هل تطالب حكوماتنا العربية بالتحقيق الدولي ؟

كاظم محمد

كان اعتراف ليفي اسحق روسنباوم المسجل من قبل احد عملاء الاف بي اي في ولاية نيوجرسي الامريكية، نهاية شهر تموز من هذه السنة، بانه الوسيط المنظم لعمليات التجارة بالاعضاء البشرية، نهاية المطاف لفترة طويلة من المتابعة والتحقيقات ومن ثم إلقاء القبض على مجموعة متنفذة تضم سياسيين ووموظفين كبار وعدد من الحاخامت اليهود ومنهم ليفي اسحق، حيث تقوم هذه المجموعة بعمليات غسيل الاموال والتجارة غير المشروعة.

وكانت صحيفة (اخبار نيوجرسي ريال تايم) اول من نشراعترافات الحاخام اليهودي (ليفي اسحق) مرفقة بصورله لحظة القاء القبض عليه، والذي اقر فيها بانه ولسنوات طويلة امتهن تجارة الاعضاء البشرية، وانه اشترى وباع كميات كبيرة من الاعضاء البشرية التي تورد له من اسرائيل، وكان ليفي مزهوا بحديثه مع عميل الاف بي اي عند ذكر بافتخار، بانه لم يفشل قط بتأمين المطلوب من زبائنه في الولايات المتحدة خلال هذه السنوات، في الوقت الذي اقر بان وسطاء في اسرائيل يأمنون حاجته من الاعضاء البشرية بسعر 10000 دولار ويبيعها 160000 دولار لزبائنه في الولايات المتحدة.

وقد شجعت هذه الاعترافات الصاعقة بعض الاوساط السياسية والعلمية والمتتبعين لهذه النشاط التجاري الاسود على حث السلطات الامريكية لكشف شبكات اخرى متورطة في هذا النوع من التجارة السوداء، وذو ارتباطات بدول معروفة، ترعى بشكل مباشر او غير مباشر هذه المافيات التي تتخذ من الانسان ككائن بضاعة وباخس الطرق الاجرامية. فقد كتب البرفسور (فرانسيس ديلمونيسيس) العامل في جامعة هارفاد في مجال جراحة وزرع الاعضاء، وعضو مؤسسة كندي،كتب في صحيفة اخبار نيوجرسي ( ان تجارة الاعضاء البشرية المشبوهة قائمة في اسرائيل كما في غيرها من الدول، وان 10% من مجمل هذه التجارة تجري في اسرائيل وخاصة تجارة الكلى.. ) وكذلك دعا البرفسور(الى ضرورة اجراء تحقيق دولي حول هذه التجارة وحول جرائم الحرب الاسرائيلية التي يشتبه بعلاقتها بهذا النوع من التجارة ).

ان هذه الفضيحة اثارت الراي العام الامريكي، وخاصة في اوساط المؤسسة الرسمية لنقل وتوزيع الاعضاء البشرية، لكنها ما لبثت ان توارت اخبارها واسماء ابطالها من على الصفحات الرئيسية، وعناوين الاخبار المحلية، للتخفيف من اثارها وتبعاتها السياسية على من يقف وراء هذه المجموعة من دول او سياسيين محليين ترتبط اسمائهم باعلى السلطات التشريعية والتنفيذية في الولايات المتحدة الامريكية.

ان اسرائيل قد عُرفت ومنذ سنوات طويلة، بتجارتها السرية للاعضاء البشرية، خاصة مع بعض الدول التي ترسخت فيها تقاليد مافيوية اجرامية تتخذ من الغطاء السياسي لاصحاب النفوذ السلطوي حاميا لها، وبهذا الصدد فقد نشرت صحيفة (داكنس نيهيتر/ اخبار اليوم) السويدية في 5/ ديسمبر من عام 2003 تقريرا حول البلدان التي تتقدم قائمة الدول الراعية لهذه التجارة وخاصة اسرائيل وبعض بلدان اوربا الشرقية وامريكا اللاتينية، حيث اشار التقرير الى ان السياسيين في اسرائيل على علم ودراية بكافة النشاطات التي تتعلق بتجارة الاعضاء البشرية، وان بعض مسؤولي القطاع الصحي ومديري المستشفيات الكبيرة هم من يساهم في ادارةهذا النشاط عبر وسطاء مع عدد من الدول في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، اضافة الى الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينين الاسرى او الجرحى والذين يسقطون في المواجهات اليومية مع قوات الاحتلال الاسرائيلي، حيث تستقطع اعضائهم للمتاجرة بها.

كان ما حدث في ولاية نيوجرسي الامريكية، بألقاء القبض على المجموعة التي تمارس نشاطات متنوعة وممنوعة، ومنهم (اسحاق ليفي) المتخصص بتجاررة الاعضاء البشرية، ونشرقسم من اعترافاته المسجلة، الحافز الاكبر للكاتب والصحفي السويدي (دونالد بوستروم) والمعروف بتعاطفه مع قضية الشعب الفلسطيني، في نشر تحقيقه الصحفي على صفحات جريدة (الافتون بلادت/ الصحيفة المسائية) الصادرة في استكهولم بتاريخ 17-8-2009 والذي اثار حفيظة الحكومة الاسرائيلية وبعض المنظمات والشخصيات المؤيدة لاسرائيل في السويد وبعض البلدان الاوربية، وبنفس الوقت ادى الى نوع من التوتر الدبلوماسي بين الحكومة السويدية والحكومة الاسرائيلية، على أثر المطالبات الاسرائيلية بادانة رسمية وباعتذار رسمي من قبل الحكومة السويدية لنشر التحقيق الصحفي، والتي بدورها رفضت الحكومة السويدية الطلب الاسرائيلي، واعتبرته حجبا على حرية الرأي والنشرالتي لا تتطلب الاعتذار، وهذا ما اجبر وزير الخارجية السويدي فيما بعد لألغاء زيارته المقررة لأسرائيل.

طبعآ وكعادة الاسرائيلين والمؤيدين لهم، لم يوفروا جهدا، في وضع هذا التحقيق الصحفي في خانة معاداة السامية واليهود، وبدا التباكي والتذكير بمظلومية اليهود عبر التاريخ، واتهام السويد بممارسة الموقف المعادي لليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهذا ما جاء على لسان وزير الخارجية الاسرائيلي (ليبرمان) عندما وصف دفاع وزير خارجية السويد (كارل بلدت) عن حرية الصحافة والنشر، بانه موقف يذكر اليهود بمواقف السويد السابقة، اما عضو البرلمان الاوربي (كونر هوكمارك) وهو من حزب المحافظين في السويد، فقد وصف مدير تحرير جريدة (الافتون بلادت ) بانه نازي، والجريدة بمجملها تخدم قوى ظلامية ويجب ان تتوقف.

لقد دفعت الدوائر والمنظمات المؤيدة لاسرائيل وبالترافق مع حملة تصريحات استفزازية، الى رفع دعاوى قضائية ضد الجريدة المذكورة وكاتب التحقيق ومدير التحرير، بدعوى معاداة السامية،اضافة الى هجمة اعلامية تبنتها صحف ورؤساء تحرير، وشاركت فيها سفيرة السويد في اسرائيل، وهي معروفة بتاييدها لاسرائيل، والتي وصفت التقرير بانه مقزز ولا اخلاقي، مما اضطر وزارة الخارجية السويدية الى سحب تصريحها من موقع الوزارة لانه يخالف الموقف الرسمي للحكومة السويدية. ان شن حرب دبلوماسية واعلامية اسرائيلية، وممارسة مختلف انواع الضغوط والابتزاز على الحكومة والصحافة السويدية، يدخل في ادراك اسرائيل لمدى الضرر الذي سببه ويمكن ان يسببه هذا الفضح الجرئ لجرائم اسرائيل ضد ابناء الشعب الفلسطيني ولعلاقاتها مع مجاميع الاجرام الدولي.

ان هذا التقرير، والذي اثار ضجة كبيرة، يكتسب اهمية متميزة من حيث توقيت نشره ومن حيث طبيعة القضية التي تناولها رغم ان هذا التحقيق الصحفي، المعزز بالصور والدلائل والشهود، قد تم انجازه قبل سبعة عشر عاما 1992، عندما قتل الجيش الاسرائيلي الشاب (بلال احمد) من قرية (اماتين) في الضفة الغربية، وهو احد ابطال انتفاضة الحجارة الفلسطينية ومن المطلوبين لاسرائيل.

فلم يكن مستغربا رد الفعل الاسرائيلي العنيف اعلاميا ودبلوماسيا على طبيعة ما كتبته الصحيفة السويدية، والذي ليس فقط فضح الجريمة الاسرائيلية، بل ربط بشكل ناجح بينها وبين المنظمة التي تم القاء القبض عليها في نيوجرسي، والتي كانت السلطات الامريكية تتابع نشاطها منذ سنوات، وبنفس الوقت وجه جملة من الاسئلة التي على اسرائيل الاجابة عليها.

لقد وصف (دونالد بو ستروم) كيف كانت ليلة الثالث عشر من مايس 1992، عندما اجتاحت قوة عسكرية خاصة بلباس مدني هذه القرية ومنعت التجول، بعد ان قطعت الكهرباء عنها، وهُدد سكان القرية باطلاق النار على كل من يخالف حظر التجوال، وبعد ان اخذت مواقعها في احدى ورش النجارة كمكن( للصيد) المتوقع قدومه من مكان اختفاءه مع رفاق اخرين في جبل نابلس، وبعد انتظار طويل ظهر احمد بلال وصوب افراد القوة الخاصة نحوه حيث اصيب بثلاث طلقات في الصدر والرجلين، وبعدها رصاصة اضافية في بطنه قبل سحبه، ولما سمع موظفوا الامم المتحدة ورجال الهلال الاحمر اطلاق النار، هرعوا لاسعاف بلال احمد، إلا ان القوة الاسرائيلية منعتهم وحملته بسيارة جيب الى خارج القرية، حيث كانت بانتظارهم طائرة هليكوبترعسكرية حملته الى جهة مجهولة. وبعد خمسة ايام سُلم في ظلام الليل الى اهله جثة هامدة ملفوفة بقماش اخضر من قبل قوة عسكرية يراسها الضابط (ايعاز) المعروف بقسوته من قبل سكان القرية، لكي يدفن مباشرة من قبل اهله دون ضجةٍ حسب الاوامر العسكرية، وعندما أُنزل القبراكتشف الجميع الفتح الجراحي للجثة وعلى طول الجزء العلوي للجسد من الرقبة وحتى الحزام، والذي اثار غضب واستنكار الاهالي لمعرفتهم بطبيعة التشريح الذي جرى واسبابه في استقطاع الاعضاء البشرية من الجرحى وتركهم يموتون بعد ذلك.

كان الكاتب والصحفي السويدي (دونالد بوستروم)، قد كلف من قبل احدى محطات التلفزة في وقتها للقيام بالتحقيق الصحفي للتاكد من ادعاءات الاهالي الفلسطينين في الضفة والقطاع، بان الجيش الاسرائيلي يقوم بسرقة االاعضاء البشرية لابنائهم قبل قتلهم، وجاء هذا التكليف بعد ان اتصل بعض العاملين في منظمات الامم االمتحدة في المناطق الفلسطينية بهذا االصحفي، حيث اعربوا له عن قلقهم المتزايد من قضية سرقة الاعضاء البشرية، وانهم لا يستطيععون التصرف بسبب الموانع التي تفرضها سلطات الاحتلال على تحركاتهم الاجرائية.

وبعد ان طاف هذا الصحفي اغلب المناطق المحتلة والتقى الكثير من العوائل المنكوبة بأولادها، والذين اكدوا استلام جثث ابنائهم الجرحى ليلا وهي مشرحة بعد اختفائهم لعدة ايام في اماكن مجهولة، كان شاهدا على جريمة اغتيال الشاب بلال احمد والتي وثقها بالصور لجثته المشرحة ولعائلته المنكوبة. لقد تم احصاء اكثر من 133 قتيلا فلسطينيا في تلك السنة، وقد قتلوا بطرق مختلفة حيث تم تشريح 69 منهم فقط وهم االذين اصيبوا باصابات بليغة وتم نقلهم الى الاماكن المجهولة، وهذا ما يتناقض مع ما صرح به الناطق باسم الجيش الاسرائيلي، بان ادعاءات الفلسطينين بسرقة الاعضاء البشرية لااساس لها، لان قضية التشريح هي عملية روتينية تجري لكل القتلى الفلسطينين.

لقد كان هذا التقرير المُعد من قبل الصحفي السويدي، والذي لم تنشره المحطة التلفزيونية في وقتها، ونشرته مؤخرا صحيفة الافتون بلادت، مهنيا بلا مبالغة او انحياز في نقل الوقائع وفي طرحه لمجموعة من الاسئلة الحساسة التي تتطلب الاجابة عليها ليس اسرائيليا فقط بل عربيا ودوليا، خاصة مع اختفاء المئات من الاطفال والشباب في العراق ومصروالجزائر والمغرب وافغانستان وباكستان وغيرها من بلدان العالم، التي تشهد ازدهارا خفيا للتزواج بين المافيات الاجرامية والمافيات السياسية، المدنية منها والعسكرية، اضافة الى الدور القذر الذي تقوم به الشركات الامنية الخاصة والتي ترتبط بعقود عمل مع سلطات الاحتلال في بعض البلدان مثل العراق وافغانستان، حيث تمارس نشاطاتها بحرية تامة، في الاعتقال والقتل والخطف.

لم تتعرض السلطة السياسية الفلسطينية في رام اللة الى ما قامت وتقوم به اسرائيل من جريمة بحق الشباب الفلسطيني المقاوم، ولم يدرج على جدول مواقفها، اتخاذ موقف سياسي واعلامي على سرقة الاعضاء البشرية لمواطنيها، ناهيك عن مطالبة المنظمات الدولية بالتحقيق بما يجري، اما ردود فعلها على ما اثاره هذا التحقيق الصحفي المنشور في جريدة اوربية، فهي ليست ذات قيمة تذكر، وكأن ما نشر لا يتعلق بمواطنيها ولا يتطلب اثارة قضية قد تعرقل مفاوضات ( السلام) القادمة.

ان الاصرار المهني والاخلاقي الذي تميزت به هذه الوسيلة الاعلامية الغربية في الدفاع عن موقفها والتمسك بفضح جرائم جيش الاحتلال الاسرائيلي، والدور الاسرائيلي في تجارة الاعضاء البشرية دوليا، دعاها الى تاكيد ما نشرته في 17-8-2009 بنشر تحقيق صحفي اخر بتاريخ 24-8-2009 حول عائلة الشهيد بلال احمد، حيث تمت زيارتهم في قريتهم مؤخرا من قبل الصحفيين (اويسين كانتفيل و اوربان اندرشون)، واللقاء مجددا بام بلال واخيه جلال 32 عاما والذي كان عمره انذاك خمسة عشر عاما، لياكدوا من جديد كشهود عيان جريمة جيش الاحتلال وليعيدوا طرح الاسئلة التي تبنتها هذه الصحيفة.

ففي الوقت الذي يصر رئيس تحرير جريدة (الافتون بلادت) (يان هلن) على ضرورة ان تجيب اسرائيل على هذه الاسئلة المحرجة التي يطرحها التحقيق الصحفي، واتهامات عوائل الشهداء لها بسرقة اعضاء ابنائهم، وذلك في مقال افتتاحي نشره على صفحات نفس الجريدة بتاريخ 23-8-2009 في اطار رده على الحملة التي تتعرض لها جريدته وهو شخصيا، فأن سلطة رام اللة الفلسطينية ومعها السلطات العربية، لم تطالب اسرائيل بالاجابة حتى عن سؤال واحد فيما يتعلق باتهامات الاهالي الفلسطينين للجيش الاسرائيلي و بالكشف عن مصير المفقودين والمختفين من ابنائها، فهذه السلطات بقدر ما هي غائبة عن اهمية الادانة الاعلامية والسياسية التي وفرها نشر هذ التحقيق دوليا، وغائبة حتى عن ما يمكن ان يعزز موقفها امام شعبها، فهي مطالبة وبقوة للتحرك بوضع تساؤلات مواطنيها امام الهيئات الدولية وبتغيير نهج التبعية والانبطاح الذي شجع اسرائيل على ارتكاب جرائمها المشينة.