلط الأوراق، والمصطلحات أصبحت إحدى ظواهر الكارثة الثقافية، و ” فيفا ماما ” هي قطرة من بحر الاحتيال. فقد سبق أن حضرت عرضا موسيقيا عن حفل لألحان محمد عبد الوهاب، لكن الإعلان عن العرض تضمن بالخط العريض ” رؤية موسيقية لفلان الفلاني “؟!. ما الذي رآه ذلك الملحن الشاب الجديد بحيث ينهب موسيقى عبد الوهاب ويقدمها كما هي تقريبا مقحما اسمه على روح موسيقار الأجيال؟. لاشيء.

كما سبق أن شاهدت عروضا مسرحية معتمدة على أعمال مسرحية لكبار الكتاب العالميين، قدمها مخرجون أو مؤلفون على أنها ” رؤية ” بعد أن تفضلوا بتشويه النص الأصلي. وإذا كان كل أولئك العباقرة من مؤلفين، ودراماتورج، ومخرجين، وأصحاب رؤي، قادرين على تقديم شيء خاص بهم، فلماذا لا يؤلفون ويرحمون الأعمال الأصلية للكتاب؟. لكن الاحتيال يظل أسهل الطرق أمام الكثيرين خاصة عندما تقف مسارح الدولة وراءه بقوة وتعتمده كمدرسة فكرية. وقد تأكدت تلك الظاهرة عندما قدم المسرح مؤخرا مسرحية السلطان الحائر لتوفيق الحكيم باعتبار أن العمل ” رؤية عصرية ” لعمل كتبه الحكيم عام 1959. صاحب الرؤية هذه المرة هو المخرج عاصم نجاتي الذي فتح الله عليه بإدخال الموبايلات والفيس بوك وغير ذلك على نص توفيق الحكيم. ومعروف في تاريخ الثقافة أن تستلهم موضوعا، لكن لا يعرف أحد أن تتناول عملا محددا لتقوم بتشويهه. ارحمونا من الرؤى ومن التأليف الجماعي ودراماتورج وكل أشكال السطو على أعمال الآخرين ومن كان قادرا على الكتابة فليكتب أو فليسكت!

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com