مساهمة في تصويب الخطاب الفلسطيني: كيف إختفى “معسكر الاعداء”؟

(الحلقة الثانية)

مسعد عربيد

(3)

في “البراغماتية” الفلسطينية

ترعرعت في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية، منذ أوائل سبعينيات القرن المنصرم وربما قبل ذلك، نزعة أطلقت على نفسها “الواقعية السياسية” أحياناً والبراغماتية “والتعامل مع الواقع” أحياناً اخرى. ولم تكن هذه النزعة وطروحاتها، رغم إدعائها بالواقعية، تمت الى واقع شعبنا وظروفه ونضاله بصلة، وإنما كانت تمثل بامتياز إمتداداً لمصالح القيادات والفئات المتنفذة في حركة المقاومة الفلسطينية وإصطفافاتها السياسية والاقتصادية/الطبقية.

تنامت هذه النزعة، لاسباب وبحكم عوامل ذاتية وموضوعية عديدة، لتصبح “مدرسة” متكاملة ذات نهج وأتباع ومؤيدين ومروجين، وكبرت حتى أضحت المهيمنة على الخطاب والسياسات لا سيما وقد أغدق عليها أعداء المشروع التحريري الفلسطيني شتى موارد الدعم والتأييد والتمويل.

ولعله من المفيد في هذا المقام أن نقف وقفة عاجلة تحاكم هذه النزعة في السياق الفلسطيني.

تعني البراغماتية، من حيث الجوهر، إستخدام النتائج كقاعدة أساسية لتقييم الممارسة العملية او “لتقييم كيف نكون عمليين”، وتنبع من الادراك بان القدرات النظرية والفكرية هي جزء من الفعل البشري وانه لا يمكن ولا يجوز الفصل بين النظرية والممارسة. فالنظرية، وإن كانت تجريداً للتجربة الملموسة، إلا أنها تعود في المحصلة النهائية لتطوير هذه التجرية وإثرائها. وضمن هذا المفهوم فان البراغماتية تشكل أداةً وجزءً من تقييم النضال والتجربة وإنجازاتها وتصويب الانحرافات والاخطاء التي تعتري المسيرة.

كانت هذه المقدمة ضرورية لطرح الاسئلة التالية:

كان مشروع التحرير الوطني الفلسطيني قد إنطلق من ظروف الشعب الفلسطيني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وما تلا ذلك من إتساع رقعته الجماهيرية وتصاعد الكفاح المسلح.

وبناءً عليه، وأسوة بغيره من الشعوب التي ناضلت في سبيل إستقلالها الوطني وتحرير اوطانها من الاحتلال والاستعمار، فان تحرير فلسطين لم يكن حلماً طوباوياً بل ضرورة تاريخية وموضوعية تلبي مصالح الشعب الفلسطيني في تحرير وطنه وإنهاء الاحتلال الصهيوني. وعليه، فان مشروع التحرير الوطني قام على أرضية تحليل موضوعي للظروف المحلية والقومية العربية والدولية.

إن كانت هذه هي قرائتنا للعوامل الذاتية والموضوعية التي أملت مسيرة النضال الفلسطيني، فكيف أصبح هذا المشروع الوطني الفلسطيني بحاجة الى هذا القدر من “الواقعية السياسية” التي إقتضت تعديل البرامج السياسية و”تكييف” الاهداف الاستراتيجية والتكتيكية (إقرأ التنازلات المتوالية)، كل ذلك في غضون سنوات قليلة من إنطلاقة الكفاح الفلسطيني المعاصر أي منذ بدايات سبعينات القرن المنصرم وصولاً الى إعلان المبادئ وإتفاقيات اوسلو (1993)؟ فقد أخذت قيادات الحركة الوطنية، بعد سنوات قليلة من الكفاح من أجل التحرير،تطلق “البلونات الاختبارية” بغية تبني نهج التسوية السياسية وعقد الصفقات مع العدو المحتل والتي تجسدت لاحقاً في تسوية سياسية تسعى الى إقامة “سلطة وطنية”[1] وهمية إنتهت بمشروع التحرير الوطني الى حضيض التراجع والخيانة.

كيف دخلت “البراغماتية” البيت الفلسطيني في تلك المرحلة المبكرة ومن هذا الباب الواسع؟

قالوا لنا آنذاك أن البراغماتية في حياة الشعوب وثوراتها لا تتناقض مع الاهداف الاستراتيجية طالما بقيت ملتزمة ومتناغمة مع الاهداف النهائية للشعب، وقلنا انهم في ذلك محقون، الى ان أخذت البراغماتية الفلسطينية تشوة طبيعة الصراع العربي ـ الصهيوني وحقائقه وتلفق المركبات الرئيسية لمعسكر الاعداء.

وقالوا لنا ان البراغماتية تعني “التكيف” مع الواقع القائم من أجل تحقيق الاهداف المرحلية في ظل “ميزان القوى السائد”، فاذا بهم يجهضون المقاومة وروحها ويفتكون بوعي الشعب وإرادته عندما كان الواقع الفلسطيني والعربي والعالمي في حقيقتة محتقناً بالتناقضات ومكتنزاً بالامكانيات والقدرات الكامنة لخوض نضال شعبي ثوري في سبيل المشروع التحريري الفلسطيني والعربي النهضوي.

أفهمونا آنذاك أن البراغماتية تعني التعامل العملي مع الاهداف الآنية الى ان إنكشف القناع عن براغماتية عدمية لا “عملية” قصدت التخلي عن معايير ومبادئ وأهداف النضال الوطني والانقلاب، كما إتضح بالمدلول الفعلي، على واقع شعبنا ونضاله وحرفه عن أهداف الكفاح الوطني وثوابته وزجوا بنا في أوهام أسموها “فن” الممكن في السياسة وشرحوا لنا أن المقياس الوحيد للسياسات والبرامج هو الحكم عليها على أساس النتائج والانجازات.

أوهمونا بانه علينا ان نجرب “كل شيء” قبل ان نطلق الاحكام ووعظوا بنا أن لا أحكام مسبقة، فهنا تكمن حكمة الدهر والتاريخ. فلا مكان لديهم ولا قيمة للحقائق والمعرفة ولا أهمية لتجارب الشعوب وعبرها.

علمونا ان الواقع “غير ثابت” وفي تغير مستمر، بل هو حالة فضفاضة دائمة السيولة، وأقنعونا، أن رغباتهم بل رغائبيتهم التي ما زالو يتشبثون بها، هي مرآة الواقع المادي والوجود الملموس وهي التجسيد الحقيقي لمصالح شعبنا وطموحاته ومستقبله.

وها نحن نقف اليوم، بعد اربعة عقود من المعاناة والهزائم، فلنحتكم للنتائج والانجازات، ونرى أين نحن من مشروع التحرير، واين نحن من “السلطة الوطنية الفلسطينية” العتيدة!

لقد دار الدهر ليعلمنا ان كل ما تفتق عنه هذا الذهن البليد والمرتد ليس سوى مسميات مجردة ملفقة استخدمت كمسوغات لتبرير وتمرير التراجعات والتنازلات بغية خداع الجماهير وتملقها وتخريب وعيها وإحباط إرادتها وصولاً الى تحقيق مصالح القيادات والفئات المتسلطة على قرار شعبنا.

(4)

الشعارات بين الطمس والتأويل

صاغ خطاب حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، خاصة بعد الاحتلال الثاني عام 1967 وما تلاه من تصاعد النضال الوطني والكفاح المسلح، صاغ جملة من الاطروحات والمقولات تُرجم العديد منها الى “شعارات” تنير يوميات النضال الشعبي، وإرتقى بعضها الى “مسلمات” غير قابلة للنقاش او إعادة النظر، في حين إرتسم بعضها الآخر “ثوابت وطنية” تشكل خطوطاً حمراء تفصل بين نهج تحرير الوطن المحتل من جهة، ونهج التسوية والانحراف وخيانة المشروع الوطني من جهة اخرى.

ولعل نظرة فاحصة في المشهد الفلسطيني توضح بجلاء هول التناقض بين شعاراتنا من جهة، وممارستنا من جهة اخرى، وعمق الهوة بين اقوالنا وأفعالنا. ففي حين احتفظ الكثير من هذه الشعارات ببريق مفرداتها، نراها فقدت (الشعارت) جوهرها وأصبحت خالية من مضمونها ودلالاتها النضالية. كما رأينا في حالات عديدة كيف تم طمس الكثير من أبعاد هذه الشعارات والطروحات، فأصبح بعضها طيَّ النسيان أو موضع تأويل وتشويه، وظلّ بعضها الآخر حاضراً بيننا ولكن بلا حياة ولا روح. كما شهدنا بام العين كيف وُظف العديد من الشعارات لتضليل الشعب وتخريب وعيه. ولم تنجو من عملية التخريب هذه الشعارات الاستراتيجية أو ما أطلقوا عليه ذات يوم “الثوابت الوطنية الفلسطينية”.

لذا، أصبحت الحاجة ماسة وملحة لمراجعة وتقويم العديد من هذه الشعارات والطروحات، لا من اجل إعادة تجليسها في خطاب وأدبيات الفصائل الفلسطينية[2]، بل من أجل تصويبها وترسيخها في الوعي الجمعي الشعبي ـ الفلسطيني والعربي.

* * *

نسلط، في الفقرات التالية، الاضواء على بعض المحاور الرئيسية من شعارات ومقولات الخطاب الفلسطيني، على سبيل المثال لا الحصر، كعينة تمثيلية لعمق المأزق الذي وصلنا اليه، ونأمل ان تساهم هذه المناقشة في إستنهاض الحوار حول الخطاب الفلسطيني على اسس سليمة تبث الحياة في مشروع المقاومة وثقافتها:

1) طبييعة الصراع

هل هو صراع عربي ـ صهيوني، أو عربي ـ اسرائيلي، او اسرائيلي ـ فلسطيني؟ وهل هو صراع وجود أم صراع حدود؟ وهل هو تناقض تناحري أم خلاف تحسمة المفاوضات، يوماً ما!؟ هل ما زال تناقضنا مع المشروع الامبريالي ـ الصهيوني صراعاً أم أنه أضحى مجرد نزاع؟

2) تعريف الوطن الفلسطيني

وتحديد حدوده الجغرافية والسياسية والوطنية/القومية. ففلسطين لم تعد “وطناً واحداً” في ذهن الفلسطيني والعربي حيث تعددت “الاوطان” والجغرافيات بحسب تعدد المفاهيم والسياسات:

فهل هي فلسطين التاريخية، أم هي الضفة الغربية وقطاع غزة؟

أم أنها ما يتيسر إلتقاطه من فتات بعد “إزالة آثار عدوان 1967″؟

أو “دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف” ينعم بها علينا الصهاينة والراعي الاميركي ـ صاحب خريطة الطريق ” و”العرّاب النزيه” ـ عبر المفاوضات التائهة في أنفاق ودهاليز لا نهاية لها؟

3) تغييب البعد القومي العربي

كان البعد القومي العربي أول وأكبر ضحايا تزوير الصراع العربي ـ الصهيوني وتحرير فلسطين جرّاء ما اعتراه من طمس وتحريف بهدف بتر النضال الفلسطيني عن عمقه القومي العربي وإجتثاثه من حضن الطبقات الشعبية العربية (نورد على سبيل المثال اطروحات فلسطنة القضية والنضال الفلسطيني والقرار الفلسطيني المستقل وبكائيات يا “وحدنا” و “يا عرباه” و”معتصماه” التي حذق في إطلاقها وبراعة توقيتها الراحل ياسر عرفات…وغيرها).

4) مستقبل فلسطين المحررة

فهل نريدها سلطة وطنية/دولة على”أي شبر” يتم “تحريره، كما زعم أحدهم قبل ثلاثة عقود ونيف؟

أم “دولة” لا تعدو كونها سلطة “حكم ذاتي محدود” تدير شؤوننا المدنية على ما تبقى من الوطن من رقع جغرافية متناثرة؟

ام نريدها “دولة ديمقراطية علمانية” كما نادينا بها منذ أواخر ستينات القرن الماضي؟ أو فلسطين عربية كجزء من مشروع نهضوي قومي عربي وأمة عربية موحدة؟

أم اننا ننشد فلسطين عربية إشتراكية، جزءاً من وطن عربي نامي وحرٍ وموحدٍ، تواكب الانسانية في قرنها الواحد والعشرين؟[3]

أم تُرى نريد فلسطين وقفاً إسلامياً أو إمارة إسلامية تُعلي مجدداً راية الخلافة الاسلامية وفق رؤية الحركات الاسلامية و”القرآن دستورنا”؟

5) طبيعة ومكونات معسكر الاعداء

إقتضت مسيرة التراجع وهيمنة نهج التسوية تشويه طبيعة معسكر الاعداء وطمس اطرافه. فبعد جدل عاصف حددت حركة المقاومة معسكر اعدائها بالثلاثية المعروفة: “الصهيونية والامبريالية والرجعية العربية”. كان ذلك منذ اكثر من ثلاثة عقود، في سبيعنيات القرن الماضي، أما اليوم فان الخطاب السائد يكاد يخلو من الاشارة الى مفردة “معسكر الاعداء” وكأننا حسبنا انه بمجرد شطب المصطلح من معجمنا السياسي سيختفي العدو (الاعداء) بضربة ساحر. لم يعد جيلنا الناشئ يسمع ب”معسكر الاعداء” وكأننا نستحضر المصطلح من التاريخ الغابر، من “مخلفات الستينيات”.

فكيف لنا بعد ان “إختفى” الاعداء من خطابنا ان نخوض النضال، وضد مَنْ؟

وكيف لثورة ان تنتصر دون تحديد دقيق لمعسكر أعدائها: طبيعته، مكوناته وأطرافه المتشابكة؟


[1] البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، المقرر من المجلس الوطني في دورة انعقاده الثانية عشرة 1-8/6/1974

[2] على الرغم مما في هذا القول من تعميم، وبالرغم من الاختلافات بين برامج ومواقف الفصائل الفلسطينية، فانه ليس مبالغة ان نقول تلك الفصائل بمجملها ـ والتي ما زالت تتربع على “عرش السلطة” وقيادة المشروع “الوطني” الفلسطيني والادعاء بتمثيل الشعب الفلسطيني ـ لم تعد تشكل، من منظور العملية التاريخية، الامكانية الموضوعية للنهوض باعباء ومهام التحرير ومتابعة مسيرته.

لقد طُويت صفحة هذه الفصائل وبرامجها الى غير رجعة. فليس هناك من إمكانية لخروجها من مأزقها الراهن بعد أن إصطفت بعضها، سياسياً وتاريخيا، مع مصالحة العدو المحتل والمشروع الصهيوني ـ الامبريالي في فلسطين والوطن العربي وبعد ان إرتبط مصلحياً واقتصاديا به وأصبح احدى أدواته التنفيذية، في حين سعى بعض آخر الى وساطة الكومبرادور العربي (مصر تحديداً) وكسب رضى الغرب الراسمالي ـ الامبريالي. بعبارة اخرى، ليست هناك إمكانية موضوعية وتاريخية لنهوض الفصائل الفلسطينية واصلاحها وإستعادتها لنهج المقاومة والتحرير كما يتوهم البعض.

[3] انظر مساهمات عادل سمارة ومسعد عربيد حول الحل الاشتراكي في فلسطين ونقد الدولة الديمقراطية العلمانية في مجلة “كنعان” وموقعها الالكتروني:

https://kanaanonline.org/?p=1217