لا وجود لقضية المرأة ان كانت منفصلة عن قضية التحرر الاجتماعي للمجموع

أسعد العزوني في حوار مع هشام البستاني

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 1996)

عمان – أسعد العزوني

حوار مع هشام البستاني:

■ الأزمات المالية يسببها الاغنياء ويدفع ثمنها الفقراء

■ لا توجد قضية امرأة منفصلة عن قضية التحرر الاجتماعي للمجموع

■ المجتمع المدني آلية لمحاربة العمل الشعبي


اكد الكاتب اليساري الأردني المناهض للعولمة الدكتور هشام البستاني أن الحرية التي تطالب بها الدول الكبرى للتجارة هي في اتجاه واحد فقط من الشمال الى الجنوب. وقال في حديث “الكفاح العربي” إن الأزمات المالية يسببها الاغنياء ويدفع ثمنها الفقراء، مضيفاً ان الحكومة الاميركية دفعت 1 تريليون دولار من الأموال العامة لإنقاذ الشركات الخاصة.

ما هو تعريف العولمة، وهل ما زالت هي نفسها بعد انهيار الاسواق المالية، وكيف لها أن تكون وسيلة استعمار وهيمنة؟


العولمة كمصطلح شاع وانتشر بشكل كبير، يساء فهمه وتفسيره حتى من قبل المثقفين. للعولمة معنى اصطلاحي محدد هو رفع كل الضوابط والقيود والمعوقات أمام حركة رأس المال، ورفع كل اشكال الحماية والدعم عن الصناعات المحلية والسلع الاساسية، وغالباً ما تتم هذه الحركة الرأسمالية من دول الشمال الغنية بشركاتها القوية ذات الميزانيات بالغة الضخامة، نحو دول الجنوب الضعيفة اقتصاديا وسياسيا والتي ينغل فيها الفساد ولا تتوافر فيها النظم القانونية المتطورة (وحتى ان توافرت فهي ليست ذات معنى فدول الجنوب في العموم ليست دول قانون). العولمة اذاً هي آلية وليست كياناً، آلية لكيان هو رأس المال والنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي أخذ شكلاً متوحشاً اثر انهيار الاتحاد السوفياتي ونموذجه الاشتراكي تاركاً الساحة لقوة عالمية عظمى واحدة هي الولايات المتحدة بإيديولوجيا رأسمالية بالغة العدوانية، تتحرك في العالم تحت عناوين مختلفة كاذبة.

الشعار الرئيس لاقتصاد السوق هو “الحرية”، حرية التجارة وحرية حركة رأس المال وحرية تدفق البضائع، وهي كلها كذبات كبرى هدفها نقيض الحرية حتى بالمعنى الاقتصادي، فهي تهدف الى الاحتكار – كيف؟ في حين تطلب دول الشمال من دول الجنوب رفع الدعم والحماية عن الزراعة (وهو خلاف رئيسي بينهما في منظمة التجارة العالمية)، تدعم دول الشمال الزراعة فيها بكثافة (مثلاً تصرف الحكومات الاوروبية على كل بقرة لدى مزارعيها ما معدله 2 يورو يومياً)، وفي حين تطالب دول الشمال برفع الحواجز الجمركية والحمائية عن صناعات دول الجنوب، تقوم هي بحماية صناعاتها بتدخل واضح من الدولة، والامثلة كثيرة: حماية الولايات المتحدة لصناعة الصلب لديها مما ادى الى خلافات مع الاتحاد الاوروبي، “تأميم” الحكومة الفرنسية لشركة “سويز” للطاقة بعد ان تدخلت لدمجها في شركة “جاز دو فرانس” منعاً لاستحواذ شركة “انيل” الايطالية عليها، عرقلة الحكومة الاسبانية لعملية شراء شركة مدريد للطاقة من قبل مجموعة “إي أو ان” الالمانية، تدخل حكومة الولايات المتحدة لمنع شركة اماراتية من شراء حقوق ادارة بعض موانئها.


ان “الحرية” المطلوبة هي في اتجاه واحد فقط، من الشمال الى الجنوب، للاستحواذ على مزيد من الاسواق ومزيد من الموارد ومزيد من العمالة الرخيصة، أي تحويل العالم الثالث الى مجرد اسواق لتصريف البضاعة ومنابع للعمالة الرخيصة غير المحمية (نموذج العبيد المستهلكين). وحتى لو كان باب الشمال مفتوحاً، فكم دولة عالمثالثية تستطيع منافسة شركات عملاقة مثل نستلة او كوكا كولا او بروكتر اند غامبل؟ لنأخذ أمثلة: كم شركة اردنية مثلا استحوذت على قطاعات استراتيجية في فرنسا في مقابل استحواذ رأس المال الفرنسي على شركة الاتصالات الاردنية (فرانس تيليكوم) ومصنع الاسمنت (لافارج) وكلاهما قطاعان استراتيجيان يدخلان في حيز الأمن الوطني؟


ألا يخلق انتقال رأس مال الشمال الى دول الجنوب فرصاً للعمل مما يدفع اقتصادات تلك الدول الى الأمام؟


على العكس. ان حركة رأس المال من المراكز الى الاطراف تحقق نقلاً لأزمة الاستغلال الناشئة بينه وبين العمال، فيتم نقل الأزمة من دول منشأ رأس المال الى دول الاطراف، كما يستعمل رأس المال هذه الحركة لابتزاز عمال المراكز. كيف؟ سنأخذ مثال المناطق الصناعية المؤهلة في الاردن حيث تعمل مصانع الالبسة هناك لرفد السوق الاميركية بالمنتجات. المتعاقد الرئيسي هو رأس المال الاميركي (شركات عملاقة مثل رالف لورين، بوس، فيكتورياز سيكريت، جاب..الخ)، ومن خلال متعاقدين فرعيين في بلد طرفي هو الاردن يصنع ألبسته هنا بأجور بالغة في الاستغلال وظروف عمل بالغة في الانحطاط. ان الاحتجاجات والاضرابات العمالية التي نسمع عنها يوميا من قبل العمال المستغَلين في المناطق الصناعية المؤهلة (واغلبهم من بنغلادش والصين والهند شحنوا للعمل في الاردن لتحقيق استغلال مزدوج) تحدث في الاردن لا في الولايات المتحدة، ويضطر الاردن لتحمل تكاليف التعامل معها وامتصاص آثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما ان الرواتب الاستغلالية البالغة الانخفاض لهؤلاء العمال تشكل مصدر ابتزاز لعمال اوروبا واميركا: يقول الرأسمالي للعامل هناك “اذا لم تخفض اجورك وتزيد ساعات عملك وتتخلى عن حقوقك النقابية (وكلها دفع العامل الاوروبي والاميركي ثمنها دما وتاريخا طويلا من النضال)، فسآخذ المصنع وأذهب الى الصين”.
هنا يحقق رأس المال انتصارا مزدوجا: يستغل عمال المراكز والاطراف بابتزازهم للرضوخ لشروطه، ويضعهم في مواجهة بعظهم بعضاً (يظن العامل الاميركي ان عدوه المباشر هو العامل الصيني) بدل ان يتحد الاثنان لمواجهة مصدر الاستغلال والابتزاز.


هذه هي الاكاذيب التي تروج لها الرأسمالية، بمفاهيم مزيفة (منها “العولمة”) ليضيع المسبب الرئيسي وتصبح مناهضتها ضرباً من العبث، فمقارعة الآليات (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالمية…) مسألة عبثية لأن المطلوب مواجهة من يحرك ويتحكم بهذه الآليات.


ماذا عن وحدة العالم وتحوله الى قرية صغيرة، أليس هذا انجازاً هاماً للرأسمالية والعولمة؟


هذه أكذوبة أخرى متعلقة بالعولمة، وهي قضية “وحدة العالم” وتحوله الى “قرية صغيرة” من خلال تطور الميديا ووسائل الاتصالات. ان الرأسمالية تريد أن توحد جزءاً من العالم فقط وهو السوق لتحقق هيمنتها عليه، أما المجتمعات ففي وحدتها خطر كبير، وعليه فهي تسعى الى تفتيت المجتمعات تماما. فلننظر الى ما يحصل في العراق ولبنان واراضي السلطة الفلسطينية (تفتيت الدولة القطرية – وهو ناتج لتفتيت أسبق هو التفتيت الكولونيالي – الى طوائف واثنيات وبانتوستانات فصائلية) كمثال، أو فلندقق في محتوى القصف الدعائي الاستهلاكي المركز من خلال الفضائيات والاذاعات والصحف واعلانات الشوارع: الإعلاء من الذاتية والفردانية والبحث عن الخلاص الفردي الاناني. “أنا” وما هو “لي” أو “يخصّني”… “الأنا” القاتلة هذه: تفتيت المجتمعات الى مجرد افراد انانيين متنافسين، هو الهدف الأسمى لرأس المال، لأن ذلك سيؤبد تبعية الافراد الى ما لا نهاية ويسهل قولبتهم ونمذجتهم وتعليبهم وبيعهم.


بمناسبة الحديث عن التفتيت، ما هو برأيك الخطر المترتب على تفتيت قضايا المجتمع، وبالذات قضية المرأة؟ والى أي مدى يعيق هذا التفتيت عملية النمو والتطور الاجتماعي؟


اعتقد أن التشديد على مفاهيم “الجماعية” و”الشمولية” والتحرر الاجتماعي الكلي أصبح خارج العصر بالمعنى الليبرالي، ولكني أشدد عليه وعلى ضرورته المفصلية في هذه اللحظات من تاريخ البشرية.


في المستوى البدائي تعلمت الجماعات البشرية ان وجودها الجماعي هو ضمان بقائها، وتعلم الاستعمار مبدأه الأهم “فرّق تسد”، ونحن ما زلنا نتساءل عن المقاربات الكليانية وجدواها!
الحقيقة ان الموضوع واضح: أنتَ سميتها قضايا المجتمع، أي أن اساسها المجتمع: كيان واحد كلي ترتبط عناصره وتؤثر بعضها ببعض بشكل عضوي. لا يمكن الحديث مثلاً عن “ديمقراطية” و”مشاركة شعبية” في ظل انعدام العدالة والمساواة الاقتصادية. لنأخذ مثلا الانتخابات الاميركية: يحتاج أي مرشح في حملته الانتخابية لمليارات الدولارات التي تدفعها في النهاية الشركات الكبرى واللوبيات القوية، وبالتالي فان اي رئيس أميركي (أو حتى مرشح قادر على المنافسة الحقيقية) هو بالتالي ممثل لهذه المصالح وليس للمواطن العادي الذي يظن انه يعيش في كنف ديمقراطية، لكن الحرية فيها مشروطة الى درجة التحديد التام للخيارات – انها ديكتاتورية صرفة متعلقة بانعدام المساواة الاقتصادية: أموال أكثر تعني سلطة أكبر.


ألا تعدّ عملية التفتيت والتفكيك للمشاكل أول الطريق لحلها؟


هذه النظرة ما بعد الحداثوية هي الاساس الفلسفي للنيولبرالية. الماركسية تقول بالنقد والتحليل ووضع الامور في السياقات التاريخية والموضوعية، والنيولبرالية تقول بان الاجزاء والفتافيت هي ذوات منفصلة، قضايا في حد ذاتها، هكذا لن نستطيع فهمها في السياقات العامة، لن نستطيع فهم مقدماتها ونتائجها، ومسبباتها الاساسية. كيف نعالج مشكلة لا نعرف سببها الاساسي وسياقاتها الموضوعية؟ ان هذه هي اسرع وصفة للانتحار المجتمعي.
القضايا تفهم في سياقاتها الموضوعية، تشابكاتها المجتمعية، ارتباطاتها العضوية، لا بصفتها ذواتاً منفصلة قائمة بحد ذاتها.


ماهو دور مؤسسات المجتمع المدني في العمل على تفتيت قضايا الناس ومشاكلهم وبالتالي عزلهم عن المجتمع؟


اولا لدي تحفظات عن مصطلح “المجتمع المدني” ذاته، حيث يستعمل لوصف مجموعة من المنظمات والفاعليات لا رابط مشترك بينها على الاطلاق، بل هي تمثل مصالح متعارضة، فمثلاً: منظمتا أصحاب العمل والعمال كلتاهما تعتبران من منظمات المجتمع المدني رغم التناقض الكلي بين الاثنتين اللتين تمثلان مصالح متعارضة، وكذلك الامر في ما يتعلق بمنظمات محسوبة على السلطة السياسية وأخرى محسوبة على المعارضة، ومنظمات مرتبطة بالمراكز الامبريالية وأخرى تمثل الطبقات المسحوقة…الخ.


أن “المجتمع المدني” هو مفهوم تم افتعاله في مواجهة العمل الشعبي والمنظمات الشعبية الطابع، فبدلاً من النضال القاعدي الثوري الطبقي لإطاحة كل اشكال الاستغلالية واقامة اشكال اكثر عدالة مكانها، تحول الامر الى مكاتب مكيفة ومراسلات الكترونية واموال توظف في معالجة ثغرات نظام الاستغلال وابقاء الناس فقراء بما لا يتجاوز حد الثورة: اعطاؤهم مسكنات ومهدئات بصيغة مساعدات وقروض ومشاريع صغيرة تعيق انجاز اي برنامج تحرري وعدالة حقيقية، بل وتحقق ارباحا لنظام الاستغلال القائم.


مدفوعةً بضرورة الاتساق مع السياقات الدارجة، او التزاما بأجندة “مجتمع مدني” آخر يموله، تعمل المنظمات المحلية على التعاطي المفكك مع القضايا الاجتماعية كما اسلفت اعلاه في الاجابة عن سؤالك السابق، دافعة بالمجتمع نحو الانتحار السياسي: التسكين الموضعي والمنظور الانعزالي للقضايا هو التعزيز الامثل لهيمنة الاستغلال، بل ان هذه الانظمة الاستغلالية هي ذاتها التي تمول المجتمع المدني عموماً: أكبر “مانح” ربما في العالم هو الـ” يو إس ايد” (USAID)، وهي وكالة تتبع وزارة الخارجية الاميركية – اي انها جزء لا يتجزأ من الادارة الاميركية واستراتيجياتها، لكن لا أحد يريد ان يرى شيئاً امام سطوة المال والتماع الشعاراتية الوهمية.

:::::

مجلة الكفاح العربي (لبنان)، 17 آب 2009.

http://www.kifaharabi.com/ArticleDisplay.aspx?ArticleId=18046&ChannelId=62&EditionId=322