عالم مصر السفلي

د. أحمد الخميسي

يخطر لي منذ فترة أن الحياة التي نعيشها – نحن المثقفون – وهم. الكتب الكثيرة والندوات وأخبار المؤتمرات واللقاءات، القصائد والروايات والقصص والمقالات النقدية، كل ذلك وهم، يشبه الضباب الخفيف الذي يهبط فوق الحقول قرب الفجر ويملأ الأفق، لكنه لا شيء إذا ظهرت شمس.

يخطر لي أن هناك تحت الأسفلت والتراب مدينة أخرى، حقيقية، سرية، ذات شبكات وأنفاق متصلة، غارقة في عتمة وصمت. أظن أن تلك المدينة وهم من أوهامي، لكن الأصوات التي تشق الأسفلت خارجة من وقت لآخر تؤكد لي أنها الحقيقة. وقائع صغيرة تنشرها الصحف، كتلك الحادثة التي وقعت في الأول من سبتمبر الحالي حين طعن شاب في السادسة والعشرين نفسه بسكين وأخرج أحشاءه وسقط على الأرض أمام محله في بنها غارقا في دمائه، بسبب قلة الدخل وشجاره المستمر مع زوجته على مصروف البيت.

أفكر في أننا لا نعرف شيئا عن أولئك البشر، ولا نعرف شيئا عن حياتهم، ولا أزماتهم، كأنهم يعيشون في مدينة أخرى تحت الأسفلت. أفكر في علاقة قصائد الشعر الحديثة الغامضة بذلك الواقع. في الأسبوع الأخير من أغسطس نشرت الصحف أن سيدتين واحدة في 6 أكتوبر والثانية في الجيزة حاولتا الانتحار بسبب الضائقة المالية ومصاريف البيت، الأولى تناولت مبيدا حشريا، والأخرى ألقت بنفسها في النيل.

أفكر في ذلك العالم المجهول لنا حيث تلقي امرأة بنفسها إلي النيل لأنها لم تجد سبيلا أي سبيل لمواصلة الحياة. أقول : لابد أن هناك مدينة أخرى تحت الأسفلت لا نراها يسكنها بشر لا نعرفهم بعيدون كل البعد عن كتبنا ومؤتمراتنا ورواياتنا ومهرجاناتنا وما نكتبه وما نترجمه وما نعيه ونناقشه. في 19 أغسطس نشرت الصحف أن موظفا بهيئة الإذاعة والتلفزيون وقف أمام شباك تحصيل فواتير الكهرباء في منطقة العمرانية لتسديد الفاتورة، وحين قيل له إن المبلغ المطلوب مائتا وخمسون جنيها عن شهر واحد، بهت، وصمت، ثم شملته ارتجافة ذهول وصدمة، وسقط مغشيا عليه وتوفي أمام الشباك. من أي عالم ومن أي مدينة أخرى تحت الأسفلت ينبغي أن يكون الإنسان لكي يقتله فقط السماع بمبلغ مائتي وخمسين جنيها؟ أي عالم هذا الذي نجهله؟ هذا الذي يجهلنا؟.

فيما مضى كتب تشيخوف قصة ” موت موظف ” عن إنسان قتله الخوف والشعور بالمهانة لأنه عطس في قفا جنرال، وطارده الشعور بالمهانة حتى عاد لبيته وتوفي على سريره، لكن أحدا لم يكتب بعد قصة الموظف المصري الذي عطست الدنيا في وجهه فتوفي من الصدمة والذعر.

في الثامن من أغسطس نشرت الصحف أن شابا عاطلا في مدينة أسوان بمنطقة المناعية يدعى أحمد مصطفى عبد الله يبلغ من العمر 27 سنة أنهى حياته بشنق نفسه داخل حجرة نومه لمروره بضائقة مالية شديدة، وعثرت عليه أسرته في اليوم التالي معلقا في حبل. وفي أواخر يوليو هذا العام نشرت الصحف أن بائعا جوالا في روض الفرج أنهى حياة شاب عاطل عن العمل بسبب ثمن كوب شاي حين مزق جسده بمطواة وتركه ينزف وفر هاربا.

أسأل نفسي : هل هناك حقا عالم آخر تحت الأسفلت؟ ينزف فيه الإنسان حياته بسبب ثمن كوب شاي، أي بسبب نصف الجنيه؟ أي عالم هذا؟

ويوما بعد يوم يستولي علي خاطر أن هناك مدينة أخرى، تحت الأسفلت، حقيقية، سرية، ذات شبكات وأنفاق متصلة، يسكنها بشر غارقون في عتمة وصمت، وفقط من حين لآخر يخرج علينا صوت منهم، يشق الأسفلت بقصته، ثم يرجع إلي الأنفاق السرية التي لا نراها. مدينة ضخمة، بعيدة كل البعد عن الكتب، وهموم المثقفين، والعولمة، والتنوير، والشعر، والمجلات، مدينة لا تقرأ، ولا تكتب، ولا ترى النور، لكنني أسمع أحيانا غمغمات سكانها من تحت الأسفلت. وعندما أستمع إلي تلك الأصوات يخيل إلي أن كل ما يطفو على سطح المدينة زواق، وطلاء، يخفي ذلك العالم السفلي الضخم، ولا أعرف الحقيقة من الوهم، لكني أواصل سيري، وأرهف السمع إلي الأصوات.

***

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com