التطبيع: موقف انهزامي، استسلام وقائي، وجنوح استرزاقي!

نورالدين عواد

هافانا

الصراع الدائر تاريخيا على ارض فلسطين صراع معقد يتداخل فيه الوطني والقومي والطبقي، في سياق محلي واقليمي ودولي متعدد المداخل والابعاد. واتخذ هذا الصراع اشكالا متعددة وعلى كل الجبهات. وتشارك فيه قوى من مختلف الاديان والامم والايديولوجيات. ولكل فهمه ومنطلقاته ومصالحه مهما كانت النوايا والغايات.

راهنا، بالمعنى التاريخي، تشهد لوحة الصراع حالة استقطاب انقى من قوس قزح في يوم صيف استوائي: اصطفافات طبقية لا سابق لها في المنطقة وفي العالم، الحابل في خندق والنابل في خندق مقابل، والاشتباك هو العلاقة الوحيدة الممكنة والسائدة بين المتخندقين، احيانا بالسلاح العسكري المادي واحيانا بالسلاح الثقافي: النفسي والمعنوي والاخلاقي والفكري.

خلال حرب التحرير والاستقلال الكوبية الاولى ضد الاستعمار الاسباني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبعد عشرة سنوات من الكفاح المسلح، استطاعت الامبراطورية الاسبانية ان تخترق صفوف قيادة الثورة وتعقد اتفاقا أوسلويا تماما مع جزء كبير منها اطلق عليه اسم اتفاق الزانخون، الذي اصبح لاحقا كناية عن الاستسلام الوقائي والخيانة الوطنية والاسترزاق. غير ان الجزء الآخر، الاقلية، بقي امينا لنضالات وتضحيات الشعب والامة الناشئة ورفض الخنوع والاغراءات وبطاقات فيب ذلك الزمان، وواصل الكفاح في ظل ظروف شبيهة باوضاع اوائل المسلمين في شعاب مكة. واطلق قائده صرخة باراغواه الشهيرة ( تحت الشجرة)، موقفا رجوليا كناية عن الصمود والتصدي والكرامة والوطنية الاصيلة.

في لحظة من لحظات الصراع، وفي مكان معين من جغرافيته المحدودة، استنزف سلاح الثوار ولم يبق منه الا قليلا. كان قائد تلك المنطقة مجتمعا مع جنده لوضع خطة العمليات اللاحقة، فسأله احدهم: وبأي سلاح ستقاتل؟ فأجاب: بحياء الكوبيين!! واستمرت الحرب الثورية وتخللتها هدنة موضوعية غير مشروطة واستمرت بعدها الثورة، ونشات معسكرات الاعتقال الجماعي، ولم تنتصر الثورة في حينها، ووقعت البلاد فريسة للحقبة الامريكية لمد ستين عاما، وفي النهاية انتصرت الثورة بالسلاح والفكر، وبافق اشتراكي منذ نصف قرن من الزمان.

على امتداد تلك الحقبة، بموازاة تلك الاحداث العسكرية والسياسية ، نشات قوى مضادة للثورة داخليا، مجموعات امن وقائي وفرق موت على طريقة دايتون الامريكي في الضفة الغربية الفلسطينية، لمقاتلة الثوار وتدمير قاعدتهم الاجتماعية (الفلاحين) مقابل بيسو واحد يوميا (عملة البلاد) [ الدول المانحة في فلسطين تدفع مليارات الدولارات] وتيار من المثقفين المتساقطين الداعين الى الاستمرار في ضم والحاق كوبا باسبانيا اولا، ومنذ بداية القرن العشرين ضمها الى امريكا، بكل ما يترتب على ذلك من فقدان الهوية والوطن والامة. فهم “مثقفون في خدمة الآخر” اي في خدمة العدو التاريخي للامة، يعتاشون على فتات موائد الاسياد تماما كما يحصل مع تيارات الانجزة والثقافة المبتذلة من المحيط الى الخليج.

الصراع متعدد الجبهات والخنادق. العدو الامبريالي الصهيوني الرجعي العربي والاوسلوي يصر على الحاق هزيمة نكراء بالامة كاملة وليس بشعب فلسطين وحدها وحقق انتصارات عسكرية وسياسية واقتصادية ويحاول تقويض آخر معاقلنا الاستراتيجية: الجبهة الثقافية بكل ما تعنيه من المكونات الروحية والنفسية والفكرية والحضارية التاريحية.

امام معاقلهم العسكرية والسياسية والاقتصادية لا بد من صمود معاقلنا الثقافية، امام متاريسهم الحجرية والحديدية لا بد من متاريسنا الفكرية دون التخلي عما بقي في شعب فلسطين وامتناالعربية من حياء ورصاص، فـ “كل الانبياء المسلحين انتصروا وعندما تخلوا عن سلاحهم هزموا” ( في هذه المرة صدق ميكيافيللي).

التطبيع باي شكل من الاشكال خنجر سام في روح القضية ومتاريسها المادية والمعنوية. ان تحاول الضحية وتجد وتجتهد في تبرير جريمة الجلاد، فهذه ثالثة الاثافي وانتحار استباقي لما تبقى في الروح من غريزة البقاء على قيد الحياة. انه اغتراب الروح والجسد، ومنفى اختيارى يتجاوز الذات والوطن والكون. انه نفي الذات لاثبات وجود الآخر وكينونته كحل جذري للصراع. وماذا تريد الهيمنة الايديولوجية لللبرالية الجديدة اكثر من “ان تضع خصومها في جيبها ـ غرامشي ـ وتجعلهم يفكرون بمقولاتها وانطلاقا من رؤيتها الطبقية”. لم يحلم آباء الامبريالية الصهيونية بخدمة جليلة مثل التطبيع الفلسطيني، ربحا صافيا لسمسرة وربا المشروع الصهيوني في قلب الامة العربية. فهل ادرك اليسراويون ومن يدعون اليسار والثورة والاشتراكية مغزى هذه العبارة وعواقبها؟

سادات كامب ديفيد ارادوا ان يكسروا الحاجز النفسي للامة تمهيدا للتطبيع السلمي، وسادات اوسلو ارادوا ويريدون ان يكسروا كل الحواجز الفلسطينية، فحطموا كل حواجز الامة والقضية وقوضوا مناعتها المادية والمعنوية. فالاولى بالمطبعين والذين تراودهم انفسهم بالتطبيع المجاني او الاسترزاقي الامتثال الى اخلاق ومباديء الامة وتراثها وتاريخها وتجارب الامم الحرة، والبناء عليه وعدم الانجرار وراء دراهم معدودة. فالقناعة كنز لا يفنى، وما يعطيه راس المال باليد اليمنى ياخذه اضعافا باليد الاخرى. فقد حذر القرآن الكريم من مغبة التطبيع والردة منذ 14 قرنا. ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم* قل ان الهدى هدى الله ولئن اتبعت اهواءهم انك اذا من الضالين” فهل ادرك المثقفون الاسلاميون او الاسلامويون معنى الآية والتزموا بها؟

يريدونها معركة فكرية مع غير المطبعين فليكن، فهذا امر صحي مفيد. لكن على قاعدة الالتزام بالوطن والقضية وليس الارتهان الى موائد القنصليات الاوروامريكية وكلها صهيونية حتى النخاع. وان لا يكونوا كالذي شن حملة فيروسية على المقاومة المسلحة بدعوى “عدم واقعيتها وحقارتها”، وفي الوقت نفسه يعد 50 الفا من العناصر المسلحة بامرة دايتون وصحبه لمقاتلة المقاومة والشعب وحماية امن جنود وقطعان مستوطنين العدو التاريخي. فأين الواقعية وأين الحقارة؟

فيا ايها المطبعون رسلا رسلا، فنهاية التاريخ عند فوكوياما انتهت وتراجع عنها دعاتها الذين اخترعوها. وقد يخبو الصراع قليلا، وتكفهر السماء غيوما وتزوغ الابصار وتعمى القلوب الى اجل مسمى، الا ان الحق والحقيقة تفرض نفسها في نهاية المطاف، وارادة الشعوب والامم أضمن وابقى. والتاريخ لا يرحم.

ويا ايها القابضون على جمر القضية المقدسة، كونوا مشاعل فكر ومتاريس ثقافة، وتمسكوا بسيادتكم الفردية ان عزّت سيادة الجماعة واستقلاليتكم الشخصية ان تعسّرت استقلالية الوطن و كرامتكم الآدمية ان دنّست كرامة الامة والبشرية. فطلائع الامم لم تكن اكثرية ابدا، بل كانت قيادة حقيقية للاكثرية نحو التقدم والحرية والانعتاق. وقياسا على قول البطل القومي الكوبي خوسيه مارتي ” لا يوجد ملك مثل صحفي شريف” نقول لا يوجد امبراطور اقوى من مثقف شريف” و”اعلى مراتب الجهاد قول كلمة حق عند سلطان جائر”.