في مِلَفِ التَطْبيعِ والمُطَبِّعين

بَرَدى يوسف

الثلاثاء، 1 أيلول 2009

في مِلَفِ التَطْبيعِ والمُطَبِّعين:

عندما يُصْبِحُ التُمَسُّكُ بِالثَوابِتِ الوَطَنِيَّةِ مُثيراً للتقيؤ، والنَقْدُ البَنَّاءُ قَنْصاً،

وشَرَفُ الكلمةِ تُهْمَةٌ وحُبُّ الوَطَنِ جريمَةٌ تَقودُ صاحِِبَها إلى ساحاتِ القضاء

رسالة إلى الدكتور عادل سمارة

عزيزي عادل،

لا أدري إنْ كانَتْ كِتاباتُك عَصِيَّة على فَهْمِهِم أم أنهم يُعَطِّلون فَهْمَهُم كي يهربوا من مرآةِ كلامِكَ التي تَعكِسُ قُبْحَ دَواخِلِهِم؟ أمْ تُراكَ حينَ تَكْتُبُ تُريهِم قَزامَتَهُم وتَسحَقهُم، لن أقول “بِعَقِبِكَ”، بل سأقول بِقَلَمِكَ، فقط من باب التَأَدُّب في حَضْرَةِ القارئ؟

في هذا المقام لا أجد ما أستشهد به أفضل من:

أيَقْتُلُكِ البَرْدُ؟

أنا يَقْتُلُني نِصْفُ الدِِفءِ وَنِصْفُ المَوْقِفِ أكْثَر!

وجدتُ نفسي أخُطُّ لك هذِهِ الكَلِمات لا لِسَبَبٍ سوى لاستيائي من الهَجْمَةِ الشَرِسَةِ والحَرْب الشعواء التي تُثارُ حولك هذه الأيام والتي لا أدري سبباً لها سوى قيامِك بإزالَةِ آخر وَرَقَةِ توتٍ تُغطّي سَوْءاتِهِم بَعْدَ أن عجزوا هم أنْفُسُهُم عنْ أنْ يُداروا تلك السَوْءات.

عزيزي،

في رَدِّهِ على مقالك الذي كَتَبْتَهُ نَقْدَاً لحضوره إلى رام الله من أجل إقامة أُمسِيَةٍ شِعْرِيَّةٍ في مَركِز خليل السكاكيني بتأشيرة دخول إسرائيلية أو حتى تصريحِ دخول مُستخرج من قِبَل سلطات الإحتلال الإسرائيلية، والذي يُعتَبَرُ شكلاً من أشكال التطبيع، (وكما تبادر إلى مسامعي فالتَصريحُ الذي دَخَل به لم يُقدم من أحد أقربائه كما هو دارج حسب إجراءات المحتل)، قام ذلك الشخص الذي نَقَدتَه في مقالك، وكي يساوي بين عبوره بتأشيرة دخول إسرائيلية، أو كما التشبيه الذي تُحِبُّ أنْ تَسْتَخْدِمَهُ مراراً “خَتْمَ الاحتلال لمؤخرة كل عابر للجسر بتأشيرة الدخول الاسرائيلية”، وبين صمودك في هذا الوطن قام بطَرَح سؤالٍ حول الكيفية التي تُغادر بها الوطنَ وتعود إليه، “هل يقتحم الحدود بجيشه؟ أم يطير من فوق الحواجز والأسلاك الشائكة مثل أي عصفور كي يتجنب اللقاء بالجنود الصهاينة؟” هو لم يتجاهل حتى الجهل أن القَدَرَ لَعِبَ دوراً في بقائِك في هذا الوطن أثناء مجازر التطهير العرقي في فلسطين سواء عام 1948 أو عام 1967 حين اختصك، أي القدر، بأن تبقى أنت ومن بقي من فلسطينيين هنا واختصه بأن يكون أهله من المغادرين هَرَبَاً من المجازر، هذا دون أن ننسى أن هناك “قادة” رحلوا طوعاً أو طمعاً في لمعان ما. ويبدو أنه لا يُدرك أنَّ المُقارنةَ بين بَقائِكَ في هذا الوطن، رغم اضطرارك أحياناً للسفر عبر جسر اللنبي، وبين حضوره هو في هذهِ المَرْحَلَةِ زائراً، أو قُلْ مُطَبِّعاً فيها مغالطة كبرى. لأنَّ عَوْدَةَ أيّ فِلَسطينِيٍّ تَحْتَ مِظلةِ اوسلو فيه إقرارٌ بتلكَ الاتفاقيات وتفريط بحق العودة لملايين الفلسطينيين خصوصاً اللاجئ الفلسطيني البائس في لبنان؛ تماماً مثلما أنَّ مغادرة أي فلسطيني لهذا الوطن بشكل دائم طوعاً وليس قسراً، كما فعل شاعر المقاومة الفلسطينية الفذّ الذي لم ولن تُنجب امرأة فلسطينية شاعراً بقامته، يعني أن يُفرِغَ مكانه لمستوطن يهوديّ.

يقول صاحِبُنا إنَّكَ بِطَلَبِكَ منَ الآخرين عدمَ الحُضورِ تريد فرضَ حصارٍ على الضفةِ الغربيةِ، كما الحِصارُ المفروضُ على غَزَّة، لكنه لا يُدرِكُ أن مَقْصِدَكَ يَكْمُنُ في أنَّكَ لا تريدُ لأحَدٍ أنْ يَعْبُرَ حُدودَ الأُردن مع فلسطين التاريخية بتأشيرة دخول إسرائيلية، والتي تُمَثِّلُ إعترافاً ليس ضمنياً وإنما صريحاً بسيادة إسرائيل على هذه الأرض؛ وإنما تريدهم أن يحضروا على ظهر الدبابة، مقاتلين وَمُحرِّرين. ولكي لا يقوم أحدٌ باتِّهامِكَ بأنَّكَ تنوي تقتيلهم بالترسانة العسكرية الإسرائيلية رُبَما عَلَيَّ أنَّ أُذَكِّرَهم بأنَّك لا تسعى لِجَرِّهِم إلى التَهْلُكَة وأنت محصن في برجٍ عاجيّ وذلك لأن لك تاريخاً نضالياً يَسْتَطيعُ من لا يعرفه أن يُراجِعَ سِجِلِّكَ في المعتقلات الإسرائيلية.

يقول إنك لا تريد لِمُتَضامِنٍ عَرَبِيٍّ ولا أجنبي دخولَ فلسطين. بلى، بل تريد للمتضامنين الحضورَ إلى هنا لِمُؤازَرَةِ شعبِنا ومُقارعةِ العَدُوِّ الغاشم بكافة السُبُل، لكِنَّكَ تُريدُهم أنْ يحضروا بِشَكْلٍ مُشرِّفٍ كَما حضَرَ الفدائي جورج غالوي الذي لم يَأتِ على متن طائرة بالدرجة السياحية إنما أتى متكبداً عناء ومشقة السَفََرِ بَرَّاً ومن ثم بحراً حاملاً للغزيين الدواء والغذاء، بينما يُشارِكُ العربُ والفلسطينيون أنفُسُهم في تجويع أبناءِ جَلَدَتِهم بإحكامهم الحصار على الغزيين.

يحاول صاحِبُنا الدفاعَ عن نفسه من خلال سَرْدِ بعض المواقف التي وقفها في مراحل معينة من عمره، لكنه ينسى أن الشخصيات العظيمة، عبر التاريخ، لا تتحدث عن نفسِها إنما تتركُ أعمالَها تتحدثُ عنها. فذاك ناجي العلي الذي لَمْ يَسْتَجْدِ قَطّ اعترافَ أحدٍ بِعَظَمَتِهِ لكنه ترك أعماله الخالدة التي خُضِّبَتْ بِدَمِهِ تتحدثُ عنه. يسردُ صاحِبُنا المثلَ تِلْوَ الآخر كي يُثبت لنا أنه مَرِنٌ وأنه يصيغُ مواقِفَهُ وِفْقَ ما يتطلبه الحدث، أي لِكُلِّ مقامٍ مقال، وبما أن المقام كان يتطلب منه مقاطعة معرض تورينو للكتاب عام 2008 بسببِ إستضافَتِهِ إسرائيلَ في ذكرى تأسيسِها الستين فقد فعل ذلك، أما وقد زال سبب المقاطعة في العام الذي تلاه فقد قام بالمشاركة في المعرِض المذكور على الرغم من أنه طُلِبَ إليه عدم الحضور لأن مِصْرَ ضيفة شرف. يقول إنَّه حضر المَعرِض لأنه يُفَرِّق بين أن تكون الحكومة المصرية أو أن تكون الثقافة المصرية هي ضيف الشرف. أتساءل هل هو حقاً لا يدرك أن الدعوة تكون موجهة لوِزارَةِ الثقافَةِ المِصْرِيَّة التي هي جزء من الحكومة ولا تكون موجهةً لعامة الشعب المصري؟ لله دُرُّ الكاتب العظيم “صنع الله إبراهيم” الذي سَطَّرَ موقِفَاً خالداً بِرَفْضِهِ تَسَلُّم جائزة “ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي” وقيمتها مائة ألف جنيه مصري، لأنها، وِفْقَ تصريحه، صادرة عن حكومة تقمع الشعب وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب. وعبقريةُ موقف صنع الله إبراهيم تتجلى في عبارة الختام لكلمته حيث صَرَّحَ “إن الواقعَ مرعبٌ وفي ظِلِّ هذا الواقع لا يستطيعُ الكاتب أن يُغمضَ عَيْنَيْه أو يَصْمِت، لا يستطيع أن يتخلَّى عن مسؤوليته”.

يَصِفُ صاحِبُنا نَقْدَكَ لإدوراد سعيد ومحمود درويش بالمِحرَقةِ البَشِعة؛ هذا الوصف الذي يعكِسُ العقليةَ التي ما زالتْ تضفي صفةَ الألوهيةِ على البشرِ وترفضُ أنْ يقومَ أحدٌ بِنَقْدِهْم عندما يخطِئون، أو لِنَقُل ترفض أن يقوم الآخرونَ بإبداء وجهات نظرهم حيال كتابات أولئك ومواقفهم من القضايا العامة. في هذا المقام أرغبُ أنْ أُحيلَهُ إلى كتابٍ عُنوانُه “سقوط الآلهة في تحديث الثقافة العربية” كي يدركَ كم نحن بحاجة إلى إسقاط “الألهة البشر” كَيْ نستطيعَ أنْ ننهضَ بِوَعينا الثقافيّ. في مصر، البلدُ الغنيّ بالمبدعين، هناك الكثير من المؤلفين المتحمسين لنجيب محفوظ، منهم على سبيل المثال لا الحصر الروائي يوسف القعيد، لكنني لم أقرأ ولم أسمع القعيد قَطََّ يُدافع عن مَوْقِف نجيب محفوظ المُؤيِّد لإتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل أو عن أيٍّ من مواقف الأخير السياسية بشكل عام. جُلّ ما يفعله الرجل هو دفاعه عن محفوظ كروائي يعتبره مبدعاً. يبدو أن البعض لا يريد أن يعترف أنَّ طَرْحَ إدوارد سعيد لمبدأ التعويض بدلاً من ممارسة حقِّ العودة هو شكلٌ من أشكال إضفاء الشرعية على الإحتلال وتحويل إغتصاب الأرض إلى عملية بيع قانونية بموافقة الضحية أو بالأحرى حَفَدَة الضحية وتحويل التطهير العرقي الذي ارتُكِبَ بحق الفلسطينيين، حسب ايلان بابه، إلى تَراضٍ.

يستمرُّ صاحِبُنا في سرد أسماء الأشخاص الذين طالَهُم قَلَمُكَ بالنقد حتى يصل إلى الحائزين على جائزة نوبل لكنه ينسى أو يتناسى أهم أديبَيْن حائِزَيْن على جائزة نوبل وهما غابرييل جارسيا ماركيز، الأديب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1982، وهارولد بنتر، الكاتب المسرحي الانجليزي الحائز على نفس الجائزة لعام 2005. فقد طالب الأول لجنة جائزة نوبل للسلام، وبسبب المجازر التي ترتكبها إسرائيل يومياً بحق الفلسطينيين، طالب اللجنة سَحْبَ الجائزة من شمعون بيريس لأنه مجرم حرب ولا يستحق تلك الجائزة. أما الثاني، بنتر والذي رحل مؤخراً عن عالمنا، فقد صمَّمَ أن يقوم بسابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ تلك الجائزة عِنْدَما ضَمَّنَ كَلِمَتَهُ التي ألقاها أمامَ لَجْنَة نوبل في حفل توزيع الجوائز نقداً لاذعاً لسياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه مختلف دول العالم وتحديداً تجاه العراق؛ كما وهاجم جورج بوش وحليفه توني بلير واتهمهما بارتكاب أبشع جرائم الحرب بحق العراقيين من أجل السيطرة على نِفْطِه. وبإعترافه فقد فعل ذلك عمداً لأنه يعلم أن الكلمة التي يُلقيها الفائز تُحفظ في أرشيف الجائزة وقد أراد لكلمته أن تكون سجلاً تاريخياً شاهداً على جرائم العصر الذي عاشه. وعندما علم أنه مصاب بمرض السرطان أخذ يسابق الزمن كي يُسطِّرَ على الورق ما أراد قوله للناس وللتاريخ قبل أن توافيه المَنِيَّة. ألا تُذكرنا مواقف هذين الأديبين بقول الشاعر مظفر النواب “أتحدى أن يرفع أحداً منكم عينيه أمام حذاء فدائيٍّ يا قِرَدَة”؟

فالفرق يا عزيزي بين هذين الأديبين وبين الأسماء التي ذُكِرَت في ذلك المقال هو نفس الفرق بين الأكاديميينَ البريطانيينَ الذين قرروا مقاطعةَ الأكاديميين الإسرائيليين بسبب مواقفهم غير المشرفة من الشعب الفلسطيني ومن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي البشع ضد هذا الشعب، وبين “شيخ المُطَبِّعين” رئيس إحدى الجامعات الفلسطينية الذي لم يكتف فقط بإقامة علاقات “أكثر من طبيعية” مع الجامعات والأكاديميين الإسرائيليين بل يقوم بنقد الأكاديميين البريطانيين على موقفهم ويدافع عن صهيونية الأكاديميين الإسرائيليين. هل يذكر التاريخ “رِدَّةً” أكثر من هذه؟

أما عن الفنانين العرب الذين يأتون إلى الوطن دعماً لقضية الشعب الفلسطيني فلا أعتقد أن هناك فناناً أبْدَعَ في غنائِهِ للقضية الفلسطينية أكْثَرَ مِنْ مارسيل خليفة؛ تُستثنى فيروز من المُفاضَلَة. فَلِمَ يا تُرى قام خليفة بِإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على محمود درويش في الأُردن ولم يحضر إلى رام الله للمشاركة في تشييع الجثمان؟ هي نفس الأسباب التي تَحَدَّثْتَ عنها ألا وهو التطبيع وتوابعه. ألم يُدرك الأدباء والفنانون الذين يأتون إلى هنا لإحياء أُمسياتهم وحفلاتهم أنَّ عدم حضور مارسيل خليفة إلى هنا سببه “موقف” وليس شيئاً آخر؟

أما إتّصالُ كاتب المقال بصديقِك القديم فهذا بِحَدِّ ذاته يصلح أن يكون فكرة لرواية. يقول الكاتب الذي حاول في مقاله أن يُبَيِّض صَفحَتَهُ لكنَّهُ بِفِعْلَتِه زادَها اسوداداً، ولو اهتدى بِنِبْراسِ “وإذا بُليتُمْ فاستَتِروا” لكان خيراً له وأبقى. يقول الكاتب إنه اتّصل بصديقٍ لك تربطكما صداقة تمتد إلى ثلاثين سنة فائتة، والذي، أي الصديق، أبدى امتعاضه مؤكداً ضرورة الحديث مع صديقِه [عادل] لأن الأمر لم يعد يُحتمل”. لو كانَ صديقُكَ حقاً صدوقاً لما قام باستغابَتِكَ في حضورِ شخصٍ يُهاتِفُهُ للمرَّةِ الأولى حتى لو كانت صداقتكما تمتدُّ إلى ثلاثين ثانية وليس لثلاثين سنة. ولو كان صديقاً صدوقاً ويجرؤ على مواجهَتِكَ وَيَمْلِكُ الحُجَّةَ لِدَحْضِ حُجَّتك لَقارَعَ الحُجَّةَ بالحُجَّة وَلَقامَ بِنَقْدِكَ من على صفحاتِ الصُحُفِ والمجلات، ولأسْعَدَكَ ذلك. وحُجَّةُ صديقِك لعدمِ نقدِهِ لك علناً أنه لا يريد أن يخسرك! أيعتقدُ صديقُك أن موقف اللاموقف الذي يتخذُه مِنْكَ سَيُحافِظُ على صداقَتِكُما؟ أما المُهاتِف فَيُذََكِّرُني بالصحفيِّ المصريِّ المرحوم أحمد بهاء الدين الذي ذكر في كتابه “محاوراتي مع السادات” عبارةً تصلح أن تكون حكمة وهي “المَجالِسُ أمانات“. أما وقد أسرّ صديقُكَ المهاتَف للشخص المُهاتِف، وهو كاتب المقال، بأنه “…أنه ليس مستعداً لكتابة مقال يرد فيه على مقال سمارة، لأنه لا يريد أن يخسر صداقتهما الممتدة منذ ثلاثين عاما…” فكان حَرِيَّاً بالأخير أن يحتفظَ بما أُسِرَّ به اليه وألا يُذيعَهُ على الملأ. أم تُراه كان بحاجة لأن يستنجد بطرف ثانٍ كي يدعم موقفه الهَشّ. أمَّا وأنَّ صديقك لم يَنْقُدْكَ “كون الصداقة فوق الحقيقة” فهذه مقولةٌ زائفةٌ أنا على يقين من أنك تَرفُضُها جملة وتفصيلاً وَتَعْتَبِرُ أنَّ الحقيقةَ فَوْقَ كُلِّ شيء لأنني أعلم أنك على استعداد أن تدفع عمرك ثمناً لتبيان الحقيقة وليس تزييفها.

يقول الكاتب عنك: “ولأن هذا الرصاص الطائش الذي يُطْلِقُهُ [عادل] في كل الاتجاهات يجب أن يتوقف…”، أنا أُجيبه بأنَّ عليه أن يُريحَ نَفْسَهُ من عناء محاولة ايقافه، أي الرصاص، لكن هذه المرة ليس الطائش وإنما المُوَجَّه الذي يصيب الهدف بِدِقَّةٍ وأُستاذية، لأنه لن يَصْمِتَ إلاّ عندما يَلْفَظُ صاحبُه أنفاسَهُ الأخيرة، بعد عُمْرٍ طويل إنْ شاء الله، كي يبقى في هذا الوطن ولو حفنةٌ منَ الرجال، أقول الرجال وليس الذكور ككاتب المقال المُشار إليه وصديقِكَ القديم قِدَم الثلاثينَ عاماً، يُحافِظُون على ثَوابِتِهِم ولا يُغيرونها وِفْقَ “إذا الريحُ مالَتْ مالَ حَيْثُ تَميلُ”.

عزيزي،

يبدو أنَّ صاحِبَنا حَفِظَ بضعةَ كلماتٍ من خلال قراءاتِهِ وأخذ يَصِفُكَ بها جُزافاً، ولو أنه قام باستثمار قلمه لقول كلمة حق عند سلطان جائر لربما خرج منه شيءٌ نافع.

عزيزي،

ربما سَيَعْتَبِرُ صاحِبُنا أنَّ هذه الكلمات تدخل في باب غسيل الدماغ الذي تُفسِدُ به أفكار الآخرين، وربما سيعتبرها شيئاً من الترهيب الذي تمارِسُه على المائة ألف مواطن قاطني رام الله وكأن بيدك عصا سحريَّة كي تفعل ذلك، وربما يعتبرنا أبواقاً تدورُ في فَلَكِكَ من أجْلِ الحُصولِ على رذاذٍ من مَجِد، وربما يرثي لحالي لأنني وَقَعْتُ في مِصيَدةِ شخص فاشِيّ كما يَصِفُكَ، وربما وربما وربما. لكن اليقين الذي أحسه أننا لو كنا في دولة قانون وليس في كنتونات حكم ذاتي أُريدَ لها أن تكون كذلك، لَقُمْتُ أنا، دون استئذانِكَ، برفع قضية على الكاتب لأن مقالَه مليءٌ بِالتُهَم التي وجهها إليك والتي لا تقلّ قبحاً عن تهمة التعاون مع الاحتلال، تلك التهم الكفيلة بأن تَزُجَّ بقائلها في السجن عشرات السنين في الدول التي تحترم مواطنيها ومفكريها.

كلمة أخيرة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: “رَحِمَ الله إمْرئ أهدى إليَّ عيوبي”.

أتْرُكُكَ في رِعايَةِ اللهِ وَأَمْنِه.