موضوع ساخر: علمان ونشيدان لبلاد ضاع علمها ونشيدها!

جمال محمد تقي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1989)

مطلع النشيد الوطني العراقي قبل احتلال العراق :

” وطني مد على الحب جناحه

وارتدى مجد الحضارات وشاحه

بوركت ارض الفراتين وطن

عبقري المجد عزما وسماحه.. “

….

مطلع النشيد الوطني بعد الاحتلال الامريكي للعراق :

” موطني

موطني

الجلال والجمال والسناء والبهاء

في رباك، في رباك

والحياة والنجاة والهناء والرجاء

في هواك، في هواك

هل اراك هل اراك ؟

سالما منعما وغانما مكرما

هل اراك في علاك تبلغ السماء

موطني، موطني.. “!

عندما ينزل الضيوف الرسميون على مطارات العراق فانهم يسمعون في بغداد نشيد موطني وفي اربيل نشيد اي رقيب الذي يمجد الكرد ومقاتليهم، ويسمع في النجف وكربلاء دعاء كميت، وفي البصرة تختلط الاناشيد على بعضها بين نشيد السياب ـ جلس الغريب يسرح البصرالمحير للخليج، والظلام حتى الظلام اجمل في بلادي لانه يحتضن العراق، وبين اغاني الخشابة واغاني الردح العربي والفارسي، والحسجة الزبيرية والعمارتلية!

نفس الحالة تنطبق على الاعلام ففي بغداد يرى الضيف الرسمي علما بلا نجوم ثلاثة وكتب عليه بالخط الكوفي عبارة الله اكبر، وفي اربيل والسليمانية علم يحمل الوانا مختلفة تتوسطها شمس مبالغ في سعتها وكانها رسم كاركتيري، اما في النجف وكربلاء فما اكثر الاعلام التي تؤشر كل واحدة منها الى امام من الائمة المعصومين وغير المعصومين، وفي صلاح الدين والبصرة وبعض المدن التي لم تستلم بعد مخصصات استبدال الاعلام القديمة بالجديدة الخالية من النجوم فان الاعلام القديمة مازلت ترفرف على صارياتها وكلها زهو بنجومها واسم الجلالة المتماهي معها!

قيل ان مكتب رئاسة الوزراء احتاط للامر في اثناء تنقلات دولة رئيس الوزراء بين المحافظات وخاصة تلك المنقولة مباشرة عبر الفضائيات، فراح يحمل معه اخر طبعة من نسخ علم العراق الجديد مع كاسيت مسجل عليه النشيد الوطني الجديد خوفا من تكرار الحادثة التي بثت فيها اغنية ـ اني المسيجينة ـ على انها النشيد الوطني وكان وقتها الحرج سيدا للموقف وكانت حيرة رئيس الوزراء ومرافقيه لا توصف بين ان يبزخوا او يرفعوا اياديهم تحية للنشيد الوطني!

في زيارة دولة رئيس الوزراء العراقي نوري كامل المالكي الى عاصمة الجارة كردستان ـ هاوليرـ استقبل سيادته استقبالا حافلا بالاعلام الكردستانية، وعزف النشيد القومي الكردي ـ اي رقيب اي ـ اثناء وقوف الرئيسان على منصة الشرف، وبعدها راح الرئيسان البارزاني والمالكي يستعرضان حرس الشرف على انغام النشيد القومي الكردي، وعلم ان المالكي وقتها كان ممتعضا من مستشاريه ومرافقيه الذين نسوا ان ياتوا بنسخة من العلم العراقي وكاسيت النشيد الوطني لا لشيء سوى لان حفل الاستقبال قد تناقلته الفضائيات!

اتذكر عندما احتفلت دولة الامارات بالفريق العراقي بطل اسيا وارسلت طائرة خاصة لنقله بعد ان ضاقت به السبل في مطارات اقاصي اسيا، كان استقبال امراء الدولة لاسود الرافدين اسقبالا رسميا بمعنى الكلمة حيث عزف النشيد الوطني العراقي المتعارف عليه وهو المسطر في مطلع المقال في حفل استقبال واحتفاء قل نظيره، اعترض السيد السفير العراقي وقتها دون خجل وحياء متناسيا واقع المفارقة القائمة ـ اهمال حكومته لرموز شعبها وابطاله ـ ومتذكرا فقط ان النشيد الوطني العراقي قد تغير!

وقتها تسرب ان تبرير احد كبار موظفي التشريفات الاماراتي للسفير العراقي تلخص بان النشيد الوطني الجديد مطابق للنشيد الوطني الفلسطيني مما خلق نوعا من الالتباس، وتفاديا له تم الاستعانة بالنشيد القديم خاصة وان النشيد الجديد لم يطبع على سيدي يناسب الاجهزة الحديثة التي يحتويها مكان الحفل اضافة الى ان رجال السفارة لم يكونوا وقتها مهتمين بالبروتوكولات!

ـ يابة هسة هية وكفت على النشيد هو اذا صاحب النشيد ايعالج ـ!؟

ارسل لي احد الاصدقاء وهو من المولعين بجمع الطرائف الخاصة بالاوضاع العراقية من خلال بحثه في دهاليز الانترنيت، طرفة حقيقية تخص النشيد الوطني العراقي تقول :

خلال فترة حكم الملك غازي للعراق, كان الفنان التشكيلي حافظ الدروبي على رأس الوفد العراقي المشارك في مهرجان الكشافة العالمي الذي أقيم في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية, وكان يرعى المهرجان آنذاك الزعيم النازي هتلر, وضمن التقليد المعمول به في هذا المهرجان إن الوفد المشارك عندما يقترب من المنصة التي يقف عليها هتلر يردد النشيد الوطني لدولته وهو يقابلهم بتحية مرحبا بهم. لكن الوفد العراقي وقع في حيرة من أمره فلم يكن لنا نشيد وطني متفق عليه آنذاك، مثلما هو الحال الذي نحن عليه ألان، لكن الفنان حافظ الدروبي رحمه الله طمأن الوفد بأنه سيتدبر حلا لهذه المشكلة, وعندما اقترب الوفد العراقي من منصة هتلر ارتفع صوت حافظ الدروبي “بلي… يبلبول” والأولاد يرددون معه بحماسة “بلي” “ما شفت عصفور” “بلي” “ينكر بالطاسة” “بلي”…. والمفاجئة الأكبر إن الجمهور الذي امتلأت به مدرجات الملعب تفاعل مع النشيد الوطني العراقي وتمايل طربا دون سائر الأناشيد الأخرى وهو يردد “بلي”.

حتى لا تخلط الاوراق وحتى لا يصبح الاخضر بسعر اليابس علينا التاكيد انه قد طفحت على سطح عراقنا الجديد الكثير من الاعلام والاناشيد وقد تعد بعدد قبائل العراق واحزابه وفضائياته ولكن هناك علمان ونشيدان يتنافسان وبشكل رسمي وعلني ودستوري وكلاهما يتغذى على عملية اعادة صياغة العراق حتى لو خسر العراق نفسه في هذه الصياغة، علم ونشيد دولة العراق الذين يفترض بهما ان يكونا سائدين من زاخو حتى البصرة، وعلم ونشيد كردستان الذين يحرص دعاتهما على الانفصال والسيادة على كل شمال بغداد، ولا يريدون شريكا لهم بتلك السيادة، وعندما يتحرجون من حالة الازدواجية والانتساب الاسمي للعراق، فانهم يسارعون للتاكيد اللفظي بكونهم جزءا من الكل العراقي، ولكنهم في واقع الحال يعملون فعليا على ان يكونوا الكل في الكل هناك في الشمال المستقطع عمليا من الدولة العراقية، اما ممثليهم في بغداد فهم في واقع الحال يعملون كسفراء لدولتهم التي لا ينقصها غير الاعلان!