النساء وكعب أخيل الثورة

فاطمة الصمادي

يتحدث باحث إيراني بقلق عن دور المرأة في بلاده اليوم ويصفها بأنها كعب أخيل الذي يهدد الثورة الإسلامية، ويرى أنها باتت أسيرة للمظاهر ويدلل على وجهة نظره هذه بإحصاءات تشير إلى أن إيران تحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث استهلاك مواد الزينة، والمرتبة الأولى عالميا من حيث عمليات التجميل وخاصة للأنف، ويضيف إلى ذلك أنها فقدت ثقتها بنفسها وترى في النمط الغربي نموذجا تريده وتدافع عنه. لكن النساء في إيران لديهن وجهة نظر أخرى.

وقبل عامين كان عالم الاجتماع الشهير كاستلز، يتحدث من على منبر واحدة من الجامعات الإيرانية عن أن النساء وخاصة الشابات هن من سيحملن راية التغيير في إيران، ويومها سألته كيف؟ وكان جوابه: راقبي لباس الشابات وسلوكهن في الشوارع. ويذكرني ذلك بأستاذ أمريكي جاء للمشاركة في مؤتمر أقيم في جامعة طهران، يومها كان مذهولا من تناقض الصورة التي يراها والصورة التي اختزنها ذهنه من خلال ما تقدمه وسائل الإعلام. يومها علق مشدوها بمنظر الشابات والشبان وهم يسيرون والأيدي متشابكة:” يا إلهي إنها ليست الجمهورية الإسلامية، أنها فرنسا.” وقد يحمل هذا الانطباع مبالغة واضحة، لكن تلك المبالغة تكشف في الوقت ذاته عن تحول في المجتمع الإيراني بات لا يمكن تجاهله، وقادة هذا التحول هم الشباب من دون أدنى شك.

ولعل أولى مؤشرات ذلك جاءت حين انتخب خاتمي بعشرين مليون رأي جاءت من الشباب والنساء على وجه التحديد، وفي تلك الفترة كان أكثر من 65% من الشباب في إيران ممن تقل أعمارهم عن 25 عاما، وعندما بدأ خاتمي بفتح حوار مع تلك الفئة وجدها تتوجه نحوه بشكل غير مسبوق.

وإن كانت الأجندات السياسية الخاصة لم تغب عن القادة الذين أداروا دفة التظاهرات التي شهدتها طهران بعد الانتخابات الرئاسية إلا أن كثيرا من الشباب الذين اندفعوا للتظاهر لديهم رؤيتهم الخاصة، ولا يرون في قادة هذا التحرك الزعيم التي ينشدونه، وهنا استحضر مقولة واحد من هؤلاء الشباب، فهو يعتبر أن هؤلاء القادة لم يصنعوا هذا التحول لكنهم إحدى نتائجه:” خاتمي لم يخلق هذا التحرك، لقد كان فوزه في الرئاسة نتيجة من نتائج التغيير الذي أوجده الشباب بفعل الأمر الواقع” ولذلك فكما يرى هذا الشاب وغيره فحركتهم وإن كانت تفتقد إلى القيادة، “تسير وتجاوزت خاتمي وموسوي وكروبي”.

والتغيير الذي ينشده الشباب في إيران متعدد الأوجه، وأعقد من توصيفه بمسميات سطحية، وهؤلاء الشباب لديهم اليوم أسئلة تتعلق بتعريف هويتهم، وإن كانت الحكومة تطلق على الشابات اللواتي لا يلتزمن بالحجاب”صاحبات الحجاب السيئ”، فهن يتحدثن عن مسمى آخر، يتعلق بالحريات الفردية ومن ضمنها”حرية اللباس”.

ويبدو أن “اتهام النساء” يجري على أكثر من صعيد فقد أعادت بعض الأوساط في إيران مؤخرا نشر تقرير سابق للقسم السياسي التابع لحرس الثورة الإيرانية، حدد فيها التحديات الثقافية التي تهدد المجتمع الإيراني في المرحلة المقبلة، ووضع التقرير الذي وزع على قادة الحرس،”النسوية” في مقدمة هذه التهديدات، وأضاف إليها “تيار دعاة التعدد الديني” و”الدراويش وأهل التصوف” و”تيار الحداثة الإفراطي” و”البهائية” و”عبدة الشيطان”. واتهم التقرير المنظمات غير الحكومية بأنها “أهم أدوات إثارة الفوضى الاجتماعية”. وحذر التقرير من “الفقر والفساد والتمييز” باعتبارها نقاط الضعف التي “تنفذ منها هذه التهديدات” وحدد “شعار حقوق الإنسان” عنوانا “لمؤامرة يستغلها بعض السياسيين”.

وأشار التقرير إلى أن النسوية التي نشطت في إيران في السنوات الأخيرة بما فيها التيار الذي يطلق على نفسه “النسوية الإسلامية” تحمل “بذور تهديد اجتماعية لا يمكن تجاهلها”.

لكن الناشرة شهلا لاهيجي ترجع هذا التوجه السلبي نحو النسوية إلى “الجهل بها” وترى أن الكثيرين يحصرون النسوية في حركة “الشذوذ الجنسي” ويعتقدون بشكل خاطئ أن هدف النسويات هو “جعل النساء يسرن عاريات في الشوارع ” وترجع “الجهل” إلى أن الكثير من المسؤولين يجهلون نشأة وأهداف الحركات النسوية.

وترئس لاهيجي التي تعد أول ناشرة في إيران دار نشر تحمل اسم “المستنيرون ودراسات المرأة”، وواظبت في السنوات الأخيرة على نشر سلسلة من الأبحاث والكتب والترجمات حول النسوية من حيث النشأة والأهداف والأقسام وقادت في الانتخابات الأخيرة تحركا لمطالبات النساء من المرشحين، وشارك في تحركها ذلك نساء من كافة الأطياف من المحافظين والإصلاحيين وكذلك نساء علمانيات ويساريات، واللافت أن يجمع التحرك أعظم طالقاني السيدة التي ترتدي الشادور وابنة آية الله طالقاني وسيمين بهبهاني الشاعرة المعروفة بأنها من النسويات العلمانيات. ونشط في التحرك عدد من الشباب والشابات.

وتؤكد لاهيجي أن الحركة النسوية الناشطة في إيران تشهد في السنوات الأخيرة تعاونا وتنسيقا بين النساء الإيرانيات اللواتي يحملن توجهات فكرية وسياسية مختلفة، وتصف هذا التحرك بأنه “مدني مسالم ” يطالب بمجموعة من الحقوق المتعلقة بالنساء ويرى أن الكثير من القوانين تحتاج إلى مراجعة لأنها تتضمن ظلما وإجحافا بحق النساء.وتبدي لاهيجي أسفها لأن هذا التحرك قوبل بالعنف وتم الزج بعدد من ناشطاته في السجن في إشارة إلى اعتقال عدد من الناشطات في حملة “مليون توقيع لإزالة التمييز القانوني ضد المرأة”.

وإن كان البعض اليوم يحاول التشكيك بحركة المرأة في إيران ويسعى لربطها بالغرب فإن الدكتورة زهرا رهنورد تصر على وجود حركة نسوية في إيران نبعت من داخل الثقافة الإيرانية وإن كانت تفاعلت في مرحلة من تاريخها بالحركة العالمية للنساء، وترجع جذورها التاريخية إلى ثورة التبغ في فترة الحكم القاجاري.

واليوم يدور تجاذب لم يعد خفيا بين الحكومة ومجلس الشورى في إيران، ويجري الحديث عن توجه للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لتعيين وزيرات في حكومته وهو ما قيل أنه يواجه ممانعة من النواب الذين سيمنحون الثقة للحكومة، واللافت أن موقع “رجا نيوز” واظب في الأيام الأخيرة على نشر وجهات نظر تدافع عن شرعية إشراك النساء في العملية السياسية وتعيين وزيرات، ومن ذلك آراء آية الله الخميني الداعمة لذلك التي وردت في كتابه “صحيفة النور”.

وإن نجح نجاد في تعيين وزيرات في حكومته فستكون تلك خطوة ايجابية صغيرة على طريق مليء بالعقبات لترميم علاقته بالمرأة الإيرانية وهي العلاقة التي لم ترض عنها النساء خلال السنوات الماضية.