الحل مطلوب للأزمة الوطنية وليس لأزمة فتح

ذهبت م.ت.ف مع مرحلتها

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1991)

كتب الشاعر المصري الراحل، قبل قرابة عامين، فؤاد قاعود[1] في أعماله الكاملة قصيدة قبيل هزيمة حزيران 1967 بأيام يحذر من الهزيمة، فاعتقلته المخابرات التي كما يبدو كانت تحيك خيوط الهزيمة، فراقبت شعر القاعود ولم تراقب حركة الطيران الصهيوني (المصنوع في المركز الراسمالي الغربي):

ترن ترن ترن

أنا الجرس فرس بدون حرس

أصول واقول وأرن

وأنذر القطيع من هول فظيع

أنا الجرس عنيد لكن مفيد

أحقق السديد وأحس بالخطر كما الوتر

وإذا كان فؤاد قاعود أحس بضرورة الجرس، فنحن بحاجة لكافة لأجراس بلا عدد.

انتهى قبل ايام مؤتمر حركة فتح، مؤتمر علني لحزب في سلطة هو نفسه جهازها والدليل على ذلك أنك لو ذهبت إلى المكاتب الرئيسية للسلطة إباَّن المؤتمر لوجدتها فارغة من كبار موظفيها.

رسالة الاحتلال

قبل المؤتمر بيوم واحد قام الاحتلال بطرد أسرتين فلسطينيتين من بيتيهما في القدس “الشريف” بزعم أن الأرض التي أٌقيما عليها ملكاً ليهود. (طبعاً يزعم الاحتلال أنه وريث كل اليهود، وتقول ناطوري كرتا، إنها هي نفسها دليل على أن هناك يهوداً ليسوا يهوداً، فما بالك بأنهم ليسوا قوماً). ولنفترض جدلاً أن هذه الأرض بيعت من عميل أو غبيًّ فلسطيني ذات يوم، ولنفترض بأن الاحتلال وريثاً للشُراة، ما الرد الذي كان يجب أن يُقال من المؤتمرين من فتح وغيرها على هذه الرسالة الرمزية؟

ألم يكن جديراً بأحد أن يقول: “أليس كامل الكيان على أرض 1948 غير شرعي وهي أرض مغتصبة”! وطالما لم يتحدث أحد هكذا، فهذا يشي بجوهر المؤتمر. فرسالة الاحتلال تقول: “كل شيء لنا، وأنتم هنا حتى نجهز ناقلات إلى الوطن البديل! فهل نحتاج بعد إلى الجرس!

المقاومة مفاوضات

عُقد المؤتمر في بيت لحم بعد مؤتمر مدريد (مدرسة التفاوض من أجل التطبيع، وكان أوسلو وليده السفاح) بقرابة عقدين، جيل كامل نضج في مناخ التفاوض العبثي والتطبيع العملي، واصبح جيل آخر وسطاً وقارب الجيل الأول على التقاعد. لذا، أن تعقد حركة وطنية مؤتمرها تحت الاحتلال، أصبح أمراً عادياً. ولست أدري بالنسبة للمواطن ما هو العادي : وجود الاحتلال، أم عقد المؤتمر، وحضور كافة التنظيمات السرية الفلسطينية الأخرى في المقاعد الأولى (باستثناء حماس والجهاد)، وحتى كثير من ممثلي حركات سياسية من العرب والعجم، بل من العجم نضالياً. وعليه، فمؤتمر بهذه العلنية لا يمكن أن يسمح به الاحتلال لو كان يعتقد أنه سوف يتمخض عن مقاومة حقيقية. وبكلمة أخرى، لو لم يكن الاحتلال على يقين ، أن هذا المؤتمر هو تجليس نهائي لأوسلو.

هذا يعني بأي قياس عقلي، أو منطقي، أن مجرد حضور المؤتمر هو التزام بالمفاوضات لا اكثر، ومن اعتقد أن بوسعه المقاومة عير هذه العلنية شبه الرسمية (شبه دولة) فهو مغامر.

السلطة ابتعلت المنظمة

كان ذلك منذ إقامة سلطة الحكم الذاتي، بغض النظر عن كافة المزاعم بوجود شيء ما اسمه م.ت.ف. زعم ممثلوا المنظمة لعقود أنها “أم الجميع” في حين كانت لمجموعة شرائح سياسية/اجتماعية من الطبقة الوسطى فما فوق ولكن على حوامل شعبية بقيت حواكل لا أكثر، وحينما اُختصرت في الحكم الذاتي وحصلت على إذن من دولة الاحتلال بالعمل كحزب سياسي داخل الأرض المحتلة، لم تزد على أنها: “حركة سياسية في كانتون سمحت لها الدولة المركزية في تل ابيب بالعمل في كانتوني الضفة والقطاع- اي أوسلو-ستان”. وإذا لم يكن هذا واضحاً فقد أوضحه المؤتمر. لقد اصبحت المنظمة قشرة للسلطة، والسلطة إطاراً طبقياً يشكل حالة بونابرتية عامودية اي تشتمل على قرابة مليون مستفيد وداعم، من الوزير وحى آذن المدرسة الذي يرى نفسه صاحب امتياز على نظير له لا يعمل. هذا الجهاز البيروقراطي الهائل هو من ثمرات تراث السياسة الاستعمارية الراسمالية الغربية التي دأبت على تخريب الشعوب المستعمّرة بخلق منافع لجزء منها، هو عادة الشرائح العليا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا (بمعنى التكنوقراط والشهادات) والتي للحفاظ على امتيازاتها التي هي وطنها، سوف تقمع كل من يعارض حتى لو استخدمت الأساليب الفاشية.

عنوان الابتلاع لم يكن في كون شخص واحد رئيساً لفتح والسلطة والمنظمة وحسب، بل في حصوله على كل هذه المناصب دون منافسة قط، ولأن برنامج الرجل هو المفاوضات، وإن كان قد ذكر ابو مازن الحق في كافة أنواع المقاومة، فقد ربطها بالتي تجيزها الشرعية الدولية، وهذه لغة دبلوماسية حكومية قابلة للنفس وليس الإيجاب، ناهيك عن أن الشرعية الدولية هي شرعية النظام الراسمالي المعولم كمعادي لكافة حركات التحرر الوطني.

تعاون القطريات

لست ممن يرمون العجز الفلسطيني على كاهل القطريات العربية، ولكن هذه الأخيرة ليست بريئة مما حصل. فمنها من هو مشارك بنشاط خطير ومنها من هو مأمور بذلك. كان وجوبا عقد المؤتمر تحت الاحتلال كي لا يحمل معنى للمقاومة المسلحة تحديداً. وليقع من هو مع هذه المقاومة في إرباك الحضور والمشاغبة، أو العزوف والانطفاء! لذا قيل أن العرب لم يستضيفوا المؤتمر، والله أعلم. ولعل الأمر الأهم هنا أن الأنظمة العربية القطرية الحالية معنية بتشكيل قطرية فلسطينية ترتبط بالغرب تماماً كما يرتبط اكثرهم، وبالتالي يسمح لهم ذلك بالاعتراف بالكيان ب “أريحية” ما بعدها من أريحية. وتكون النتيجة الجوهرية إسقاط حق العودة وليذهب اللاجئون بما يمثلونه من قضية وطنية إلى الجحيم المعولم.

وهنا “اتفاق الجنتلمان القطري” بمعنى: أن تستمر السلطة في الاعتماد على مساعدات المانحين الغريين، ولا تطالب العرب بالحلول محل الغربيين، لأن هذا سيضع اصبعا عربيا في القضية، حتى لو كان الأصبع مكسوراً. اي يجب أن يكون التحكم المالي أجنبي غربي راسمالي ليتبعه دوما الخضوع والتفاوض. والقطريات قابلة بهذا.

لذا، كان دور القطريات هو اصطياد لحظات الاعتراف الغرامي بالكيان، فعلها ولي عهد البحرين وكشفت قطر وعمان عن مفاتنها قبل ايام، وهذا بالطبع بتسهيلات ولأوامر من الساحر بالبلاغة الأفرو-أميركي في البيت الأبيض الذي يريد من العرب الرسميين مقاتلة المقاومة في المنطقة ليتفرغ لذبح ثورات أميركا اللاتينية، لذا عقد قبل ايام اتفاقاً مع “إسرائيل اللاتينية-كولومبيا- لإقامة سبع قواعد عسكرية هناك”.

في أعقاب هذا المؤتمر، بدأ موسم الحجيج الرسمي العربي إلى البيت الأبيض وليس إلى الحجر الأسود، إن غداً لناظره قريب.

ما العمل وليس ما البرنامج

لم يعد كافياً التفنن اللغوي في صياغة برنامج. وإذا كان بوسع عشاق (السيمانتك) دلالات الألفاظ وتطورها، نسب خلق الواقع إلى المعاني (من هبنَّقة حتى ناعوم تشومسكي) وليس خلق الواقع للكلام، فقد غدا المعيار هو مدى تطبيقك والتزامك ببرنامجك. وعليه، فإن نقد البرنامج كنصٍّ ليس كافياً، وإن كان جيداً.

وليس المقصود بما العمل حركة فتح، بغض النظر عن حجمها، المقصود في الساحة الفلسطينية كجزء من الأمة العربية، وتحديداً مشروع المقاومة العربي والذي ليست مادته الأنظمة ولا الطبقات البرجوازية بل الطبقات الشعبية. هو مشروع العمل القومي للطبقات الشعبية المتناقضة مع الأنظمة والاحتلال والإمبريالية معاً.

وبقدر ما كانت الساحة الفلسطينية والموقف منها وفيها معيار كل دور ومقياس أداء كل حركة أو طبقة من المحيط إلى الخليج، فإن التطورات الحالية لهذه الساحة تؤكد دور القضية الفلسطينية ولا تنفيه، ومن هنا واجب الفلسطينيين أن لا يجعلوا من أنفسهم ناقلات تطبيع ومساومات وتلاعبات. ليست هذه المقالة برنامج حزب ولا مخطط نيابة عن الآخرين، ولكنها مجرد وضع معالم للنقاش:

العمل السري: لا يمكن لنضال تحت احتلال لا يفتىء يؤكد بأنه استيطاني اقتلاعي عنصري و(علمي) أن يأخذ شكلا علنياً إلا في جوانبه المطلبية الإعلامية، مع الإشارة إلى خطورة الاقتصار عليها. وهذا المستوى من النضال يمكنه فضح الاحتلال بالتشكِّي وليس تحرير وطن، وهو ما أكدته تجربة الانتفاضة الأولى خاصة[2]. لذا، فإن آفة أوسلو الرئيسية هي في انكشاف كافة التنظيمات للاحتلال وكأنها حصلت على ترخيص منه للعمل.

إعادة بناء المجتمع: لقد حاق بالبنية المجتمعية الفلسطينية تشويها وخراباً في الوعي والعلاقات والهدف ايضاً، على الأقل منذ أوسلو، إن لم نقل منذ تراث م.ت.ف من جهة، والفساد بعد أوسلو من جهة ثانية. لقد غاب التكافل، وساد الفساد والمحسوبيات، واصبح العدو جاراً، بينما هو في داخل الدار المفترضة (منطقة أ من اوسلو)، وتفككت المقاطعة التي أنتجتها الانتفاضة الأولى، وسيطر التوظيف بناء على العضوية في التنظيم والوساطات، وتراجعت الرقعة الزراعية نظراً لغياب سياسة تنموية وللعزوف عن الأرض وليس بسبب المصادرة فقط، ولم يتطور الانتاج الصناعي، وهيمنة ثقافة الأنجزة وتلقي الأموال من الغرب الراسمالي…الخ. وعليه، فالمطلوب برنامج إعادة بناء المجتمع وخاصة في الضفة الغربية التي فيها احتلال ولا توجد مقاومة.

رفض الانتخابات: لم تحصل انتخابات وتسمى بأنها عالية الشفافية تحت الاحتلال إلا في الأرض المحتلة هنا! والحقيقة أن المقصود الأميركي والصهيوني من هذه الانتخابات هو إدخال كل فلسطيني في مطهر التسوية. والكل يدرك أن الانقسام إلى “حكومة مقالة” في غزة، وأخرى مُقيلة في رام الله هو نتاج الصراع على السلطة بين شرائح طبقية من البرجوازية الكمبرادورية والبيروقراطية في الضفة، والتجارية البازارية في غزة، بينما القاعدة المقتتلة هي من طبقة واحدة كذلك، الطبقات الشعبية. إن الخطوة الأولى لإعادة بناء المجتمع هي تفكيك سلطة أوسلو التفاوضية والمتمصلحة طبقياً، وحصر هذه السلطة أو بديلتها في إدارة الشؤون اليومية للناس. وهذا يشتمل على تحدٍ للخبث الرأسمالي الغربي الذي يهدد بقطع التمويل، وهي “رب ضارة نافعة” بمعنى أنها ستجبر القطريات العربية على مساعدة الفلسطينيين مما يقلل من قبضة العدو الغربي الراسمالي.

حركة أخرى: هذه الأسس المختصرة، لا تفترض أن منظمة التحرير التي شبعت موتاً هي القادرة على حملها ولا اياً من الحركات الفلسطينية هي التي ستضطلع بها لوحدها، ولا يمكن للقيادات الحالية أن تتحول إلى قيادة لهذا التوجه. وهذا يفترض تشكيلا/ات جديدة، متخلصة من إرث م.ت.ف وأوسلو. يفترض حركة وطنية أقرب إلى التحالف التاريخي الذي تتعايش وتتعاون فيه التيارات الاشتراكية والقومية والإسلامية. وهذا يفترض يساراً غير الصيغ التي تسد الطريق اليوم، وغير الصيغ المتجددة بنفس نهج اليسار الحالي، التي تجهز نفسها للحصول على مقعد لهذا أو ذاك في الانتخابات المقبلة.

□ وإذا كان مناخ التسوية قد أوجد لليمين موئلاً هو السلطة ووظائفها ومنافعها، ومناخ المقاومة قد أوجد للإسلام السياسي مؤئله ايضاً، إضافة إلى وجود منابر يومية في المساجد، فإن المطلوب لم يعد يساراًص بالمفهوم اللبرالي الذي درج في حقبة العولمة، بل تنظيم اشتراكي بوضوح، يجعل من الفكر الثوري موئله. وهو وحده الذي يتفهم لماذا أوصلنا اليمين إلى هنا، وساعده اليسار التابع له.

وهكذا، ليست المشكلة ولا الحل في مؤتمر حركة فتح، التي تلتقي لترمم وضعها، بل المشكلة وطنية عامة من جهة، وقومية كذلك بمعنى، أن كن سيحمل راية الكفاح الفلسطيني يجب أن يتجاوز الانحصار القاتل في القطرية الفلسطينية متطلعاً إلى الانخراط في خط المقاومة على صعيد الوطن العربي بمعزل عن الدولة القطرية. كم هي مهمة شاقة، ولكن، كي لا نوقع الموعودين بالتاريخ في مأزق تاريخي لا بد من وضع العلائم الصحيحة لإضاءة الطريق الصحيح.


[1] عرفتنا ببعضنا مشكورة الرفيقة عرب لطفي في القاهرة 2003.

[2] بينما تلهفت قيادة م.ت.ف على الحصول من هذه الانتفاضة على دولة واستثمارها سياسياً، كتبت أن الانتفاضة لن تنتج دولة، أنظر كتابي: “من احتجاز التطور إلى الحماية الشعبية” آذار 1988.