أبله من يصدق تقييمات الغربيين

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1994)

عندما ظهر العثمانيون على مسرح التاريخ نظر إليهم الأوربيون كرمز للفروسية والرجولة، فمدحوا التسامح الديني الكبير في الدولة العثمانية مقارنة بأوربا في ذلك الوقت، وفي تلك الفترة أصبحت الأزياء التركية موضة غالبة في الغرب، وعند نهاية القرن السادس عشر تغيرت المصالح السياسية، واستراتيجيات الغرب وهذا التبدل مرتبط بالتطورات العثمانية إذ تراجعت قوة الدولة وبدأت تنهزم عسكرياً فتغيرت صورتها إذ صارت نموذجاً أصلياً لما يسميه الغربيون “الاستبداد الشرقي”، وما كان يعتبر خصالاً ايجابية صارت سلبية، فأصبح الأتراك بنظر الغربيين أجلافاً جهلة مدعين للشرف والأخلاق (تاريخ الاستشرق – لوكمان).

وقبل أبحاث فرويد ونظرياته عن الجنس ودوره في النشاط البشري، و دور الكبت في إحداث المرض النفسي كان الغربيون يصفون الشعوب التي يستعمرونها أو يرغبون بأنها شعوب متخلفة لأنها شهوانية منحلة جنسياً تمارس الجنس بدون ضوابط، فهم يصفون الهنود الحمر بأنهم “لا يبدون اهتماماً بتغطية عريهم، وهم سعداء بممارسة الجنس قبل الزواج ولا يخجلون من ممارسة اللواط” (أمريكا والإبادات الثقافية – منير العكش). أما بعد فرويد والثورة الجنسية التي اجتاحت الغرب فقد تحول السلبي إلى إيجابي وبالعكس، فصاروا يشنعون على الشعوب الشرقية “تزمتها” الأخلاقي والقيود التي تفرضها على ممارسة الجنس خارج مؤسسة الزواج ، كما عزوا تخلف تلك الشعوب إلى الكبت الجنسي الذي يقيد أفرادها، وبعد ذلك صار عري الجسد فضيلة أخلاقية بعد أن كان في عرف الغرب دليلاً على التوحش، ورأينا قبل أسابيع كيف اعتبر ساركوزي تغطية المرأة لجسدها علامة لاضطهادها واحتقارها!

وعندما وصل الغزاة الغربيون إلى شاطئ قارة أمريكا بادلوا الزجاج الملون الرخيص الذي بهر الهنود الحمر بالذهب، فكتب الغربيون آلاف الصفحات عن بلاهة الهنود الحمر واعتبروا قبولهم هذا التبادل دليلاً على تخلف الهنود الحمر وعدم تحضرهم، وإلا كيف يبادلون معدناً نفيساً كالذهب بزجاج تافه لا قيمة له. أما عندما احتقر الآسيويون بضائع الأوربيين واعتبروها تافهة لا قيمة لها مقارنة بما تنتجه صناعتهم المتطورة، فرفضوا مقايضة بضائعهم النفيسة ببضائع تافهة لا قيمة لها، اعتبرهم الغربيون طماعين جشعين يعشقون الذهب!

ونصل الآن إلى حكاية دبي التي صورتها صحافة الغرب على مدى عقد ونيف كأعجوبة الدنيا الثامنة، فحج الغربيون إليها والتقطوا الصور بجانب أبراجها وفي أسواقها ، وألف بعضهم كتباً عنها، وآخرون نظموا شعراً لها. لكن ما إن اندلعت الأزمة الاقتصادية العالمية وظهر حجم الدين الهائل الذي ترزح تحته هذه الإمارة حتى أدار لها الغرب ظهر المجن، فبدأت الصحافة البريطانية تنشر مقالات عن ظروف العمالة السيئة فيها، وعن الفساد الذي ينخرها وعن الرشوة سوء الإدارة!

أبله من يصدق تقييمات الغربيين وأحكامهم وأكثر بلاهة ذاك الذي يحاول أن يوائم نفسه مع معاييرهم التي سرعان ما تتغير حسب مصالحهم فيتحول السلبي إلى ايجابي وبالعكس.