من الإبادة الجسدية إلى الإبادة الثقافية

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1991)

الكتاب: أميركا والإبادات الثقافية

المؤلف: منير العكش

الناشر: رياض الريس، تموز 2009

يُعد هذا الكتاب محطة على طريق بدأه المؤلف لتشريح ثقافة وتاريخ الواسب الزنابير (البيض، الأنغلوساكسون، البروتستانت)، ولشرح فكرة أمريكا التي تعني استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة، وتاريخ بتاريخ، فأنجز في سبيل ذلك عدة كتب “تلمود العم سام”، و”حق التضحية بالآخر”، و” فكرة أمريكا “.

بعد المقدمة يُصّدر الكاتب الفصل الأول من كتابه “أمريكا والإبادات الثقافية” الصادر حديثاً عن دار رياض الريس باستشهاد لتوماس مكولاي مهندس سياسة التعليم الإنكليزية للشعوب المستعمرة، إذ يقول عن الهند:

“لا أظن أبداً أننا سنقهر هذا البلد “الهند” ما لم تُكسر عظام عموده الفقري التي هي لغته، وثقافته، وتراثه الروحي”.

يُعد توماس مكولاي واضع دستور الإبادة الثقافية الأنغلوساكسوني وهو النهج الذي اتبعه الأنغلوساكسون في كل البلدان والقارات التي استعمروها في سبيل خلق جيل من أولاد مكولاي وظيفتهم استعمار شعوبهم لصالح الأنغلوساكسون.

فالإبادة الثقافية تُكمل مهمة الإبادة الجسدية وأحياناً تغني عنها وقد تكون أكثر نجاعة، كما يقول مارك توين باستشهاد آخر للمؤلف. يقول:

“وقفت بجانب وزير الحرب وقلت له إن عليه أن يجمع كل الهنود في مكان مناسب ويذبحهم مرة وإلى الأبد. وقلت له إذا لم توافق على هذه الخطة فإن البديل الناجع هو الصابون و التعليم soap and education ، فالصابون والتعليم أنجع من المذبحة المباشرة، وأدوم وأعظم فتكاً. إن الهنود قد يتعافون بعد مجزرة أو شبه مجزرة، لكنك حين تعلم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه حتماً، عاجلاً أم آجلاً. التعليم والصابون سينسفان كيانه ويدمران قواعد وجوده. وقلت له: سيدي، اقصف كل هندي من هنود السهوب بالصابون، والتعليم، ودعه يموت”.

بعد كل الإبادات الجسدية بالأسلحة النارية وبالأسلحة البيولوجية عبر نشر جراثيم الجدري، وبعد التجويع والمطاردة جاء دور “المحرقة الأخيرة للوجود الهندي” عبر سياسة الإبادة الثقافية الممنهجة التي اتبعها الغزاة الزنابير ضد من تبقى من 400 أمة وشعب كانوا يشغلون فضاء أمريكا قبل مجيء المستوطنين الغزاة. فكان يتم انتزاع أطفال الهنود الحمر بالقوة من أمهاتهم وآبائهم وضمهم إلى مدارس داخلية أشبه بمعسكرات اعتقال وعمل، حيث تُزرع في ذاكرة الهندي لغة الغزاة وثقافتهم، ويعلموه كره واحتقار حضارته وعاداته وتقاليده. ويشرح المؤلف الذي قضى سنوات يراجع الوثائق الحكومية الأمريكية الخاصة بهذا الموضوع، أن الأمر يتم منذ لحظة إدخال الطفل إلى المدرسة فيتم قص شعره الطويل الذي يعد مفخرة عند الهنود، وله مكانة كبيرة في الثقافة الهندية فلا يتم قصه إلا كعقاب على جريمة كبيرة، كما تحرق ثيابه الهندية ويحشر الطفل في بنطلون ويجرد من اسمه الهندي ويطلقون عليه اسماً أنغلوساكسونياً، كما يحرمون عليه التحدث بلغته الأم. وأما الحياة داخل هذه السجون التي أطلقوا عليها اسم مدارس فهي أشبه بالجحيم إن لم تكن. فالراتب الغذائي لا يسد الرمق والأطفال يعملون أعمالاً شاقة كما في معسكرات الاعتقال فينظفون ويمسحون ويفلحون ويزرعون ويصل يوم عملهم إلى ستة عشر ساعة ليتناولوا بعدها أردأ أنواع الطعام، ثم يناموا بأسوأ الظروف، ويتعرضون للاغتصاب والانتهاك الجنسي بشكل منظم من قبل وحوش بشرية أسندوا إليها إدارة هذه السجون، والنتيجة النهائية لكل ذلك أن أكثر من خمسين بالمائة من الأطفال في هذه المدارس قد ماتوا. “وبكلمة أخرى قضت هذه المدارس على ربع الهنود الناجين من المذابح المباشرة على مدى خمسة أجيال متعاقبة”. ومن بقي على قيد الحياة إما مدمر نفسياً يحاول الانتحار أو يرى الدنيا بعيني الزنابير، لقد دمروا حضارة الهنود وتاريخهم تدميراً تاماً إلى حد أن أبناء الهنود الحمر اليوم يصدقون أن أجدادهم كانوا متوحشين يأكلون لحوم البشر قبل أن يدخلهم الزنابير البيض في الحضارة!

أُوكلت إدارة هذه المدارس إلى حثالة المجتمع الأمريكي الأبيض من متخرجي السجون وأصحاب السوابق والساديين ومغتصبي الأطفال لذلك لم تخلُ مدرسة من الاغتصاب الجنسي. فتقرير المجلس الأعلى لهنود كاريبو (1991) يذكر استناداً إلى شهادة 187 تلميذاً أن 89 منهم تعرض للاغتصاب. ورفض 60 تلميذا الإجابة. بينما قال 38 تلميذاً أنهم لم يتعرضوا. أما تقرير وزارة الصحة لعام 1993 فيقول إن نسبة اغتصاب الأطفال في هذه المدارس بين عامي 1950 – 1980 تبلغ 100%.

واستباحة الجسد هذه التي رأينا تكراراً لها في العراق في فضائح سجن أبو غريب وغيره ليست عملاً عشوائياً، ولا نزوة من سجان سادي أو مختل كما يحاول إعلام الزنابير تصوير الأمر بل تدخل ضمن سياق عملية منظمة لكسر الضحايا وإفقادهم الأمل في المقاومة، فلا يبقى أمام الشخص المُنتهك إلا أن ينتحر أو أن يستسلم لشهوات الرجل الأبيض التي يلخصها لانسلوت أندروس بقوله:

“الأرض قطعة من اللحم موضوع على المائدة. يقطع منه الإنسان ما يشتهي. وما أن يضع القطعة في صحنه حتى تصبح له. كذلك إذا اقتطعنا بلداً لا يوجد فيه سكان (بيض)… فإنه يصبح لنا”.

الاستعمار الداخلي

يطلق الكاتب على الفصل السابع من كتابه اسم أولاد مكولاي. ومكولاي هو مخطط سياسة كسر العمود الفقري للهند بواسطة التعليم “علينا أن نربي طبقة تترجم ما نريد للملايين الذين نحكمهم، طبقة من أشخاص هنود الدم والبشرة، لكنهم انكليزيو الأفكار، والتوجه، والأخلاق، والعقل”.

إن خلق جيل من السماسرة عبر التعليم يرى العالم بعيون البيض “وجوه بيضاء أقنعة سوداء” كما يعبر فرانز فانون يُغني الغزاة عن الجيوش والأساطيل. وسياسة الاستعمار الداخلي هذه طبقها الأنغلوساكسون أينما حلوا، ونجد آثارها اليوم في كل مكان من العالم وصلته موجة “التحضير” الأنغلوساكسوني عبر خلق جيل نغل من المثقفين يرون العالم بعيون أنغلوساكسونية، فيشنعون على أهلهم ودينهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وطريقة حياتهم، ويحتقرون تاريخ أمتهم، ويرون أن لا خلاص لأمتهم إلا بتحولها إلى خادمة في مطابخ سادتها، وأن تستلم للمصير الذي قرره هؤلاء السادة، فإن فكرت بالتمرد والمقاومة نعتوها بأشد النعوت تحقيراً وكانوا أقسى عليها من أعدائها فحملوها مسؤولية ما يجري لها، وإن أتيح لأحدهم أن يمسك بندقية فلن يتردد بالتصويب على أمه وأهله. يقول مكولاي:

“.. صياغة العقل الهندي تحتاج أولاً إلى جهود حثيثة لإعادة كتابة التاريخ والثقافة الهندية المكتوبة بالعربية أو بالسنسكريتية، على أن يتم ذلك بأقلام هنود انكليزيي الثقافة والذوق والأفكار والتوجه والأخلاق والعقل”.

وهذه السياسة استنسخها الأنغلوساكسون في كل مكان ومن ذلك وطننا العربي. وعندما يصبح عدد نغول مكولاي كافياً تنتفي الحاجة للجيوش والأساطيل، لأن هؤلاء المشحونين بكراهية أهليهم، وثقافتهم، وتاريخهم يتكفلون بالمهمة”. فلا الاحتلال يسمى باحتلال ولا المقاومة تسمى بمقاومة، وتبرعوا بأقسى حملات التشنيع على ثقافتهم وأهليهم، فبفضل هؤلاء السماسرة صارت حضارة الهنود موضع شك وسفسطة، و صارت مساهماتها في الفلسفة والعلم والأدب والفن موضع جدل والتباس. وبفضلهم سُلب الهنود كثيراً من إنسانيتهم، وسُلقت مقاومتهم للاحتلال بأشنع الأوصاف. وصار الغزاة منقذين ومخلصين ولم يجيئوا إلى الهند إلا لانتشال أهلها من مستنقع الجهل والتحجر وتمدينهم”.

من كنعان المجاز إلى كنعان الحقيقة

إن أهمية هذا الكتاب ليس لأنه يرصد مأساة إنسانية تعرض لها الهنود الحمر ومتمثلة بإبادة ثقافتهم وحضارتهم بعد إبادة أجسادهم، بل لأنه يكتسب أهمية راهنة، فعندما خرج الانكليز من جزيرتهم إلى أراضي الهنود الحمر توهموا أنهم عبرانيون وأن الهنود الحمر كنعانيون فأنشأوا إسرائيل الكبيرة التي هي أمريكا، ومع بداية القرن العشرين حان الوقت للانتقال من المجاز إلى الحقيقة، وبدل إبادة الكنعانيين المتوهمين حان وقت إبادة الحقيقيين، فأقاموا إسرائيل الحقيقية الصغرى في فلسطين، وما زالت القصة تتوالى فصولاً حتى اليوم. فالطرد والإبادة الجسدية والثقافية هو المصير المقرر لنا على يد العبرانيين المتوهمين والحقيقيين.

كتاب على كل عربي مقاوم، أم متردد، أو حتى مساوم أن يتمعن في معانيه لأن مصير الجميع مقرر سلفاً على يد العبرانيين، فحتى الذين خانوا قومهم من كنعانيي المجاز، الهنود الحمر، لم يكن مصيرهم أفضل من الذين قاوموا فالجميع طُردوا وأبيدوا جسدياً وثقافياً.