“وحيدي” أزمة نجاد الجديدة أم تعاظم قوة “حرس الثورة”?

فاطمة الصمادي

كان الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد يعرف وهو يختار أحد قادة الحرس الثوري (أحمد وحيدي) ليكون وزيرا للدفاع أنه سيفتح الباب لموجة احتجاج عالمية غاضبة. فوحيدي الملاحق من الشرطة الدولية “الإنتربول”، للاشتباه بتورطه في تفجير المركز اليهودي في بيونس آيرس عام 1994 تصفه إسرائيل بـ”الإرهابي الخطير” وتطالب بيونس آيرس بتسليمه فيما أبدت واشنطن” انزعاجها لاختيار نجاد شخصا يشتبه بأنه إرهابي دولي” على رأس وزارة الدفاع. ووزير نجاد الجديد ليس أول مسؤول إيراني ملاحق دوليا، فالقائمة تشمل آخرين على رأسهم رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني ومحسن رضائي الرئيس السابق للحرس الثوري الذي خاض الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

ويبدو أن الأزمة القادمة التي تنتظر حكومة نجاد على صعيد العلاقات الخارجية ستسمى بـ”أزمة وحيدي”. وهذا التوتر المحتمل هو ما دفع محللين في طهران إلى التساؤل متحفظين على هذا الاختيار، إذ أن نجاد لديه من الأزمات ما يكفي سواء في الداخل أو الخارج ولم يكن من الصواب إضافة واحدة جديدة وبهذا الحجم.

لكن نجاد الذي يعرف أن وزيره لن يكون بمقدوره السفر إلى الخارج وسيكون ملاحقا في 186 دولة أراد أن يوجه رسائل عدة إلى الخارج، أولها :أنه لن يحدث تغييرا في السياسة الخارجية لحكومته بفعل الضغط الذي أوجدته الأزمة الداخلية التي أعقبت إعادة انتخابه رئيسا، وأن على الغرب أن يوقف رهانه على ما يمكن أن تحدثه المعارضة من تأثير. ويرى “مهدي خلج” المسؤول بمؤسسة أبحاث الشرق الأدنى ومقرها واشنطن أن “لا تغيير على السياسة الداخلية أو الخارجية لنجاد”. وفي السياق ذاته يشير الرئيس السابق لوحدة “إيران وحزب الله ” في الـ”إف بي آي” كنت بريميك إلى أن هذا الاختيار يؤكد أن الحكومة الإيرانية “غير قلقة من اتهام مسؤوليها وملاحقتهم”. أما ثاني الرسائل التي يريد نجاد توجيهها فتتعلق بمسألة التعريف للأطر المرجعية، فنجاد يرفض أن “يهندس” علاقات بلاده بالخارج وفق إطار مفروض من قبل الغرب, فإيران تنفي الاتهامات الموجهة لمسؤوليها، وإن كان وحيدي يعرف بأنه “إرهابي” فهو في إيران يوصف بـ”المجاهد، المخلص لتعاليم الإسلام”. وفي الوقت الذي يقرن فيه الغرب بشكل اتهامي بين وحيدي وعماد مغنية، فإن طهران تصف العلاقة بأنها “أخوة سلاح وجهاد ومقاومة وشهادة”.

وربما يختصر ما قاله وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي الشكل الذي ستكون عليه العلاقة في المرحلة الجديدة من السياسة الخارجية لبلاده “بانتخاب نجاد مجددا هناك حقائق جديدة على الغرب في المرحلة المقبلة أن يتأقلم معها”.

لكن الأهم الذي يكشف عنه اختيار نجاد بشكل جوهري، فيكمن فيما يمكن وصفه باستعادة الأجواء التي سادت في الأيام الأولى للثورة، وهذه الاستعادة ليست جديدة وإن كانت تجلت بشكل واضح في الأحداث التي أعقبت الانتخابات الرئاسية، بل يمكن إرجاعها إلى التغيير الذي اجري على قيادة الحرس الثوري عام 2007. وعودة إلى ذلك العام فقد وصف تعيين محمد على جعفري قائدا جديدا للحرس الثوري الإيراني ليحل مكان يحيى صفوي كأكبر تغيير طال الحرس الثوري منذ عشر سنوات. وشكل ذلك بداية الجيل الثالث من عمر هذه المؤسسة التي تعد الأهم في بناء الثورة الإسلامية. ومر على الحرس الثوري منذ تأسس بمرسوم أصدره آية الله الخميني عام 1978 بعضوية طوعية في قوات الثورة الإسلامية وضمن أقسام مختلفة اجتماعية وسياسية ثلاثة أجيال وذلك بالنظر إلى فكره الأيديولوجي.

ففي السنوات الأولى لتشكيل الحرس الثوري، وهنا ترد أسماء لشخصيات لها بصمات مؤثرة في مسيرته من أمثال محسن آرمين وهاشم اقاجري ومحمد ذو القدر ومحسن رفيق دوست ويحيى رحيم صفوي كانت المسؤولية الأصلية الحفاظ على الثورة والتصدي لأعدائها، ثم ما لبثت أن بدأت الحرب العراقية الإيرانية التي لعب الحرس الثوري فيها دورا مؤثرا عزز من مكانته داخل المجتمع وبنية الدولة الإيرانية، ومع نهاية الحرب كان الحرس الثوري يدخل مرحلة جديدة من تاريخه.

ومع استقالة رضائي ومجيء يحيى صفوي بدأ جهد الحرس الثوري يتوجه بشكل مكثف يركز على التعافي من خسائر الحرب وشارك في إعادة الإعمار والتخطيط له وكانت تلك وظيفة أضيفت إلى وظائفه السابقة, وهو ما فتح الباب شيئا فشيئا أمام دخول الحرس الثوري إلى ساحة النشاط الاقتصادي، وعلى صعيد تقوية البنية النظامية اضطلع الحرس الثوري إلى جانب وزارة الدفاع برسم الخطط المتعلقة بالتسليحات الدفاعية وبالتدريج تحول الحرس الثوري بقيادة صفوي من مؤسسة إيدولوجية إلى مؤسسة عمل وتنفيذ.

ومع نهاية فترة حكم الإصلاحيين تنحت مجموعة من شخصيات الحرس الثوري ودخلت إلى معترك الحياة السياسية عبر بوابة انتخابات مجلس الشورى، واليوم يوجد عدد يحسب له الحساب ممن كانوا في صفوف الحرس الثوري يحتلون مناصب مهمة في مؤسسات الدولة ومن أعضاء مجلس الشورى، إضافة إلى دخول عدد منهم إلى ساحة العمل السياسي اتجهت مجموعة أخرى إلى الميدان الاقتصادي ولم تمنع هذه التحولات من استمرار فئة واسعة بالحفاظ على الدور الأساسي الذي قام من اجله الحرس الثوري بعنوان” المدافع عن الثورة والحامي لأرض واستقلال إيران “، وكل ذلك مع إدامة استقلاله كمؤسسة تتبع لقيادة الثورة مباشرة وتتمتع بامتيازات تفوق تلك المعطاة للجيش.

أما المرحلة الثالثة للحرس الثوري والمستمرة إلى اليوم فقد بدأت هذه المرحلة بالتزامن مع السعي الأمريكي لإدراج الحرس الثوري في قائمة الإرهاب من ناحية وتزايد الضغوط الغربية والأوروبية بشأن ملف إيران النووي والتهديد بفرض عقوبات عليها من ناحية أخرى مما يجعل الجيل الثالث من الحرس الثوري شبيها بالجيل الأول منه مع الإقرار بوجود اختلافات بالتوجه الأيديولوجي والنظر لروح الثورة بين الجيلين إضافة إلى أن الظروف التي حكمت إيران والمنطقة في بدايات الثورة ليست تلك التي تحكمها اليوم. ومع ذلك ليس مجازفة اليوم الحديث عن دور اكبر مما كان في السابق لـ”الحرس” في السياسة الداخلية والخارجية لإيران.

(العرب اليوم)