قاهرة منتصف النهار

د. ثائر دوري

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد2019 )

صدر عن دار قدمس كتاب “سياحة الليل.. سياحة النهار”.للكاتبة الأمريكية “ليسا ون”، ومن ترجمة صخر الحاج حسين. فكرة الكتاب حسب المؤلفة نشأت عن رغبتها بدراسة سلوك السياح السعوديين في بيئة اجتماعية مغايرة، ومقارنتها بمجموعة أخرى من السياح هم الغربيون.

سياحة النهار يقوم بها السياح الغربيون الذين يستيقظون باكراً ويذهبون لزيارة أهرام الجيزة قبل ارتفاع الحرارة، وهم يسكنون في فنادق راقية ونادراً ما يحتكون بالمصريين لأنهم يخافون من كل شيء، من الجراثيم، من البشر، من نوعية الطعام. وينصب اهتمامهم الوحيد على المرحلة الفرعونية، كما أن عدداً منهم لا يعرف شيئاً عن مصر المعاصرة. ومقابل هذه المجموعة هناك مجموعة السياح الذين تطلق عليهم المؤلفة “العرب” وتعني السياح الآتين من منطقة الخليج العربي وهؤلاء نشاطهم ليلي، فهم يذهبون للملاهي والمرابع الليلية ويستمتعون بمتع القاهرة الليلية المسموح منها والممنوع، وهم لا يهتمون أبداً بالآثار الفرعونية.

ونلاحظ أن الكاتبة بذلت جهداً كبيراً خلال عملها فهي أجرت عدداً كبيراً من اللقاءات الميدانية، ورصدت الصور النمطية التي يشكلها المصريون تجاه كل من الغربيين والعرب، وبالعكس. لكنها ولأسباب سنذكرها لاحقاً قدمت صورة أشبه بالصورة المنعكسة عن مرآة مهشمة تحتاج إلى جهد كبير لإعادة تركيبها لتعطي صورة موضوعية للواقع.

فمنذ الصفحات الأولى للكتاب نلاحظ أن الكاتبة واقعة في شباك المركزية الغربية التي تفترض أن أوربا بشكلها الراهن هي مركز العالم منذ أقدم العصور وأن اليونان القديمة وروما الأحدث منها هما أسلاف أوربا المعاصرة. فهي تُرجع تاريخ السياحة الغربية الحالي في مصر إلى عهود الإغريق “لقد جال الغربيون مصر منذ عهود الإغريق القدماء، سالكين طريقاً سياحية آمنه على طول نهر النيل” ص27. وفي مكان آخر تقول “لألفيات خلت درج تقليد لرحالة غربيين، من الإغريق إلى الرومان إلى أوربيي القرن التاسع عشر تجلى في قراءة هيردت كنوع من كتيب سياحي يعين الناس إلى مصر”.

وهذا غير صحيح قط فأوربا بشكلها الراهن لم تنشأ إلا قبل ألف عام ولم تصبح مركز النظام العالمي إلا قبل خمسمائة عام. وقبلها كان مركز الفعل الحضاري والتاريخي ولآلاف السنين يقع في المساحة الكائنة بين الرافدين ووادي النيل. وأن اليونان وروما طرف لهذا المركز.

كما أن وقوعها في شباك المركزية الغربية أدى إلى نسيانها أكثر من ألف عام من تاريخ مصر واعتبارها غير موجودة، نعني المرحلة الوسيطة التي ساد فيها العرب والمسلمون العالم، وكانت مصر فيها مركز العالم العربي- الإسلامي لمدة خمسمائة سنة على الأقل، وأحد المراكز الأساسية فيه لألف عام. وهذا التجاهل للحقبة العربية- الإسلامية تيمة ثابتة في فكر المركزية الغربية، فهو حين يتحدث عن تاريخ أي بلد عربي أو إسلامي، أو عن التاريخ البشري يختصره على إلى مرحلتين إحداهما قديمة تنتهي عند روما، والثانية حديثة تبدأ مع نهوض الغرب المعاصر متجاهلاً المرحلة الوسيطة بشكل تام، فإما أن يعتبرها غير موجودة قط، أو يصفها بالظلام. وكل من يقع في شباك المركزية الغربية سيقع في هذه الحفرة.

تتحدث الكاتبة عن تاريخ مصر على أنه مكون من حقبتين فقط هما: الفرعونية، ومصر المعاصرة مقطوعة عن تاريخها العربي الإسلامي وموصولة بماض فرعوني متوهم. لذلك نراها تضع فقرة صغيرة على شكل سؤال: هل كان العرب والمصريون مهتمين بمصر القديمة؟

ونراها تجيب بسطر واحد فتقول “فالمسلمون الأوائل اهتموا بالآثار الفرعونية، ورأوا فيها بقايا عرق قديم من السحرة العماليق..”. ثم تتحدث بعدة أسطر إضافية عن رغبة العرب المسلمين باصطياد الثروات باستخدام السحر في مصر. ثم تقفز مباشرة إلى القرن التاسع عشر لتتحدث عن اهتمام المصريين المعاصرين بالتاريخ الفرعوني. ولو أن المؤلفة بذلت جهداً إضافياً لعرفت أن نظرتها غير صحيحة، فقد صار معروفاً على نطاق واسع أن العرب و المسلمون كان لديهم علم آثار حقيقي يرصده الدكتور عكاشة الدالي في كتابه الصادر عن جامعة كمبريدج بعنوان The Missing Millennium Ancient Egypt in Medieval Arabic Writings

الألفية الضائعة “مصر القديمة في كتابات الآثاريين العرب” والذي يرصد نشاط الآثاريين العرب والمسلمين في ألف عام وسيطة يتجاهلها الغربيون. يقول الدكتور الدالي:

“كل مشكلتي كعالم عربي أن هناك فجوة تمتد إلى حوالي ألف سنة، لا توجد فيها معلومات عن مصر القديمة على الإطلاق. وعندما تريد أن تدرس الآثار المصرية كطالب فإن أول فصل تدرسه هو مصادر دراسة الآثار المصرية نفسها مثل الأهرامات والمعابد، وتلك المنقولة مثل البرديات والآثار الصغيرة الحجم الموجودة في المتاحف. ثم ترفق ذلك بصورة مصر في مصادر الشرق الأدنى القديم في آثار سورية والعراق، ومنها المصادر اليونانية والرومانية كما وردت عند مؤرخين كبار مثل هيرودوتس المشهور “بأبي التاريخ” وبلوتارك وديودوروس، ثم تقفز حوالي ألف سنة حتى تصل إلى عصر النهضة الأوروبي في القرن الخامس أو السادس عشر.

إذن لدينا فجوة تصل إلى ألف سنة لا تحتوي على أية مصادر لمصر القديمة. وقد اقترحت في رسالتي العلمية أن تملأ هذه الفجوة بالمصادر العربية”.

كما يؤكد أن ابن وحشية هو أول من فك رموز اللغة الهيروغليفية وأن شامبليون قد اطلع على كتابات ابن وحشية وطبقها في فك رموز حجر رشيد، يقول: “لابن وحشية كتاب عنوانه “شوق المستهام في البحث عن رموز الأحلام”، يتكلم فيه عن 90 لغة قديمة ومنها المصرية القديمة. وتكلم عن إنجاز كان معروفاً قبله وهو أن الرموز الهيروغليفية هي حروف أبجدية لها قيم صوتية. وله انجاز آخر خطير وهو إدراكه أن بعض هذه الأشكال الهيروغليفية مخصص- Signifiers أي أن هذه الحروف تميز معنى كلمة معينة من معنى كلمة أخرى مشابهة. وهو أول عالم في التاريخ يقوم بهذا الانجاز. ويوجد في كتاب ابن وحشية لائحة بالرموز المصرية القديمة Sign List وقد قارنت شخصيا ً لائحة ابن وحشية بلائحة لعالم بريطاني يعتبر مرجعا ً في اللغة المصرية القديمة وهو آلان غاروز. فوجدت أن ابن وحشية استطاع أن يعرف القيمة الصوتية لـ 5 أحرف من اللغة الهيروغليفية. وإذا قارناه بشامبليون نجد أن ابن وحشية تفوق عليه لأن شامبليون استطاع أن يعرف في البداية القيمة الصوتية لثلاثة أحرف فقط. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن ابن وحشية لم يكن عالما ً لغويا ً وإنما عالم كيمياء ومع ذلك حقق الذي حققه في القرن التاسع الميلادي. ونجد في القرن الرابع عشر العالم العراقي أيضا أبا القاسم العراقي، وله كتب كثيرة جداً، ومنها كتاب “الأقاليم السبعة” الذي يتناول المسلّات واللوحات المصرية. ويحتوي الكتاب على جدول يتضمن الحروف الهيروغليفية والقيمة الصوتية لها في اللغة العربية. وقد نجح أبو القاسم في تحديد القيمة الصوتية الصحيحة لستة حروف. وبالمناسبة، كان العرب يطلقون على الحرف الهيروغليفي اسم “الحرف البرباوي”، والبرباوي مشتقة من كلمة “بربا” التي تعني “المعبد” في اللغة المصرية القديمة. ذلك أن العرب شاهدوا هذه الحروف داخل المعابد المصرية القديمة. وأشير هنا إلى أن الفرنسيين حصلوا على الكثير من المخطوطات العربية قبل مجيء نابليون إلى مصر. وشامبليون نفسه تعلم العربية لأنه أدرك أنه يوجد كنوز في المصادر العربية ضرورية له. وحجر الرشيد نفسه لم ينقل وحده إلى بريطانيا وإنما نقلت معه مئات المخطوطات العربية، وهذا الموضوع لا يشار إليه البتة. وهذه المخطوطات التي صادرها البريطانيون من الفرنسيين تشكل اليوم عماد المجموعة العربية في المكتبة البريطانية”.

نتمنى على الكاتبة أن تطلع على هذا الكتاب لتعيد النظر في قراءتها للتاريخ ولمصر المعاصرة، كما نتمنى على دار قدمس أن تقوم بترجمته ليتم تعميم هذه المعارف على شريحة أكبر من القراء علّنا نتخلص من فكر المركزية الغربية الذي يعتبرنا غير موجودين على هذه الأرض.

تتابع الكاتبة تاريخ ما يسمى بعلم المصريات وترده إلى غزو نابليون بونابرت إلى مصر وهذا صحيح تماما. وكنت أتمنى لو أنها استفادت من عمل الكاتب مارتن برنال “أثينا السوداء” الذي تشير له إشارة عابرة في كتابها، فهذا الكاتب قدم عرضاً تاريخياً رائعاً لأسباب اهتمام الغربيين بمصر الفرعونية. كما قدم رؤية تاريخية بديلة للمركزية الأوربية إذ يؤكد وجود مستوطنات فينيقية ومصرية في اليونان القديمة.

على أية حال أشارت المؤلفة عدة مرات إلى علاقة الامبريالية بتشكيل علم المصريات الذي بقي مدة طويلة محصوراً بالغربيين ولا يزال رغم دخول المصريين في هذا المجال فمن الصعب أن تجد بحثاً منشوراً باللغة العربية!

كما أشارت الكاتبة إلى دور الامبريالية نفسها في تشكيل صورة مصر المعاصرة عند المصريين، لكنها كانت بحاجة للوقوف مطولاً عند هذه النقطة، وتعميقها إذ لا يكفي رصد الصور النمطية السائدة عن الخليجيين لدى المصريين وبالعكس فهذه الأنماط من الصور هي عبارة عن شكل مبسط من الايدولوجيا يتم تعميمه بشكل شعبي عبر وسائل الإعلام المسيطر عليها من قبل سلطات سواء كانت خارجية أم داخلية، وبالتالي فهي تؤدي وظيفة ما في علاقات السيطرة والسلطة، فهي ليست بحيادية ولا من إبداع الناس العفوي.

إن الإمبريالية التي أنتجت علم المصريات باعتراف المؤلفة نفسها، وعززت نزعة الافتخار الفارغ بالمرحلة الفرعونية، ووضعت مصر الفرعونية الميتة في سياق تناحري مع مصر العربية- المسلمة الحية، إن الإمبريالية الغربية هي التي تضخ الدم في شرايين علم المصريات، وفي النزعة الفرعونية حتى اليوم لأن أي محلل بسيط لنظام السيطرة الغربية على المنطقة يدرك أن من مصلحة الغرب أن يترسخ الانتماء الفرعوني، الذي لا يقدم ولا يؤخر، بدلاً عن الانتماء العربي الإسلامي الذي يجعلهم يلتحمون مع محيطهم العربي- الإسلامي ويحاولون استعادة دورهم فيه، وبالتالي يهددون السيطرة الغربية على المنطقة كما جرى في عهد الرئيس الراحل عبد الناصر. كما أن أي نظام يحكم مصر ويريد أن يتنصل من مهامه ليتحول إلى تابع للغرب سيعزز النزعة الفرعونية. ورغم أن الكاتبة تدرك أن صورة مصر الفرعونية تكونت بتأثير الإمبريالية إلا أنها لم تعمق هذه النقطة ولو فعلت لخرجت بصورة مكتملة بدل تلك المشظاة التي قدمها لنا الكتاب.

تُقدمُ قاهرة اليوم نفسها لزوارها بين قطبي الليل والنهار. تقدم نفسها قاهرة بين حدين أحدهما الأهرامات والآثار الفرعونية، والثاني المرابع والملاهي ليلية، لكن هناك قاهرة منتصف النهار المهملة المحرومة التي ليس لها ذكر، قاهرة تستيقظ بعد أن ينهي السياح الغربيون جولتهم الصباحية الباكرة إلى الأهرامات، وتنام قبل أن يذهب الخليجيون إلى مرابعهم الليلية. ويعيش بها ملايين البشر يأكلون ويشربون، يعملون ويحبون، يكرهون، يفرحون ويحزنون…. الخ.

قاهرة منتصف النهار مدينة عربية إسلامية أنشأها المعز لدين الله الفاطمي، وهي القاهرة الحقيقية التي يعيش بها ملايين البشر الذين يُذهبون إلى الأزهر في الملمات، وتصافح عيونهم كل حين قلعة صلاح الدين المنتصبة في وسط القاهرة وتعلو فوق كل المبانى فيراها الناس من كل جهات القاهرة تقريباً، وهؤلاء البشر عندما يذهبون إلى الأهرامات يجلسون على حجارتها ويأكلون وهم يديرون ظهورهم لها، أي يعاملونها كما تستحق، كشيء ميت ورمز لماض عبودي، وإن تذمر من ذلك الدكتور زاهي حواس كما تنقل عنه المؤلفة، ولنقارن ذلك بسلوكهم حين يذهبون إلى جامع الأزهر، أو أي مسجد من تلك المساجد القديمة المهملة في القاهرة الفاطمية !