العراق الجديد والدراما التلفزيونية!

جمال محمد تقي

شهر رمضان هو موسم تقليدي للدراما التلفزيونية بل هو مهرجان لكافة اجناس الاعمال الفنية التي تلخصها الشاشة الفضية وباقصى طاقاتها لتقدم برامج منوعة وترويحية وتاريخية ودينية ومسلسلات كوميدية الى جانب الدراما التي تشكل الوجبة الرئيسية في المائدة التلفزيونية المقدمة خلال الشهر المنتظر من بين كل اشهر السنة قاطبة، وبحسب واقع الحال فان طقوس رمضان تساعد على تحقيق اكبر نسبة مشاهدة للتلفزيون من باقي اشهر وايام السنة!

هكذا تعودنا وهكذا تكيفت معظم مؤسسات البث المرئي والمسموع في بلداننا العربية والاسلامية، وبعد ثورة الفضائيات وانتشار المحطات المجانية الى جانب المشفرة، تكاثرت المحطات العامة والخاصة متنافسة للاستحواذ على اكبر نسبة من المشاهدين والمشتركين، واصبحت للاعمال الدرامية قيمة مضافة خلال هذا الشهر مما ضاعف من سقوف الطلب عليها وعلى انتاجها، وبما ان العرض اقل من الطلب، وبطيلة ايام السنة في سوق الانتاج الاعلامي عموما والدرامي التلفزيوني خصوصا، فان بعض القنوات راح يسد حاجته للتغطية على فراغات البث في الاشهر العادية بالاستعانة بالدراما المدبلجة والبرامج المعلبة وايضا بالاجترار في عرض ما انتج قديما حتى ولو كان المنتج القديم بالاسود والابيض، وهذا ما نجده شاخصا ببعض القنوات الخليجية والسورية والمصرية والاردنية واللبنانية، فموجات المسلسلات المدبلجة ـ المكسيكية والتركية ـ رخيصة الثمن من جانب وايضا لتقليديتها في التناول الذي يروق لفئات واسعة من المشاهدين الميالين للطراز الهندي في البناء الدرامي لكن مثل هذه البرامج والمسلسلات لا تتلائم والمزاج العام للناس في رمضان، وهذا ما جعل التوجه نحو الانتاج الدرامي الواسع والمنوع شكلا ومضمونا حاجة متزايدة تفرضها آليات السوق، ولعب الراسمال الخاص دورا كبيرا في الولوج وبقوة في هذا المجال والاستثمار المكثف فيه، فتكاثرت شركات الانتاج وملحقاتها وبشكل ملحوظ خلال العقد الاخير ومن المتوقع تضاعفها خلال العقد القادم، الى جانب دور بعض المؤسسات الرسمية في بعض الدول العربية لرعاية هذه المنتجات وتوزيعها ـ خاصة في سوريا ومصر ـ لما لها من عوائد شاملة، حتى لو كانت شركات الانتاج متعددة الجنسيات عربيا، وهذه بحد ذاتها ايجابية يصب ريعها في تعزيز التقارب العربي ثقافيا واعلاميا على اقل تقدير!

لقد بقيت المحطات الرسمية ضمن نطاق المحطات المجانية ان كانت ارضية او فضائية، وبقيت محافظة على نهجها التقليدي الذي يعبر عن سياسة الدولة والحكومة المعنية، لكنها تحاول ايضا اللحاق ببعض المتغيرات من حولها مستجيبة لاستحقاقات الاضمحلال الخاصة بوسائل احتكار اجهزة الاعلام نتيجة لضغوطات واقع الفضاءات المفتوحة الذي نعيشه اليوم، ومحاولاتها تلك اصبحت اضطرارية لانها ان لم تفعل فان المشاهد سيدير ظهره لها وبضغطة زر يمكنه مشاهدة محطات اخرى لها سياسات قد لا تروق لها!

فالمصرية او السورية او العراقية او التونسية والسعودية مثلا اذا بقيت على حالها في سياستها الاخبارية وطريقة تحريرها للبرامج التحليلية والحوارية فان المشاهد سيغرب عنها مستبشرا بقناة الجزيرة اوغيرها والتي تعوضه عما ينقصه، وذلك لتميزها عنها بالانفتاح والتنوع والجرأة والحرفية، وقد لا يعين هذه القنوات الرسمية اتكالها على برامج المنوعات الزاخرة بالنجوم ذات الحضور الجماهيري والمسلسلات المنوعة، لان القنوات الاخرى وخاصة قنوات المنوعات الخليجية واللبنانية اخذت تستخدم نفس النجوم وربما تفوقت عليها في مجال الدراما ايضا وبنجوم متعددي الجنسيات عربيا وبكفاءات نوعية بعضها مهاجر خارج حدود الوطن العربي!

شذوذ الوضع العراقي

لابد في البداية من القول وبكل ثقة انه لا توجد في داخل عراقنا الجديد اي شركة انتاج درامي منتجة فعليا، لا خاصة ولا عامة، بربكم اليس هذا نوعا من الشذوذ؟

في العراق رسميا هناك ما يسمى بشبكة الاعلام العراقي ـ قناة العراقية، صحيفة الصباح اليومية والاذاعة الرسمية العراقية ـ وهي مؤسسة ملحقة بالحكومة تمويلا واشرافا، وهناك اطلال لهياكل كانت عامرة بالعطاء، كمؤسسة السينما والمسرح، والمؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون بكامل اقسامها، وهذه ملحقة بوزارة الثقافة، واغلب عناصرها يعيش حالة بطالة مقنعة، واكثريتهم يضطر للعمل في سوريا والاردن ودول الخليج ومصر للتواصل مع احترافه الابداعي وايضا لضمان سلامته وسلامة عائلته، بعد ان اصبح من المتعذر عليهم العمل داخل العراق، على الرغم من وجود عشرات الفضائيات والاذاعات المحلية، لكن اغلبها محطات حزبية، وهي لا تنتج دراما غير درامتها الحزبية التي لا تحتاج لشيء سوى متابعة اخبار وحوارات و هموم من تتحزب لهم!

القناة الرسمية العراقية ليست لها علاقة بالدراما، ربما تستعين ببعض شركات الاعلان من هنا وهناك لانتاج بعض الاعلانات التي تروج للسلم الاجتماعي، اولتبييض صورة الاوضاع القائمة، اولمعالجة بعض المظاهر السلبية وباسلوب درامي غالبا ما يكون مكلف ومتناقض!

اذن اين الالوف المبدعة من فناني العراق، سينما ومسرح وتلفزيون وتصوير و تشكيل، اين كتاب الاغاني والدراما والمسرح، اين المخرجين اين الموسيقيين، اين يعملون، وماذا ينتجون، وهل هناك سوق ما تستوعبهم؟

السوق الداخلية شبه معطلة ومشلولة، والمؤسسات الباقية من الدولة لا تنتج شيء ولا تساعد على انتاجه!

اغلبهم خارج العراق وموزعين على الجهات الاربع، والكثير منهم في دول الجوار، وقلة قليلة منهم لم تغادر، وهذا ما ساهم بشكل كبير في التدني المهني الحاصل في اغلب القنوات العراقية العاملة داخل العراق، الى جانب عوامل اخرى كالمعيقات الامنية والحزبية!

ان اضخم وانضج الاعمال الدرامية العراقية التي انتجت منذ احتلال العراق وحتى الان تم انتاجها خارج العراق وبعيدا عن اي تمويل او دعم حكومي، وهناك اعمال احرزت جوائز في مهرجان القاهرة الدولي للاذاعة والتلفزيون وكانت لقناتي الشرقية والبغدادية نصيب كبير في هذا الانتاج!

كان المسرح العراقي المدرسة الاولى للدراما العراقية ومن احضانه خرجت ونضجت ملامحها، فهذا المسرح بتاريخه واصالته النوعية ساهم لحد بعيد برفد وتطوير وتنضيج الدراما العراقية بالكفاءات والخبرات، فمن له ان ينسى دور رواد المسرح الذين هم انفسهم كانوا اعمدة معهد الفنون الجميلة واكاديميتها التي خرجت الالوف من المحترفين، من ينسى حقي الشبلي ويوسف العاني وابراهيم جلال و قاسم محمد وعادل كاظم وصلاح القصب، من ينسى زينب وناهد الرماح وفوزية الشندي وشكري العقيدي وبدري حسون فريد وخليل شوقي وطه سالم وعوني كرومي والعشرات غيرهم؟

احدهم كان جوكرا في فلم سعيد افندي الذي يشكل نقلة نوعية في تاريخ السينما العراقية 1957، وكذلك فلم المنعطف المأخوذ عن رواية خمسة اصوات لغائب طعمة فرمان، وهو نفسه كان صولا في مسرحيات النخلة والجيران، واضواء على حياة يومية، وبغداد الازل بين الجد والهزل وهو نفسه فارس الدراما التلفزيونية خالدة الذكر عبود يغني وعبود لا يغني انه يوسف العاني ومثله كان صحبه ابراهيم جلال وخليل شوقي وقاسم محمد وسامي قفطان وغيرهم من المبدعين!

لا يوجد مسرح حقيقي اليوم داخل العراق، اما السينما فحدث ولا حرج، حتى دور السينما مغلقة، فكيف الحال بالنسبة للانتاج السينمائي!

نخشى ان ياتي اليوم الذي تصدر فيه فتوى تغلق بموجبها معاهد واكاديمية الفنون، في وضع متدهور كهذا سيكون من الترف مطالبة الفنانين بالابداع في الانتاج الدرامي وداخل العراق تحديدا!

جواد الاسدي عنوان ومدرسة في المسرح النوعي العربي المعاصر، مبدع له باع الشمول، يعمل في كل مكان الا العراق! وهكذا الحال بالنسبة للمئات من الكوادر المبدعة وفي شتى المجالات، الوضع العراقي اليوم ينكس راية الثقافة الانسانية الجميلة لمصلحة الثقافة الطائفية والعنصرية القبيحة، وعليه فالوضع شديد البؤس والخطورة، ولا نجاة لعراقنا المبدع الا بسيادة الثقافة الانسانية على راياته وعلى كل مؤسساته الحكومية وغير الحكومية!

لا يفوتني هنا التنويه الى مسلسل ” هدوء نسبي ” الذي يعرض حاليا على قنوات البغدادية والمصرية فهو يقدم معالجة هامة لمسألة شديدة التعقيد والحساسية، الوضع العراقي قبيل واثناء وبعد احتلال العراق، انه اول دراما تلفزيونية عربية مشتركة ـ شركات انتاج مصرية سورية خليجية ـ تعالج قضية احتلال العراق بروح تنشد الموضوعية والحكمة، وبنجوم من سوريا والعراق ومصروالخليج!