“أهرام التطبيع” واصدقاء اسرائيل في مصر

محمود عبد الرحيم *

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2022)

علينا ان نشكر سفير الكيان الصهيوني في القاهرة شالوم كوهين مرتين، الاولى لانه فضح في حواره الاخير مع صحيفة الشرق الاوسط الللندنية رجال اسرائيل في مصر وسمى بعضهم، واعتبرهم اصدقاء يكسرون عزلته ويشاركون معه في اجتماعات عامة وخاصة، والثانية لانه قام بخطوة غير مسبوقة بزيارة الاهرام، ليؤكد اختراقه لهذه المؤسسة الصحفية بمساعدة رموز فيها، دأبوا خلال سنوات على توطيد العلاقة معه ومع اسلافه من الديبلوماسيين المعزولين المكروهين من جماعة المثقفين، ومن شعب يعرف تماما من هو عدوه ولا تخطئ بوصلته مهما مر الزمن او تورط نظامه في علاقة آثمة مع الصهاينة الملوثة اياديهم بالدماء العربية.

ولا ادرى لماذا الاستغراب من خطوة السفير الصهيوني، فعلاقة الاهرام وبخاصة مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية به ممتدة منذ سنوات مع السفارة الصهيونية ومع مراكز الابحاث الاسرائيلية، وقد قاد التطبيع الصحفي والبحثي به بعد رحيل القطب التطبيعي الكبير لطفي الخولي وبحماس شديد خلال السنوات الاخيرة كل من عبد المنعم سعيد وهالة مصطفي،، دون ممانعة تذكر، على العكس ينجحون كل يوم في استقطاب مطبعين جدد من الشباب الباحث عن مكاسب هنا او هناك، بصرف النظر عن اية قيمة او مبدأ.

ولابد ان ننظر للامر في السياق العام، وهو الضغط الامريكي الاسرائيلي على مصر والدول العربية، من اجل تسريع وتيرة التطبيع العربي بصرف النظر على عودة الحقوق الفلسطينية او الحل العادل للصراع العربي الاسرائيلي، فضلا عن زيارة رئيس وزراء الكيان نتانياهو الى القاهرة، واجواء انتخابات اليونسكو المرشح لرئاستها الوزير فاروق حسني، الى جانب سبب مباشر يتمثل في تولي صديقه لهم رئاسة الاهرام.

ولعل السفير الصهيوني كان من الذكاء او بالاحرى من الخبث بمكان، ليستثمر هذه المعطيات لتسجيل مكسب سياسي يحسب له قبل مغادرته القاهرة يتمثل في كسر جدار العزلة ولو شكليا وتفعيل اتفاقاته مع مؤسسة الاهرام ومحاولة تنشيط التطبيع الثقافي من جديد، علاوة على اثارة حالة من الجدل في الوسطين الصحفي والثقافي اللذين اصاب مواقفهما الوطنية والقومية حالة من الخلخلة والرخاوة، وصار العدو لدي البعض من اصحاب الصوت العالي هو طهران وحماس وحزب الله وليس تل ابيب، وصارت ثقافة المقاومة والرفض للاعداء الحقيقيين محل سخرية او تهمة تلاحق من يعتنقها ويدفع ثمنها، بالاضافة الى ان لقاء اسرائيليين داخل او خارج مصر بات مبررا بالف مبرر ومبرر، من قبيل القواعد المهنية الاحترافية والخروج من اوهام ايدلوجية الماضي والخطاب “القومجي الحنجوري الدماجوجي”

ويبدو موقف هالة مصطفي ايضا ليس مستغربا، في اطار انتمائها للجنة السياسات بالحزب الوطني التى يقودها جمال مبارك والتي سعت خلال السنوات الاخيرة الى ارضاء امريكا عبر البوابة الاسرائيلية وباي ثمن، لتمرير ملف توريث السلطة وتحييد اية معارضة دولية محتملة، الى جانب السلوك الانتهازي الملموس لاعضاء هذه اللجنة التى يصح ان نطلق عليها جمعية المنتفعين على حساب مصر وشعبها ومصالحهما.

ومثلما يسترضي النظام وحزبه الحاكم اسرائيل للحصول علي مكاسب خاصة لنخبته الفاسدة، تسير هالة مصطفي على نفس الدرب وتبحث عن مصالحها، خاصة انها ترى ان هذا الطريق ممهد ولها في عبد المنعم سعيد قدوة، اذ كافأه النظام على خدماته ومن بينها او على رأسها التطبيع الصحفي باسناد رئاسة مجلس ادارة مؤسسة الاهرام له، وربما تتصور ان كرسي الوزارة ليس بعيدا خاصة ان فاروق حسنى قاب قوسين او ادنى من ترك موقعه، وربما تبحث عن دور في مؤسسة دولية وترى خدمة العدو الصهيوني ورقة رابحة ترفع اسهمها الانتهازية، لانها وغيرها لا قضية لديهم ولا مبدأ ولايعنيهم الجماهير الخارجين على قناعاته، فقط يتلمسون الحماية من النظام المتورط مثلهم في نفس الجرم والمراهنين مثله على الخارج الذين يقومون على خدمته بشكل مشبوه ولا اخلاقي.

لا اتوقع من نقابة الصحفيين في ظل رئاسة مكرم محمد احمد الذي له سجل حافل من التطبيع الصحفي هو الاخر او من مؤسسة الاهرام تحت قيادة داعية التصالح مع العدو عبد المنعم سعيد اتخاذ اي موقف ذي جدوى، وسيقف الامر عند الشجب والادانة والانتقاد، لكن على جماعة الصحفيين والمثقفين الوطنيين ان يراهنوا على انفسهم ووطنيتهم وعروبتهم ويقوموا بواجبهم لوقف التيار التطبيعي، عبر خطوات رادعة تتمثل في فرض عزلة شاملة على هؤلاء المطبعين ونشر قوائم سوداء باسماء رجال اسرائيل في مصر، والمطالبة بطرد هؤلاء من النقابات المهنية وعزلهم من مواقعهم القيادية، وبدون هذه الاجراءات سنفتح الباب امام الاختراق الصهيوني ونمو نفوذ هؤلاء الانتهازين المتاجرين بدماء ومصالح وكرامة اهلهم ووطنهم، وتشجيع اخرين خاصة من الشباب المغيب او مرتبك الهوية، مهزوز الانتماء على السقوط في وحل التطبيع.

في الوقت ذاته علينا ان نحيي ثقافة المقاومة في كل موقف وموقع والتذكير بخطورة الكيان الصهيوني على مستقبلنا، وان حصاره هو الورقة التى بيدنا كشعوب، لهدم مخططاته وافشال مشاريعه.

وعلينا الا ننسى دوما تاريخه الدموي الذي للمصريين نصيب وافر منه وليس فقط الاشقاء الفلسطينين او اللبنانيين، ولا ننخدع ابدا بالخطاب المتهافت المضلل الذي يحمل لافتة ثقافة السلام، لان السلام لاهل السلام، وليس للقتلة الملطخة ايديهم بدماء ابنائنا وابائنا واجدادنا،المغتصبين لحقوقنا وارضنا، المعتنقين لسياسة التوسع العدواني والابادة وجرائم ضد الانسانية حتى اللحظة.

واود ان اختم بمقولة جاءت على لسان سفير الكيان كوهين وتكررت على لسان مسئولين صهاينة عديدين قبله، تؤكد كم ان ثقافة الرفض الشعبي فعالة وقادرة على احباط مفعول معاهدات الاستسلام التي تورط فيها نظام فاقد للشرعية الشعبية:

. “مشكلتي أنني لا أصل إلى الشعب المصري.. ينقصني توفير لقاءات بين مثقفين إسرائيليين ومثقفين مصريين. أكاديميين وفنانين وموسيقيين. يضايقني أن أطباء مصر وإسرائيل لا يعرف بعضهم بعضا.”

:::::

* كاتب صحفي مصري