“التطبيع والتمييع”

محمد خالد عمر

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1990)

ملاحظة من “كنعان”

إضافة إلى الثابتة أن كل مقال يعبر عن راي كاتبته/كاتبه، وليس بالضرورة عن راي” كنعان”، وبالطبع لا تنشر “كنعان” ما يتناقض مع مشروعها إلا في باب الرد والنقضأ فاننا نود الإشارة هنا إلى أمرين في مقالة السيد خالد محمد عمر:

الأول: لقد نشرنا قبل اشهر بيان التأسيس لجبهة المثقفين في الارض المحتلة، وتوقعنا تجاوبا مع ذلك. لكن التجاهل اشعرنا وكأن ما يُحتل قد انتهى ولم يعد أرضا عربية!

والثاني: إن مقالة السيد خالد تقوم على اعتبار أن الصراع ديني. وأن الدين اليهودي هو محرك تاريخ وصراع المنطقة، ونعتقد أن هذا ليس التفسير الدقيق للصراع. لم تكن الصهيونية سوى أداة ووظيفة لراس المال العالمي، وحتى حروب الفرنجة لم تكن من أجل الأماكن المقدسة بل كانت بسبب فائض أمراء الإقطاع في بحثهم عن إمارات. ولو نجحوا لما كنا هنا، وربما تأخر اكتشاف أميركا بشقيها، اي لكانت الأمة العربية هي الهنود الحمر. لقد استخدموا الدين، ومن حقنا استخدامه كمفعول ثقافي، ولكن من الخلل اعتبار الصراع ديني في الأساس، لم يتم احتلال العراق من أجل المئذنة الملوية، بل من أجل ما تحتها من نفط.

“كنعان”

* * *

” التطبيع والتمييع “

أسرة تحرير نشرة كنعان الالكترونية المكرمون:

حياكم الله:

لعل الصدفة وحدها هي التي جعلت نشرتكم تحط رحالها في بريدي الالكتروني منذ أكثر من عامين. وكم كنت سعيداً في قراءتي لكثير من المقالات وخاصة تلك التي تمارس ما يشبه النقد الذاتي بما يوحي اتجاه النشرة اليساري عندما تتكلم عن اليساريين الذين سقطوا بعجز وخور واستكانة مذلة أمام مغريات الاستعمار. في أغلب الساحات المقاومة في فلسطين والعراق على وجه الخصوص. في الحقيقة احتفظت بأكثر من مقال وصلني عن طريقكم في الأرشيف وأفدت من بعض المقالات خاصة تلك التي لها طابع وثائقي لأنني اعتبرت أن ما تقدموه منضبط ومضبوط.

غير أنني ولما كنت من أعلى الأصوات التي تطالب بموقف جماعي معاد للتطبيع والمطبعين في عالمنا العربي خاصة بعد أن شعرنا بسقوط مريع لبعض الأسماء الرنانة التي كان لمواقفها المستكينة قوة تأثير على بعض ممتهني الكتابة حديثاً، أو بعض طالبي الشهرة بالترجمة والدخول إلى العالمية. وأعجبتني بعض مقالات السيد عادل سمارة، وأخص منها ما جاء في مواجهة “التطبيع والتمييع” والتضييع للقضية والهوية الوطنية والقومية. ولما كنت ممن تابع السجال الذي دار بينه ومن المطبعين من أمثال ( الخونة الصغار) الذين آمنوا بثقافة معلميهم بأنهم يمكن أن يعدوا الخيانة وجهة نظر حاولت قراءة كل ما يرد في هذا المجال، واليوم وأنا أقرأ مقال السيد جميل خرطبيل ومقال المدافع الرائع الطاهر المعز عما تمثله ” كنعان ” ومقال السيد أحمد أشقر عن ترجمة أعمال الصهيوني ” عاموس عوز ” لفتني طرح تقدم به السيد خرطبيل، وهو عبارة عن اقتراح جريء بتشكيل جبهة للمثقفين الوطنيين الثوريين المؤمنين بثقافة المقاومة وتحرير فلسطين كل فلسطين لتكون نبراساً لكل مثقفينا ولتحمي بعضهم من الانجرافات”. فإذا كانت الجبهة تعني في أهم معانيها اللغوية والاصطلاحية علو المقدمة، أو الجماعة المتراصة، والسيادة والزهو. فإنها بقدر ما تعني الجبهة الأعلى بقدر ما تعني المجابهة الأصلب، لذلك فالجبهة المطلوبة هي التي تكون بمستوى التحديات، وهي القادرة على البناء والوقوف في وجه المؤامرات، وهذا يتطلب منا صقل ذاتنا معرفياً بقراءتنا لمراجعنا بعين واعية، واستخدامنا أدوات حديثة، واعتماد الجبهة المقترحة من قبل صديقنا الذي لا نعرفه جميل خرطبيل، وأن نخرج إلى العالمية من خلال الحفاظ على الهوية الانتمائية، وأن نتميّز عن الآخر فعلاً وسلوكاً وقيماً. ونحسن اختيار لغة الحوار ووقته، ونبتعد عن التطرّف والتعصب والتمسك بالقشور.

ولما كنا مقتنعين بأن المشروع الصهيوني مشروع إلغائي استيطاني عنصري، ويتعارض تماماً مع وجود الأمة ومشروعها، وأن حال الأمة اليوم لا يسر الصديق ولا يقلق العدو. فإنني أشد على يد صديقنا بتشكيل هذه الجبهة انطلاقا من نقطتين:

الأولى: إن الأنظمة العربية لها ضروراتها التي تضطر معها لعقد ما يسمى السلام مع الذئب القابع على صدر الشعب العربي، وإن هذه الضرورات التي تمليها السياسة وتصنعها الظروف وتفرضها القوة لا تلزم أبناء الأمة فللأمة “بشعبها الواسع” آملين أن يأخذ كل منّا دوره ويقوم بواجبه.
الثانية: إن أي عمل وطني بحاجة إلى إرادة ودافع داخلي واقتناع بدور الأمة الأكبر والأكثر فاعلية من دور الأنظمة في بعض الأحيان.

وإذا ما كان قدر الأمة أن تظل في مواجهة البغي والإجرام العالمي، وقدر هذا الشعب أن يظل حاملاً لراية المقاومة الفعّالة. فإن على النخب في هذه الأمة والقوى الفاعلة مسؤولية تعميم ثقافة المقاومة، وترسيخ الإيمان بفاعليتها في الحفاظ على الهوية والدفاع عن الكرامة في زمن لم يبق لنا إلا الفكر الممانع والزند المقاوم والسوق المقاطع.

لذلك نأمل من هذه الجبهة أن تعمل لضم كل أبناء الوطن الشرفاء من كل أطياف المجتمع وتقسيماته المدنية والأهلية والمهنية والانتماءات والولاءات المتعددة تحت راية المقاطعة. لأن العدو واحد والمقاومة طريقها واحد، ويجب أن يكون الكف في مقبض السيف موحداً.

إن الغلبة ليست عيباً وإنما العيب في الاستكانة والخنوع. فلماذا لا نختاراليقظة ونعتز بكرامتنا من خلال احترام الذات. فإذا كنا لا نستطيع اليوم تحرير الأرض فإن علينا أن لا نخنع للظالم، ولا نرضى بالسارق أخاً أو مجالساً أو شريكاً.

لما كانت المقاومة التي هي رد فعل خيّر في مواجهة فعل ظالم شرير، حاجة دائمة في كل الظروف بانتصاراتها ونكساتها فهي فرض كفاية في الانتصار للحفاظ عليه، وهي فرض عين في زمن الغلبة والنكسات فجهد الجميع مطلوب ولكل دوره في المعركة. كان المطلوب منا جميعاً القيام بردة الفعل الكريمة هذه.

وبما أنني مؤمن بالعمل المثمر الجاد والذي يأتي بآليات عمل حقيقية دون أي مظهر من مظاهر النضال المكاتبي الكاذب. ودون أن يشكل عبئاً مادياً على أحد من الكتاب فإنني أثني على هذا الاقتراح، وأقدم نفسي متطوعاً في خدمة هذه الجبهة شريطة أن تحافظ على مبدئيتها ولا تبهرها الأسماء البراقة فليس كل براق ذهب”.

ولأننا نعتقد أن التواصل الالكتروني وفر على طبقة المثقفين المبدئيين الذين لم يسقطوا في مستنقع البحث عن المال ويوفر على الصحة عناء السفر وكلفة الاجتماعات والمؤتمرات فإنني أدعو إلى قيام هذه الجبهة مبدئياً عبر التواصل الالكتروني.

اعذروني أيها الأصدقاء: إذا كنت مستعجلاً لأن تجربتي مع التنظير تجربة مرة والتنظير لا يعطي أكله إلا بالخطط الواضحة المبينة والالتزام بهذه الخطط، وأن المثقف الحقيقي الذي عرفه الأستاذ خرطبيل بحاجة إلى جرأة تفرز الغث من السمين، ونحن إذ نشد على أيديكم لا نخفي فرحتنا بكم لأننا سعداء بالطرح. وهذا الطرح لا يحرجنا نحن الذين لا نملك ثمن بطاقة الطائرة والحجز في فنادق النجوم.

فإذا كانت الثقافة في أبسط تعريف لها خلصت إليه الأمم المتحدة في ندوتها المقامة من أجل الاتفاق على تعريف الثقافة: إن ثقافة أي شعب هي طريقته الخاصة في الحياة، وموقفه منها، وآراؤه فيها، وفلسفته تجاه مشاكلها، ثم تصوره لوضعه في الحياة. وكان تعرف المثقف كما قدمه الأستاذ خرطبيل أو أنه هو ما قدمناه في كتابنا مفهوم الشخصية الحضارية: هو من وعى ذاته وأدرك رسالته، وتفاعل مع معلومات سابقيه، وامتلك إرادة التغيير وأدواته،بناء على معطيات عصره، ونزع بوعي معرفي له، فكان معالجاً مبادراً، ومن ثم منتجاً لثقافة خاصة ورؤية متفردة يحدد بها هويته ويميِز بها سلوكه.

فإننا يمكن أن نقدر من هو الشعب المميز لهويته ومن هو القادر على تحديد طريقته الخاصة في الحياة، ومن هو القادر على تحديد موقفه من الحياة، وتقديم رأي حصيف فيها ومنذا الذي يستطيع أن يعلن رؤية فلسفية تجاه مشاكلها، ثم يحدد وضعه وموقعه ومرتبته في الحياة. أقول ذلك الكلام وأنا أعرف أن ما نعيده ينطبق على الفرد كما ينطبق على المجتمع فيما إذا صدقت النخب الفكرية والدينية وابتعدت عن ألاعيب السياسة وحصرت الضرورات بالأنظمة والنخب لها خياراتها وتخلت عن أنانيتها دون أن يفوتها تحديد هدفها السياسي.

أيها الأصدقاء:

تعالوا نتفق على رفض بدعة حق العودة ونعتبره مطلباً سياسياً يمكن أن يناور به السياسي. ونركز فكرياً على “عودة الحق والحق أبلج فلسطين عربية كل فلسطين عربية”، ودعونا نتفق على عدم التنازل فبعض الفلسطينيين والعرب تخلوا عن مشروعهم القومي كخطوة أولى، وتخلوا عن مشروعهم الوطني ثانياً وهم في طور التخلي عن كرامتهم وأسمائهم وأعراضهم.

أيها الأصدقاء:

ستون عاماً والعرب متأرجحون بين نظرية المؤامرة وحالة النهوض، ستون عاماً والزمن يجثو على خارطة فلسطين ستون عاماً والعرب حبات ” مسبحة” لا ناظم لها، ستون أياراً والشرف العربي مسفوح على سجادة الصلاة، ستون أياراً وعنترة العربي يؤجر سيفه لبني قريظة، ستون عاماً والنكبة تاج السياسة والشعر والنثر والخطب، ستون نكبة ولدت من رحم النكبة، ستون مأساة والأقصى ينادي أهله وأهله صم بكم عمي فهم لا يفقهون. بعضهم أقعده العجز والكسل والخور فاستكان حتى وضع 99% من أوراق لعبة مصير البشرية في يد أمريكا، وأقاله هذا العجز حتى من التفكير إلا في كيفية إرضاء الغول الأكبر الذي يستأثر بمفاتيح الرزق والحل والسلم والحرب. والآن وبعد هذه الستين مأساة هل يكفي أن أعرض نتائج النكبة على ورق الجرائد وقرطاس الأيام؟ وهل تكفي الجرائد لنعدد خيباتنا ومهاذلنا وانتصارات الآخرين؟ وهل هناك جدوى من التعداد لأعرض ما كتبته الأيام في صفحاتنا، وما سينقله التاريخ عن جيل لم يجن إلا التعاسة ولم يحتفظ إلا بالذل أقول ذلك وأنا على يقين تام أنّ أحداً لن يقرأ جرائدنا وإذا قرأ فهو واحد منا لن تحرك فيه النكبة شيئاً لتحرك فيه الكلمات إذاً لا فائدة من الكتابة لأنها لن تلامس النخوة، ولن تثير فيها الشهامة إذا ما بلغت الأسماع كما قال عمر أبو ريشة رحمه الله. كما أنه لا فائدة ولا جدوى من التعداد لأن مأساة فلسطين بعمق وامتداد مأساة الأمة فهي سجل كل ما واجهته الأمة وما ستواجهه حتى تتحرر الأرض وبما أن عرض الأحداث الدولية والعربية ما هو إلا استرجاع للتاريخ الغربي والأمريكي تحديداً لأن التاريخ يكتبه القوي، فأنا لست بحاجة لأن أؤرخ للآخرين انتصاراتهم خاصة وأن الأمة بعد ستين عاماً لم تعرف حجم المأساة، ولم تكتشف عمق الجرح الذي دخل كل بيت في الأمة، بدليل أننا لم نعد إلى ذاتنا ولو لمرة واحدة، ولم نحاسب أنفسنا بعد أن تخلينا عن واجبنا تجاه أنفسنا وأمتنا وديننا وهويتنا، قبل احتلال فلسطين وبعد احتلالها، وقبل احتلال العراق وبعده، وقبل اغتيال الحريري وبعد اغتياله، وقبل تقرير ميلس وبعده. وصار دأبنا توليد مبادرات عربية وقطرية للسلام، فأنا لا أفهم كيف يقدم صاحب الحق مبادرة التخلي عن حقه وكيف يصبح بعض الأعراب من أصحاب الحق طرفاً ثالثاً دأبهم التوسط بين الفلسطينيين والكيان، كما أنني لا أفهم ولا أستطيع أن أفهم كيف يكون الإنسان مظلوماً مهاناً فيبحث عن مكان ليركع فيه أمام ظالميه. كما أنني إلى الآن عجزت عن فهم معنى السلام قبل استرجاع كامل الحق. والحق هنا يشمل كل حقوق الأمة لأن الأمة واحدة وحقوقها حق واحد. وما مقولة يا وحدنا إلا مؤامرة هي الأخطر في تاريخ الأمة الحديث.

من هنا رأيت أن أرثي لحال الأمة المهزومة بالكلية المأزومة أفراد ومجتمعات، خاصة وأنّ المحطات الفضائية اليوم وهي تعمم ثقافة القوة وتمارس حرباً إعلامية أكثر فتكاً في الأمة من خلال غزوها لكل بيت، بل لكل عقل تنقل لنا الأخبار والتعليقات والتحليلات فلا تترك بيتا في المعمورة خارج أحداث الزمن. أو خارج دائرة الاستهداف تجرّم الحضارات حسداً فتصارعها، وتموت غيظاً من أصحاب الإرث الحضاري. ولأن هذه التحليلات لا تغطي الأحداث بل توظفها، وتعطي جرعات سميّة فيما وراء الحدث، نحاول أن ندرك هذا الما وراء، ونلقي الضوء على منطقتنا التي أراد لها بوش وزبانيته من اليهود الصهاينة والصليبيين الجدد أن تكون الهدف الأول بالاستهداف. وأرادت الأمة لنفسها أن تجرفها الأمواج العاتية فتسقط في جدل حقيقة نظرية المؤامرة وزيفها، وتغوص في مستنقع السكون وتحدث خللاً في العقل وطريقة التفكير السياسي. مما انعكس سلباً على وحدتها وقوتها وإرادتها، وبدلاً من أن يكون الشعور بنظرية المؤامرة حافزاً على التمترس في خندق المواجهة وقوة تدفعها للاستماتة في الحفاظ على الحق أصبحت خنجراً مثبطاً يتغلغل في النفوس فتبعدها حتى عن التفكير في المستقبل دون الانصياع لحكم هذه النظرية.

لذلك فشلت الأمة في تحقيق أي من أهدافها بعد أن كانت صاحبة مشروع نهضوي سبق في ميلاده المشروع الصيني والهندي وحتى السوفيتي سابقاً، وقد تزامن تقريباً مع المشروع الصهيوني الذي نجح عدونا في تعميمه لأنه جاد ومجتهد في تبنيه وتنفيذه بغض النظر عن الوسائل والسبل الأخلاقية واللاقيمية المستخدمة. وفشلت الأمة من أن تنقذ نفسها من عفن الحاضر ونتن الواقع الذي ساهمت بصنعه وبتراكمه، وقد لا يخفى على أحد أن انطلاق الأمة للعالم بمصداقية الفعل المصاحب للحق وبالإرادة الحرة والقدرة على هذا الفعل تضع الحق في نصابه، أو على الأقل تقدمه إلى دائرة الاهتمام الدولي. ونحن نذكر أنه مرّت على الأمة بعض المحطات كحرب تشرين وقفت فيها وبها مدافعة عن حقها. فحققت كثيراً من الأمور الإيجابية التي لا زلنا نعيش على بقياها، غير أنّ هذه الحرب نبّهت الأعداء، بل أخافتهم من استيقاظ هذه الأمة فسعوا جادين إلى تفتيت ما تجمع من قواها وإلى الإبقاء على إنسانها في دائرة التبعية، ولم يستطع العرب حماية أنفسهم وقديماً قيل صعب بلوغ القمة لكنّ البقاء عليها أصعب.

ولأننا لم نستطع بلوغ القمم، ولم نمتلك الإرادة لبلوغها حتى الآن وصل بنا الأمر إلى ما وصلنا إليه من تضخيم لنظرية المؤامرة التي أقالتنا حتى من التفكير في القمم وعشنا إلى اليوم في الحفر نخبئ رؤوسنا في الرمل ونتغنى بقمم الماضي. هذه المحطات والنقاط المضيئة كتشرين وما شابهها أيقظت الشعور بالوجود، ووضعت العرب لأول مرة في أمل تخطي نظرية المؤامرة والقدرة على الوصول إلى حالة النهوض.

لقد أكدت هذه المحطات أننا عندما ننفض عن كاهلنا قابلية الاستعمار كما يقول مالك بن نبي رحمه الله، ونعيد الليل إلى وظيفته وننقله من عتمته الأزلية إلى أن يصبح رحماً للفجر. إذ المثل يقول: ( إنّ الليل في أشد ظلمته يبشر بصبح قريب )، نكون عندها قد قبضنا على حالة النهوض الjي هي الرد الحقيقي والفاعل في وجه الأطماع الاستعمارية وفي وجه نظرية المؤامرة،، بدل أن نركن لقَدَرِها لنبرر عجزنا، ونجعل منها شماعة نلقي عليها خيباتنا. فمنذ الهجوم الصليبي الأول يوم صيحة أوربانوس إلى نابليون بونابرت إلى الاستعمار الغربي والخطر الصهيوني يدق علينا الأبواب، والأمة تغط في نوم سباتي لا أمل بيقظتها منه إلى أن دخل الوحش البيت ففتك في العرض والأرض والمقدسات. والآن وقد وصلت أمريكا إلى تجنيد بعض أبناء جلدتنا ضد أنفسهم باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والدفاع عن الأقليات. واشترت كثيراً من مثقفينا أو المحسوبين على الثقافة العربية وغالبية اليساريين السياسيين والأدباء كالأسماء التي تواجه اليوم الأقلام التي ما زالت تحتفظ بالحد الأدنى من الحياء وتسمها بالمزاودة حيناً وبالحالمة حيناً آخر هذه المأساة التي نعيشها يومياً مع أمثال إبراهيم نصر الله تتطلب منا أن نعود بتفكيرنا للمربع الأول الذي يدعونا لأن ندرس مشاريعنا النهضوية وأنظمة الحكم، ودورها وفاعليتها، وسمات المعارضة وكيفية معارضتها، وتحديد الثوابت والتحرك في هامش المتغيرات التي تتيح للأمة رسم منهجها، وتجعل جميع القوى تتنافس على ساحة ومساحة الوطن، وتجتهد في تنفيذ خطوات هذا المنهج دون المس بالثوابت ككل أمم الأرض، كما علينا أن نخرج من قمقم العجز الذي سجنّا أنفسنا في حدوده، ونبحث عما أعددناه من أدوات للنهوض وخطط لبناء الشخصية الممانعة المرتكزة أساساً على التكوين المعرفي والنضالي انطلاقاً من الدفاع عن الكرامة المهدورة.

ففي الوضع الداخلي العربي: فإنني لن أبدأ من تأثير ما جرى ويجري في جسد الأمة وروحها من مجازر وجرائم، وفتن وخلافات مختلقة، كما أنني لن أوصّف الحالة التي وصل إليها العرب بعد ستين أياراً توالت والكيان الصهيوني يرفل بثوب الزهو والغطرسة، ونحن نضرج بدمائنا ودماء أطفالنا ويقتلنا الجوع والحصار والذلة في غزة والضفة والجليل والشتات والعراق والسودان والصومال والمغرب والمشرق، بل سأترك كل هذا لأن ما يراه المرء على الشاشات الصغيرة يفوق الوصف، ويضج بالألم وأنتقل فوراً للدخول إلى عمق المأساة العربية متجاوزاً التكلّم عن الأوضاع الراهنة أو الأحداث السياسية الإجرائية كميلس وتاريخه وعدالته، أو بريمر وخططه وقوانينه، وبالتون أو… أو… أو عن أو خارطة الطريق وأوسلو والسلطات الفلسطينية والعراقية تحت ظل الاحتلال. وما جرّت على الأمة من ويلات بدأت في كامب ديفيد ولم تنته، فهم يتفننون في حصارنا عمقاً ويتنقلون في فرضه يمينا وشمالاً ونحن نتفنن في قدرتنا على التحمل دون صراخ. ولأن كل هذه الحصارات والاعتداءات ما هي إلا حلقات في سلسلة نهب ثروات الأمة وتقزيم إنسانها. لا بد لنا من وقفة تفسيرية لقانون محاسبة سورية الذي يكاد ينكسر قيده تحت وطأة عدم الاستكانة، وعقاب السودان ومحاولات تمزيقه جنوباً وشمالاً، واحتلال العراق وفلسطين، واحتلال الخليج، وتدمير الجزائر، و محاولة فرنسة دول المغرب العربي، وأوربة أو أمركة لبنان. إنهم يصدّرون قرار حكمهم، ثم يختلقون أدلة وثبوتيات وحيثيات غير مقنعة يقدمونها للعالم، فلا يمكننا أن نفرّق بين ميلس وبليكس ولا بين الجرح في العراق والجرح في فلسطين. فالطريدة واحدة والعدو واحد والدم النازف دمنا سواء نزف في المنامة أو في وهران، غير أن التساؤل لماذا نحن الطريدة؟، ولماذا نرتضي لأنفسنا دور الضحية أو الأضحية؟ أليس الأجدر بنا أن نبحث عن عناصر القوة التي نملكها فنفعلها، وهي كفيلة بنقلنا من موقع الطريدة التي ليس لها إلا الهزيمة إلى موقع من يحمي نفسه.

ولأن الشأن العربي واحد تقريباً فإننا سننظر إلى الأمة كوحدة متكاملة فيها الحاكم والمحكوم، وما بينهما وطن ضائع بكل ثرواته وإنسان مستنزف وحاكم أهم سماته الأنانية والفردانية فهو قوي حديدي إلى الداخل ضعيف مهزوم إلى الخارج، أما المحكوم فهو مأزوم ومهزوم معاً، ولا يملك من أمره شيئاً، ولا يحاول أن يملك من أمره شيئاً، ولا بفكر في المبادرة يعاني من ضغوطات وحصارات متعددة منها حصار الجوع والوضع المعيشي الضاغط والحصار السياسي والضغط النفسي والتآمر الدولي فهو يسمع الأخبار ولا يتقن إلى الحزن، ويتبع الأحبار فلا يحصد إلا الوهن، وإذا ما تيسر له أن يتولّى سلطة في بلده تعامل معها بأنانية أكبر وأوقع الحيف على من يسوسهم أو بمن حوله أكثر مما يعاني، وساهم في خلق أزمات لمجتمعه أشد من هذه التي يعيش، وما بين الحاكم والمحكوم أشد ألماً فلا نظام محترم، ولا قانون نافذ مطاع، ولا عرف قائم ولا دين متبع، بل طاعة مفروضة، وشرف مضيع، وحقد دفين،والكل في سوق النخاسة مباع، ثروات الأمة مبعثرة لا تتجمع إلا عندما تستقر في جيب العدو وخزائنه. أقول جيب العدو وخزائنه، وأنا لا أفرق بين أن تكون الأموال العربية في بنوك الولايات المتحدة الأمريكية باسم الحكام العرب أو باسم التجار اليهود، لأن الإنسان العربي لن يناله منها إلا ما ينال حامل الماء من البلل وينطبق عليه قول الشاعر:

كالعير في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول

كانت الأمة تنتظر أن يقف المفكرون والمثقفون والمبدعون في صف الحق لأنهم الأكثر حساسية للظلم، غير أننا شهدنا بيان المثقفين المزيفين كما قال السيد جميل خرطبيل، ومن قبلهم راقبنا سقوط قامات طويلة في عالم الثقافة والفكر في حبائل الحلول الاستسلامية حتى أنّ بعض المثقفين لم يخجل أن يشكل غطاء ومظلة للخونة بحجة التعامل مع الواقع وما هذه الواقعية إلا تبرير للخذلان الذي يمارسوه إلى أن غدا في عرف أوسلو والأوسليين كل من يحمل لواء الإباء خشبي بخطابه وخارج إطار الزمن، وهنا تكمن المأساة الحقيقية في نقل خطاب السياسيين المعتلين العرب إلى عالم الثقافة والفكر وتشكيل طبقة من الخبث الفكري تحاول أن تطغى على المبدئية والعزة بالوصول إلى كسب رضى أسيادهم ونيل الجوائز والترجمة إلى العالمية، ويرجمون الكتاب الذين يحترمون نفسهم وأفضل رد نراه على هؤلاء المنهزمين ما قاله الشاعر:

قل لمن بصروف الدهر عيّرنا هل عاند الدهر إلا من له خطر

أو ما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتســتقر بأقصى قعره الدرر

وفي السـماء نجوم غير ذي عدد وليس يكسف إلا الشمس والقمر

هذه الأبيات تفيد الفرد، وتسقط على المجموع. فلو أننا حاولنا أن نسقط مدلولها على حالة المواطن الشريف لكان مطابقاً، أو أردنا أن نسقطه على مواقف الأقطار وبعض الحركات المقاومة لكان مطابقاً. فقوى الممانعة في الأمة والوطنيون الشرفاء والمقاومون الأوفياء الذين توزّعوا على جغرافيا الوطن الكبير تمارس عليهم الضغوط، وتقع عليها الحصارات، والعرب المتفرقين نسوا أن الزمن هو التاريخ، والتاريخ لن يرحم أحد، والعاقل من يدوّن تاريخه بيده لا من يسلم قياده للآخرين حتى لو كانوا أصدقاء فكيف إذا كانوا أعداء.

لقد عمي بعضهم أو تعاموا عن الحق وجانبوا مصالح الشعب، وفرّطوا في أمانة الأمة، وكان على هؤلاء أن ينافسوا على الموقف، أن ينافسوا على حماية الشرف لا يتشفون بحصارنا. إن ما يراه الآخرون حصاراً للقوى الممانعة في الأمة نراه مسيرة مظفرة اتّضحت فيها الدروب وتوضّحت المسالك، وتميّزت المعالم النافرة، ونرجو أن تعي النخب دورها، وتسمو بفكرها وقيمها، ونأمل أن تستطيع تحديد ما تريد، وأن تدرك ما هو ضروري على المستوى ( الداخلي والعربي ). ومما يدعوا إلى الاطمئنان فضلاً عن تشكيل حالة من التحابب التي تدعو إلى التفاخر بالإنسان الذي أدرك ذاته ودوره وغايته، وتبيّن هذا جلياً في المواقف المتخذة على صعيد الحكم، وبعض المعارضة الوطنية بعد أن تعرض العربي البائس اليائس لأكبر ضربة في تاريخه الحديث بعد احتلال فلسطين، وأعني احتلال العراق، وقليل من العرب من وعى دوره فترجم مهمته إلى فعل وطني وتوّجه إلى اعتماده منهجية واضحة، وخطط مدروسة وعلمية وموضوعية، وفق أرضية ثابتة تدعم الاستقلال الوطني، ويوطد دعائم الجبهات الداخلية من خلال الولوج إلى تجارب ديمقراطية مدروسة على كل الصعد، وفي كل مفاصل الحياة.

والأمة العربية اليوم فضلاً عما تمتلك من عوامل قوة تحتاج إلى إرادة غير مستكينة تقف في وجه الطغيان الأمريكي الذي آلى على نفسه إلا أن ينفذ المخططات الصهيونية، وحتى تستحق الثناء منها أمعن في طغيانه، وحدّد للأمة دوراً على المقصلة، غير أنّ على الغيورين في الأمة أن يكونوا الأكثر شعوراً بألم الجراح النازفة لأنهم يمثّلون النهايات العصبية التي لا يمكن أن تهون، أو تستسلم للموات الذي يجتاح أعضاء الجسد العربي من موريتانيا إلى دول الخليج مروراً بمصر كامب ديفيد، وأردن وادي عربة، وفلسطين أوسلو. فضلاً عن الجرح الحديث النازف في عراقنا المقاوم. فما جرى في لبنان من جرائم كان سيجري كانت سورية في لبنان أم لم تكن، وما جرى في العراق كان سيجري أيضاً كان النظام العراقي أم لم يكن. وامتلك أسلحة الدمار الشامل أم لم يمتلك، ودخل الكويت أم لم يدخلها لأن المخطط الصهيوني الذي يسير في ركابه وعلى إيقاعه العالم، وكثير من العرب هو الذي يتحكم بالمصائر اليوم.

وبما أن الاحتلال لا تكتمل غاياته حتى يتحجّر عقل المحتل فيصبح تابعاً ومقلداً وإمعة فقد حاولت القوى المعادية، وتحاول إحلال ثقافة بديلة تحتل العقول. فحتى لو احتل العسكر الأرض واحتلت الشركات الاقتصاد ووسائل الإنتاج فلا يمكن أن يحقق الاحتلال أهدافه إلا بتغيير منهج القوم وثقافتهم. لذلك اهتم العدو بمحاولات تغيير الثقافة أو خلق ثقافات مقزمة بديلة عن الثقافة العربية الشاملة. أو كسب مثقفين وإغراءاتهم بالمغريات المادية والمعنوية. وإن سكوتنا جميعاً عن أمثال هؤلاء مهما علا شأنهم في عالم الإبداع يعني مشاركتهم بالجريمة لأننا نهيئ لهم الاستمرارية في غيهم.

وإذا ما علمنا أنّ الحرب من ألفها إلى يائها يهودية المرجعية صهيونية المنهج استعمارية التوجه، علمنا مدى الجريمة التي يرتكبها هؤلاء المثقفين بحق الأمة والتاريخ، وعلمنا أيضاً لماذا صغرت الغايات فأصبحت غاية واحدة أساسها وأسها المال والشهوة. والأمر واضح تماماً إذ الصراع القائم بين منهج أخلاقي، وبين نهج عنصري تحوّل إلى مشروع أناني إحلالي مبطّن بالرغبة والشهوة وبأسلوب مكيا فللي استطاع اليهود الدخول إلى القوى الكبرى منذ أن أوجدوا علاقة متميزة مع كورش الفارسي، إذ قام الأخير باحتلال (بغداد) للمرة الأولى، وأعني (بابل)، وبابل وبغداد رمز لكرامة الأمة. فقد كانت بابل تمثل الدولة العربية الأكثر حصانة وتحصناً في حينها. ثم الاحتلال الثاني لبغداد الذي جاء على يد هولاكو فأهلك الزرع والضرع، وأعدم موارد الأمة الثقافية بتجفيفه منابع المعرفة، وإلقاء مكتباتها في نهر دجلة، وقد كان لتحالف اليهود مع أوربة وبقايا الصليبيين، وتقرّب الجميع من هولاكو بتزويجه إحدى الأميرات الأوربيات أكبر الأثر في انتصاره بعد عنصر الفساد والضعف والتشرذم الذي نخر جسد الدولة العربية الإسلامية قبل أن يجتاح هولاكو أرض العروبة، ثم جاءت بريطانيا فورثت المهمة من هولاكو في دعم اليهود واجتياح أرض العرب بالاتفاق الكامل مع فرنسا الحرة، وأمريكا اليوم التي تدعي الديمقراطية وتدعي الدفاع عن حقوق الإنسان قامت بتحالفها مع اليهود بتنفيذ حكم الاعدام بشعب العراق وتراثه وحضارته بحجج واهية تنفيذاً للمخطط اليهودي الصهيوني. بعد أن اغتصبوا فلسطين ونكبوا الأمة وشردوا أبناءها، وهنا أتكلم عن مخططات حيكت ضد الأمة العربية، وبدأت بتنفيذها القوى العظمى بوسائل يهودية إجرامية إذ الغاية تبرر الوسيلة، لقد أعلنت اليهودية في حربها غير المعلنة على العالم المسيحي الغربي من بوابة الثقافة الدينية ودخلت إلى جسدها فنخرته من الداخل.

وبعد أن حاربت اليهوديةُ المسيحيةَ من داخلها وحولت مسارها وجعلتها داعمة ومساندة ومنفذة للمخططات الصهيونية بعد أن كانت أوربا المسيحية لزمن طويل العدو الأول لليهودية العنصرية، وورثت أمريكا مهمة الدفاع عن الصهيونية، أو استخدام الصهيونية في تنفيذ مصالحها فوقفت بكل ما أوتيت من قوة تحمل راية المشروع الصهيوني وتحميه بواسطة الصهاينة الجدد، وتنفذ ما تراه على الصعيد العالمي فالصهيونية اليوم تحتل فلسطين أرضاً، وتحاول أن تذل أهلها والعرب عموماً، وتحتل واشنطن منهجاً وتوجهاً، وتمتلك آليات صنع القرار فتضخّم شبح المشروع العربي المواجه، وتزين طريق الحرب الاستباقية على الإسلام فتنطلق أمريكا وراءها لخوض حروبها الأخيرة تحت وطأة تنظير يهودي صهيوني التقى مع رغبة أصحاب رؤوس الأموال الذين يريدون السيطرة على العالم وعلى خيراته. وسواء كانت اسرائيل تحتل فلسطين وواشنطن، أو أن واشنطن تستخدم الصهيونية في الهيمنة على العالم. فقد أسست أمريكا وتؤسس في حروبها الأخيرة بعرف كل الساسة في العالم لفكرة حرب شاملة استباقية شنتها على حضارات وأمم الأرض دون أن تحسب حساباً لأحد، ودون أن تقيم أي وزن للرأي العام العالمي، وإذا كان التاريخ هو علم أحداث الزمن المدّون على الجغرافيا فإن البشرية في أجيالها المتعاقبة ستخجل من فعلة جيل حضارة القرن الواحد والعشرين عندما ستدرس الأحداث السياسية العالمية التي بنيت على مخطط أمريكي صهيوني. قلت السياسة العالمية لأننا لسنا الوحيدين المستهدفين في العالم. فالبعد الإنساني للأزمة التي خلقتها عولمتهم لا تخص الحضارة العربية وحدها، غير أنّ قدر الحضارة العربية بما تمثله من تكامل في المشروع الحضاري تقف اليوم في وجه التحديات مدافعة عن أمم الأرض، وعن كل ما هو إنساني فيها، وهذا الأمر يحمل أمتنا مسؤولية أن نكون بمستوى التحديات، وأن نفرّق بين الحق والباطل، فالهجمة على الأمة واحدة والمعركة واحدة، ولكنهم فتحوها على جبهات تباعاً ولكل جبهة جعلوا لها سيناريو خاص بها.

الآن وبعد أن استعرضنا وضعاً عالمياً جعل من العالم غابة يحاول أن يأكل القوي فيها الضعيف، ورأينا وضعاً عربياً هزيلاً مستكيناً يرى الأخ دم أخيه فيمر فوقه دون أن يحرك الدم شيئاً من إحساسه. لا بد لنا من الإشارة ولو بالبنان إلى ما يمارس على الشعب من محاولات لخلط الأوراق والمعايير حتى يتساوى الحق والباطل ولا يفرق بين المجرم والضحية، وعدم التفريق بين العدو والصديق وبين المقاوم والجبان. فهل يمكن أن يكون الحفاظ على الثوابت والمقدسات، وكرامة الأمة وهويتها ومعتقدها ومشروعها ووحدتها ومستقبلها وجهة نظر؟. وهل يمكن أن نسمي الخيانة مرونة وواقعية، أم أنه يتوجب علينا تسمية الأشياء بمسمياتها فواحد وطني شريف وآخر خائن تابع وضيع، وذلك لأن الخيانة لا تتجزأ ولا تذهب بالتقادم، كما أن الفضيلة لا تتجزأ. وعليه فإننا لم نجد فرقاً بين أبي رغال، والعلقمي، وانطوان لحد، وأحمد الجلبي، والجعفري، ومجلس الحكم العراقي، وجنبلاط ومروان حمادة وسمير جعجع، كما لا يمكننا أن نفرّق بين أبرهة وغورو وبوش ورابين وشارون وبريمر، وفي الطرف الآخر أيضاً لا يمكننا أن نفرّق بين جيوش الفتح وبين من يحمل لواء المقاومة اليوم في لبنان والعراق وفلسطين. فالعدو واحد والخيانة طريقها واحد، والمقاومة معينها واحد أيضاً. فالأمريكيون أرادوا العراق بلا هوية ولا انتماء، ويريدون سورية بلا عروبة ولا كرامة، ويريدون الأمة كلها بلا مقدسات، ومع ذلك نجد بعضاً من أفراد الأمة يسيرون وراء أعدائهم، كما يسير الممسوس وراء مسه بعد أن عممت الفردية، وكثرت الدعوات للهوية القطرية، وصار للتشرذم مناصروه ومؤيدوه. فإذا لم يستطع حامل المشروع القومي توحيده وتعميمه وضم أبناء الأمة تحت لوائه. فهل يعني هذا عجز في المشروع وقصور في النظرية حتى نسلم بالتفرقة؟ أم أن القصور يكمن في حملة المشروع، وعدم قدرتهم على الإخلاص للوطن والأمة.

من هنانستطيع القول: علينا أن نعيد حساباتنا بحيث نبحث عن أهم قضيتين تقضيان على توجه أي حركة تطويرية، وهما قضيتيا الحق والواجب، وتعميم ثقافة الواجب التي تخلق قوة الدفاع عن الحق. فمن حق الوطن على أهله الدفاع عن حريته ليكون أساساً في حرية أبنائه، وهذا يفرض علي مناقشة الأمر باختصار لكن بروية وأناة، وقبل ذلك يتوجب علينا أن أرتب الأولويات والمقدسات، وأن نضع الأمور في نصابها الحقيقي لا أن نقايض الوطن بنزوع أناني للسلطة، أو غلبة الانتماء الطائفي أو المذهبي أو العائلي أو العشائري الضيق باختصار ( أن لا نخرّب مصراً كي نبني قصراً ). وأن نحافظ على هويتنا حتى لا نغدوا لقطاء، وأن لا نقبل عن مشروعنا مشروعا آخر. فالمقاومة الفلسطينية والعراقية هما اللتان فرضتا على المحتل في فلسطين والعراق طريقة التعامل والحكم، وهي التي حافظت على حياة بقاء القضية الفلسطينية حية في أذهان الناس وفي المحافل الدولية. وليس المستوزرين من حكام فلسطين وبغداد في ظل الاحتلال ولا ألئك الشعراء الأراذل إلا صورة عن حكومة المديرين التي أقامها الفرنسيون في بداية احتلالهم لسورية، وكل ما ينتج في ظل الاحتلال باطل لأنه مبني على باطل فلا دستور ولا انتخابات، ولا مجلس حكم. فكيف يكون هناك حكم والوطن معتقل في سجون الاحتلال سلبت منه كرامته وكرامة أبنائه وقطعت أجزاؤه بين مسلم ومسيحي وسني وشيعي وجنوبي وشمالي. والحقيقة والحق هو في العودة للمعيار الوطني العربي والإسلامي الذي ينتصر فيه مشروع رسالة الخير والتعاون والتسامح والعدالة والانتصار لهذا يحتاج الأمر إلى فرز حقيقي لأبناء الوطن فرز وطني قيمي غيري بحيث تشكل جبهة تفرز الإنسان المقاوم في العالم العربي والإسلامي مقابل الإنسان المستسلم المتخاذل الجبان.

فالقوى المقاومة تضم وحدة القوى الغيرية المتراصة، كما تعني أنها المسؤولة الأولى والمعنية الأََولَى بالبناء والدفاع تحت مظلة الوطن الواحدة، وتحت الراية المتفردة راية الهوية العربية والعقيدة الإسلامية، وأن نسعى لتعميم العمل المؤسساتي، ونشجيع الدراسة والبحث العلمي والقضاء على البطالة والحفاظ على حق الحياة، وتشجيع العمل التخصصي ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب حتى يختار الخطط الملاءمة، واستخدام سلاح الإعلام بشكل ناضج ومنفتح كماً وكيفاً. والعمل على أن يقود الفكر السياسة لا أن تقود السياسة الفكر.

خاتمة:

أخيراً لا بد لنا أن نعي أن المطلوب وجودنا كله، وقد أردنا التذكير بضرورة الوعي لهذا الأمر خشية التضليل المعلن في الفضائيات وعلى ألسنة الساسة والمثقفين المنهزمين، الذين يساهمون في تمزيق المنطقة، وإدخالها في صراعات طائفية أو إثنية يسهل على الذئب افتراسها، وهذا يوجب علينا أن نؤمن أن العمل أمانة والوطن أمانة، والوقت أمانة، والحرية أكثر الأمانات قلقاً وحاجة لجهودنا جميعاً. نقول ذلك والعالم يعيش هجمة امبريالية عالمية تحاول أن تبتلعه، ويشاء القدر أن تتصد ى الأمة العربية لهذه الهجمة، ولأن منطقتنا المنتج الأهم لموارد الطاقة في العالم وصاحبة المشروع الحضاري كانت نظرية صراع الحضارات التي أنتجت التدخل السافر في شؤوننا الداخلية بما يسمى الحرب على الإرهاب تارة، أو بإعلان تجفيف منابعه تارة أخرى، والتصريح بأن الإسلام وثقافته هي منابع الإرهاب في العالم، أو بتعميم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبالرغم من أن المفهوم العام للحضارة لا تنطبق عليه مقولة صراع الحضارات لأن الحضارة الإنسانية حضارة واحدة والعالم كله شريك في بنائها. فقد أعلنت الحرب على الحضارة فعلاً من قبل الهمجية الأمريكية يوم كتب هتنغتن مقالته الشهيرة ” صراع الحضارات ” ورتّب الحضارة العربية الإسلامية في الخندق المواجه. ولأن الشأن العربي شأن واحد والجسد جسد واحد والجرح عندما ينزف في المغرب يتألم له المشرق فإنه مما يزيدنا ألماً مواقف الأخوان المهرولين المرتمين في أحضان أمريكا. لكننا ونحن ندرك عمق المأساة لا يسعنا إلا العمل بالمثل العربي القديم ” يدُك منك ولو كانت شلاّء “. وإذا ما أعاقتنا هذه اليد يمكن أن نبترها كي لا يؤثر أداؤها على ما حولها.

محمد خالد عمر

عضو اتحاد الكتاب العرب

عضو المؤتمر القومي الإسلامي

رئيس اللجنة الوطنية لذاكرة الشمال السوري