الوضع السوداني ومخاطره

عوني صادق

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2022)

منذ استقلاله في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، لم يعرف السودان الاستقرار، ولم تتوقف المؤامرات الخارجية عليه، ذلك لأنه كان ولا يزال يمثل صيدا ثمينا للطامعين بسبب الأهمية التي يتمتع بها موقعه الاستراتيجي وثرواته الدفينة والمرئية، على حد سواء. وقد استغل المتآمرون وهم كثر، تنوعه الغني إثنيا ودينيا، فعملوا على تحويل هذا التنوع الغني إلى مصادر للنزاع وإثارة القلاقل بل وإشعال الحروب وعدم الاستقرار. ولخص الكاتب الصحفي فهمي هويدي الوضع السوداني المعقد، في مدخل لحوار أجراه مع الرئيس السوداني عمر حسن البشير، نشرته صحيفة (الخليج- 28/4/2009) الإماراتية، فكتب:

“السودان ليس بلداً كبيراً فحسب ولكنه مشكلة كبيرة أيضاً…”، فهو الأكبر من حيث المساحة من أي دولة عربية وإفريقية أخرى (مساحته أكثر من مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع في حين أن مساحة مصر مثلا لا تزيد كثيراً على مليون كيلومتر مربع)، “أما مشكلته فهي متعددة الأوجه، فمن ناحية، له حدود مشتركة مع تسع دول عربية وإفريقية، الأمر الذي يجعل سيطرته على حدوده من المستحيلات. ومن ناحية ثانية، فإن أهله يتوزعون على 600 قبيلة، يتكلمون 115 لغة ولهجة محلية، تتفرع منها لهجات أخرى، وهذه القبائل يتحكم فيها زعماء محليون من شيوخ وسلاطين وأمراء، ولكل منهم عالمه الخاص، الذي لا علاقة له بالضرورة بالسلطة المركزية في الدولة. وهو بلد غني، بمياهه ونفطه وغازه وغاباته ومعادنه… وإلى جانب ذلك فثروته الزراعية والحيوانية لا حدود لها… وإلى جانب أهميته الاستراتيجية في المحيط الإفريقي، فإن إطلاله على البحر الأحمر بساحل طوله 644 كيلومتراً، ضاعف من تلك الأهمية”.

وبدوره، وفي مقال له بعنوان “السودان في ضوء البترول”، نشرته صحيفة (الأخبار-1/4/2009) اللبنانية، لخص ياسين تملالي، أحد أهم أسباب الصراع على السودان، ما زاد من تكالب المتآمرين ورفع من حدة الصراع الدائر عليه، فكتب:

“… منذ قرابة عشر سنوات إلى بلد بترولي، ما يثير مطامع كل القوى العظمى دون استثناء… في منتهى البساطة تؤكد (المعلومات) أن الاحتياطي النفطي السوداني (5 بليون برميل في2007 حسب «أويل أند غاز جورنال») جعله خامس احتياطي أفريقي… أما الإنتاج السوداني من البترول الخام فلا يقل عن 463 ألف برميل يومياً (2007)، أي أنه ثلث إنتاج دولتين نفطيتين عريقتين كالجزائر وليبيا. ويبيّن تضاعفه في أربع سنوات (270 ألف برميل في 2003) أن احتمالات نموه قائمة، فالاضطراب السياسي وقلة الموارد المالية قلّلا من فرص التنقيب في مناطق شاسعة، منها ساحل البحر الأحمر بالقرب من حدود مصر وإقليم دارفور الذي لم يستكشف منه حتى الآن سوى جزئه الشرقي. ولم يعد السودان ذلك البلد الفقير، فناتجه المحلي الخام، بفضل ازدياد إنتاجه البترولي، نما بشكل قياسي في السنوات الأخيرة، فسجل 5،1 في المئة في 2003 و8 في المئة في 2006 و12،8 في المئة في 2008. وانعكاساً لهذا النمو، تضاعف دخل الفرد السوداني (النظري طبعاً) بين 2003 و 2008، فطفر من 1420 دولاراً سنوياً إلى 2500 دولار”. وتستغل بترول السودان شركات صينية أساساً، والإحصائيات الأميركية تؤكد أن 80 في المئة من صادراته موجهة إلى الصين، ما يمثل 6 في المئة من واردات هذا البلد البترولية…”.

****

ثروات السودان إذن، وموقعه الاستراتيجي الهام، جعل الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة، تجهد في إثارة النزاعات داخله لخلق الظروف التي تمكنها من السيطرة عليه والتحكم فيه. والحملة الأميركية على السودان، باسم “الديمقراطية وحقوق الإنسان” مرة، وباسم “الدولة الراعية للإرهاب” أخرى، توجها سن بعض القوانين، مثل “قانون محاسبة السودان”، واستعملت كمبررات لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية عليه وبغطاء من الأمم التحدة، حتى وصل الأمر أخيرا إلى المطالبة بمحاكمة الرئيس السوداني عمر حسن البشير بتهمة المسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب في دارفور.

لكن جانبا آخر من التآمر على السودان، ليس أقل خطورة من التآمر الأميركي ولا ينفصل عنه، يتعلق بالدور الصهيوني الإسرائيلي، ويصل إلى بذل المستحيل نفسه من أجل تفتيت السودان أو إخضاعه، بسبب ما يمكن أن يشكله من رافعة عربية في مواجهة الأطماع الصهيونية الإسرائيلية. ولعل الغارات التي شنتها الطائرات الإسرائيلية في شهري كانون الثاني و شباط / 2009 على مناطق في السودان، بحجة تهريب أسلحة إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، هي آخر الأدلة على المدى الذي يمكن أن يصل إليه النشاط الإسرائيلي ضد السودان.

والتآمر الصهيوني الإسرائيلي على السودان ليس جديدا أو مؤقتا بل قديم ودائم، ودوره في تشجيع وتسعير الحرب الأهلية بين جنوب السودان وشماله منذ أكثر من ثلاثين عاما وحتى اليوم معروف ولا ينكره المسؤولون الصهاينة، وذلك من خلال دعم “الحركة الشعبية لتحرير السودان” سابقا، ودعم “حركة العدل والمساواة”، وغيرها من الحركات الانفصالية في دارفور حاليا، مجرد أمثلة على التدخل السافر في الشؤون السودانية.

لقد توقف فهمي هويدي، في مقال له بعنوان (أجراس الغارة على السودان)، نشرته صحيفة (الخليج- 31/3/2009) الإماراتية، أمام بحث أعده الضابط المتقاعد في جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد)، موشي فرجي، وصدر في العام 2003 عن “مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا” التابع لجامعة تل أبيب، وعنوانه: “إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان”، فقال هويدي: ” في البحث كلام صريح عن الاستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل بعد تأسيس الدولة العبرية ووضع خطوطها الرئيسية ديفيد بن غوريون رئيس الوزراء آنذاك، الذي دعا إلى ثلاثة أمور أولها، العمل على إضعاف الدول العربية عن طريق محاولة اختراقها من الداخل للتعاون مع الطوائف غير العربية التي تعيش في ظلها وعلى تخومها، خصوصا في شمال العراق (الأكراد)، وجبال لبنان (الموارنة)، وجنوب السودان (ذوو الأصول الزنجية). الأمر الثاني، تمثل في فيما أطلق عليه محاولة (شد الأطراف) عبر سياسة حلف الجوار، أو حلف محيط الدائرة… والأمر الثالث تعلق بالبحر الأحمر الذي اعتبرته إسرائيل منفذا حيويا لها يمكنها من كسر الحصار العربي المضروب حولها”.

ويضيف هويدي، نقلا عن الباحث الإسرائيلي: “إن السودان اعتبرت حالة نموذجية لتحقيق هدفين: أولهما إضعاف مصر عن طريق تهديد عمقها الاستراتيجي في مواجهة الدولة العبرية. وثانيهما إثارة القلاقل في السودان عبر استمالة التمرد في الجنوب ودعمه، وضمان تقاسمه المزايا الاستراتيجية الكاملة في المنطقة”. ويقول هويدي، ايضا نقلا عن مستشار بن غوريون للشؤون العربية، أوري لوبراني: ” لا بد من رصد وملاحظة كل ما يجري في السودان، ذلك القطر الذي يشكل عمقا لمصر، بالإضافة إلى سواحله على البحر الأحمر… وهذا يتطلب منا إيجاد ركائز لنا إما حول السودان أو في داخله، وهو السياق الذي يفرض على إسرائيل تقديم الدعم إلى حركات التمرد والانفصاليين في الجنوب”. ويذكر هويدي أن ” في الدراسة تفاصيل كثيرة عن الدعم الإسرائيلي للتمرد في جنوب السودان وصل إلى حد الاشتراك في القتال إلى جانب الانفصاليين ضد الجيش السوداني، وهو دعم تجاوز الشأن العسكري إلى ما هو سياسي واقتصادي”.

وفي 4/ أيلول 2008، ألقى وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، آفي ديختر، محاضرة في “معهد أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي، تعرض فيه للسودان ولماذا يتدخل الكيان الصهيوني في شؤونه، وما الأهداف التي يتطلع إليها من وراء هذا التدخل. وفيما يلي بعضا مما جاء في محاضرة ديختر حول السودان (كما نشرت على الموقع الإلكتروني للكاتب والناشط السياسي محمد سيف الدولة):

يتساءل البعض فى اسرائيل : لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية ؟ ولماذا التدخل فى شئونه الداخلية، فى الجنوب سابقا وفى الغرب دارفور حاليا، طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافيا، وطالما أن مشاركته فى مواجهة إسرائيل معدومة أو هامشية وارتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات ارتباطا واهيا وهشا؟ وحتى لا نطيل فى الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية تكفى لتقديم إجابات على هذه التساؤلات:

السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية… كانت هناك تقديرات إسرائيلية حتى مع بداية استقلال السودان فى منتصف عقد الخمسينات أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة الى قوة العالم العربى، لأن موارده إن استمرت فى ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب… وكون السودان يشكل عمقا استراتيجيا لمصر… كان لابد أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة… وقد عبرت عن هذا المنظور رئيسة الوزراء الراحلة ( جولدا مائير ) عندما كانت تتولى وزارة الخارجية وكذلك ملف إفريقيا فى عام 1967 عندما قالت: (إن إضعاف الدول العربية الرئيسية واستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا فى إطار المواجهة مع أعداءنا. وهذا يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى). وكشفت عن أن إسرائيل، وعلى خلفية بعدها الجغرافى عن العراق والسودان مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض أوضاعهما من الداخل لوجود الفجوات والتغيرات فى البنية الاجتماعية والسكانيه فيهما. وقال ديختر: “ان جميع رؤساء الحكومات فى إسرائيل من بن جوريون وليفى أشكول وجولدا مائير واسحاق رابين ومناحم بيجين ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الاستراتيجى فى التعاطى الذي يرتكز على تفجير بؤرة وأزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب وفى أعقاب ذلك فى دارفور”.

وتابع ديختر يقول: “هذا الخط الاستراتيجى كانت له نتائج ولاتزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكريا واقتصاديا قادرة على تبوأ موقع صدارة فى البيئتين العربية والأفريقية. فى البؤرة الجديدة فى دارفور تدخلنا فى إنتاجها وتصعيدها، كان ذلك حتميا وضروريا حتى لا يجد السودان المناخ والوقت لتركز جهودها باتجاه تعظيم قدراته. ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود هى بمثابة مداخلات ومقدمات التى أرست منطلقاتنا.

ثم أضاف: “من هنا نحن متواجدين فى دارفور… الدور الأمريكى فى دارفور دور مؤثر وفعال ومن الطبيعى أن يسهم أيضا فى تفعيل الدور الإسرائيلى ويسانده، وكنا سنواجه مصاعب فى الوصول الى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكى والأوروبى”.

وأكد ديختر في محاضرته: “صانعو القرار فى البلاد كانوا من أوائل المبادرين الى وضع خطة للتدخل الإسرائيلى فى دارفور 2003، والفضل يعود الى رئيس الوزراء السابق إرييل شارون ونظرته الثاقبة… هذه النظرة وجدت تعبيرا لها فى كلمة قاطعة ألقاها رئيس الوزراء السابق خلال اجتماع الحكومة فى عام 2003 : حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا فى جنوب السودان”.

ولا يجد ديختر حرجا في القول صراحة: “لابد من التفكير مرة أخرى بأن قدر هام وكبير من أهدافنا فى السودان قد تحقق على الأقل فى الجنوب، وهذه الأهداف تكتسب الآن فرص التحقيق فى غرب السودان فى دارفور. وعن نظرته الى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية فى الجنوب وفى الغرب والإضطراب السياسى وعدم الاستقرار فى الشمال وفى مركز القرار الخرطوم، قال: “هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف فى السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور”. وأنهى ديختر مداخلته فقال: “… استراتيجيتنا التى ترجمت على الأرض فى جنوب السودان سابقا وفى غربه حاليا، استطاعت أن تغير مجرى الأوضاع فى السودان نحو التأزم والتدهور والإنقسام. أصبح يتعذر الآن الحديث عن تحول السودان الى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التى نطلق عليها دول المواجهة مع اسرائيل. السودان فى ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة فى جنوبه وغربه وحتى فى شرقه غير قادر على التأثير بعمق فى بيئته العربية والأفريقية لأنه متورط ومشتبك فى صراعات ستنتهى إن عاجلا أو آجلا بتقسيمه الى عدة كيانات ودول… ويبقى السؤال عالقا: متى؟ وبالنسبة لجنوب السودان الدلائل كلها تؤكد أن جنوب السودان فى طريقه الى الإنفصال لأن هذا هو خياره الوحيد. هو بحاجة الى كسب الوقت لإقامة مرتكزات دولة الجنوب. وقد يتحقق ذلك قبل موعد إجراء الاستفتاء عام 2011 إلا إذا طرأت تغيرات داخلية واقليمية إما أن تسهم في تسريع ذلك أو تأخيره”.

* * *

في ضوء ما تقدم، تثور في ذهن المراقب تساؤلات ثلاثة:

1)- حول الوضع في الجنوب، واحتمالات تنفيذ “اتفاق السلام”،

2)- وحول الوضع في دارفور،

3)- وحول ما يسمى “المعارضة الشمالية”، ومواقفها مما يجري.

الوضع في الجنوب

في الثالث والعشرين من شهر حزيران 2009، عقد في واشنطن مؤتمر اقترحته ورعته الإدارة الأميركية لدعم “اتفاق السلام الشامل” بين الشمال والجنوب (اتفاق نيفاشا)، الذي كان للولايات المتحدة دور حاسم في التوصل إليه. وعلى هامش المؤتمرالمذكور، تم بحث الوضع في دارفور، إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بالعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان. وقبل ثلاثة أسابيع من عقد المؤتمر، تحدث د. على يوسف، وكيل وزارة الخارجية السودانية بالنيابة، عن “أهمية هذه العلاقات، خاصة وأن أميركا تلعب دورا كبيرا في ملفي دارفور و”اتفاق السلام الشامل” والعلاقات السودانية التشادية” (القدس العربي- 3/6/2009).

والحقيقة أن العلاقات بين النظام السوداني والإدارات الأميركية تكاد تكون غير مفهومة، فهي سريعة التغير وشديدة التقلب، رجراجة على نحو لا يمكن الإمساك بها بسهولة، تتراوح بين ما يشبه إعلان الحرب في لحظة، وبين ما “فوق العادية” في لحظة آخرى، والمسألة تتوقف على “المزاج” الأميركي في اللحظة المحددة. ففي لحظة من لحظات التأزم الشديد في هذه العلاقات، كانت واشنطن وراء الحملة التي قادها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو أوكامبو الذي وجه للرئيس السوداني عمر حسن البشير اتهامات بالمسؤولية عن ارتكاب جرائم حرب في دارفور، مطالبا بتسليمه للمحكمة لمحاكمته، ما آدى، ضمن إجراءات أخرى اتخذتها الحكومة السودانية، إلى طرد 13 منظمة إنسانية غير حكومية تقدم أعمال إغاثة في دارفور، من بينها أربع منظمات أميركية، بعد توجيه تهم التجسس على السودان إليها. بعد ذلك، تراجع النشاط الدبلوماسي المعادي للسودان مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وزيارة رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي جون كيري، إلى السودان، وكذلك إرسال مبعوث أميركي جديد إلى دارفور هو سكوت غريشون.

ومع تراجع الحملة الأميركية، وبالتالي الأوروبية، تراجع الموقف السوداني، حيث كشف النقاب في منتصف حزيران عن عودة منظمات الإغاثة الأميركية الأربع بعد أن غيرت أسماءها، وفتح الباب لعودة منظمات جديدة، وفي هذه الأجواء عقد مؤتمر واشنطن الأخير. والتساؤل الذي يثور هنا هو: كيف يثق النظام السوداني بالسياسة الأميركية، وهل يمكن لدولة لها كل ذلك السجل التآمري على السودان أن تكون وسيطا نزيها، أو أن تسعى حقا لحل مشكلة واحدة من مشاكل السودان؟

وعودة إلى مؤتمر واشنطن، لم تفلح الجهود الأميركية التي قادها المبعوث سكوت غريشون، في إزالة الخلافات بين الشريكين، “الجبهة الشعبية لتحرير السودان” و”المؤتمر الوطني”، بشأن تنفيذ “اتفاق السلام الشامل”، فعاد الطرفان إلى التراشق بالاتهامات فور انتهاء المؤتمر، وتضاربت التصريحات حوله. رئيس الوفد الرسمي، مستشار الرئيس السوداني غازي صلاح الدين، قال إن المؤتمر حقق تقدما واضحا، بينما نفى ذلك ياسر عرمان، رئيس وفد الحركة الشعبية، وزاد عليه فاتهم “المؤتمر الوطني” بالمماطلة في كثير من القضايا، ومنها الإعداد للانتخابات المقررة في شهر شباط 2010، وقال: “لا تزال القضايا كما هي، لم يحدث أي تقدم بعد لحلها. اكتشفنا من جديد أن حزب المؤتمر الوطني ليس لديه إرادة سياسية لحل تلك القضايا، والوقت ينفذ”. وكان نائب رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات السودانية، عبدالله أحمد عبدالله، قد أدلى بتصريح نقلته وكالات الانباء (11/6/2009)، قال فيه: ” إن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في شهر شباط 2010 يمكن أن تتأجل إلى موعد لاحق لم يتحدد بعد”. وبحسب عبدالله، فإن اللجنة تأخرت في إعلان نتائج تعداد سكاني مهم، وتشكيل اللجان الانتخابية في الولايات. (يذكر أن هذه الانتخابات كان مقررا أن تجرى في تموز 2009، ثم تم تأجيلها للعام المقبل، وتعتبر جزءا من اتفاق نيفاشا للسلام الموقعة العام 2005، وكان مقررا أن تكون تمهيدا لإجراء الاستفتاء على مصير الجنوب في 2011).

ويرى مراقبون أن الأمور تزداد تعقيدا كلما اقتربت نهاية الفترة الانتقالية التي نص عليها الاتفاق. أما الأسباب فهي كثيرة في رأي هؤلاء المراقبين. فمن جهة، هناك من يرى أن “الحركة الشعبية لتحرير السودان” وقعت على “اتفاق نيفاشا” بعد أن قررت أن تكون الفترة الانتقالية فترة لتحضير وتهيئة الجنوب للانفصال، أي بهدف تحقيق ما لم تستطع تحقيقه بالقوة المسلحة. ويمكن إيراد الكثير من تصرفات حكومة الجنوب وممارساتها في الولايات المجاورة (أبيي وكردفان)، بل وتصرفاتها إزاء الحكومة المركزية أيضا مما يؤكد هذا الزعم، وآخرها ما كشفه وزير الطاقة السوداني للبرلمان السوداني يوم 17/6/3009 (القدس العربي- 18/6/2009)، عن مشاكل في مناطق إنتاج البترول حيث يقوم رجال السلطات المحلية بتنفيذ اعتداءات ضد العاملين في أعمال التنقيب، فيما اتهم باقان أموم، الأمين العام للحركة الشعبية، الخرطوم بتوفير السلاح وتوزيعه في الجنوب بين الجماعات المتنازعة، وأضاف: إن الخرطوم تسعى لزعزعة استقرار المنطقة، وإنها “اغتالت عملية السلام”. لكن الناطق بلسان الأمم المتحدة في جنوب السودان، كوايدر زروق، حمل حكومة الجنوب مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية (القدس العربي- 18/6/2009).

وفي هذا الوقت، لا يبدو فيه أن الأمور تسير على ما يرام بالنسبة لتنفيذ “اتفاق السلام الشامل”، بل تتجه إلى مزيد من التعقيد في منطقة أبيي المتنازع عليها، والتي تنتظر حكما بشأن حدودها من محكمة العدل العليا في لاهاي. وكذلك في كردفان، حيث النزاع الدموي يحتدم بين قبيلتي المسيرية والرزيقات، الأمر الذي جعل المراقبين يخشون تطور الوضع فيها إلى ما يشبه الوضع في دارفور.

الوضع في دارفور

التحسن (المؤقت ولا شك) في العلاقات بين واشنطن والخرطوم أدى إلى تراجع الاهتمام بالوضع في دارفور إلى مرتبة ثالثة أو رابعة، كما يرى البعض، منذ تولى باراك أوباما السلطة في الولايات المتحدة. “وباتت جلسات مراجعة التقدم في نشر القوات الهجينة في الإقليم السوداني تعقد بهدوء داخل مجلس الأمن، وحتى بغياب عدد من المندوبين الكبار، بمن فيهم المندوبة الأميركية سوزان رايس” (الأخبار اللبنانية- 29/4/2009). وفي الأسبوع الأول من شهر نيسان الماضي، قدم الممثل المشترك للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة الخاص لبعثة السلام، رود أدادا، تقريرا إلى مجلس الأمن كان بعيدا كل البعد عما تحدث عنه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول المجازر والإبادة الجماعية بالمطلق، ناسفا الادعاءات السابقة ومثنيا على تعاون السودان مع نشر القوات.

وقد فشلت الوساطة القطرية بين أطراف النزاع في دارفور، بعد جولتين من المحادثات كانت الأولى في شباط الماضي والثانية منتصف حزيران الماضي، وتأجلت “إلى وقت لاحق” بسبب تمسك “حركة العدل والمساواة” بمطلب إطلاق أسراها.

وهكذا، سيتم تناسي قصة دارفور مؤقتا، إلى أن تعود السخونة إلى خلاف واشنطن والخرطوم، وعندما تقرر الأخيرة ذلك.

ماذا عن موقف ودور “المعارضة الشمالية”؟

في الثالث من شهر تموز 2009، أعلن عن توقيع اتفاق بين حزب الأمة السوداني، بزعامة الصادق المهدي، وبين “حركة العدل والمساواة”. ومعروف أن حزب “المؤتمر الوطني الشعبي” بزعامة حسن الترابي هو حليف آخر لهذه الحركة الانفصالية في دارفور. وموقف الحزبين يمثل ما انتهت إليه أوضاع القوى السياسية في السودان، أو ما يسمى “أحزاب المعارضة الشمالية”، فهي إما عاجزة عن التأثير، أو أنها تكتفي بتوجيه الانتقادات للنظام وتتخذ مواقف ملحقة بالقوى “الفاعلة” على الأرض، التي لا يضمر جلها الخير للمصالح الوطنية السودانية.

ومع إعلان تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى نيسان 2010، أصبحت الحكومة الحالية غير شرعية، كما تقول المعارضة السودانية. وبعد اجتماع عقده “تحالف المعارضة” أعلن المتحدث باسمها فاروق أبو عيسى أن التحالف يطالب بتشكيل حكومة جديدة لتشرف على الانتخابات وإلا فسيتم اللجوء إلى الشعب، أي إلى الشارع، وهو ما يمكن أن يضيف إلى المشاكل الكثيرة مشكلة جديدة.

وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الألمانية (13/4/2009)، قال الصادق المهدي، معلقا على الأوضاع في السودان: ” كان انفصال الجنوب واردا من البداية، ولذا وضع تقرير المصير له في نهاية مدة اتفاقية سلام نيفاشا، ولكن كان من المفترض أن تكون الفترة الانتقالية مشجعة وجاذبة للجنوبيين على الوحدة مع الشمال”. وأوضح المهدي أن “تجربة الحكم الائتلافي بين حزب المؤتمر الوطني الحاكم والجبهة الشعبية لتحرير السودان كانت فاشلة ووسعت فجوة عدم الثقة بين الطرفين، واليوم بات الجنوبيون منفصلين عن الشماليين في كل شيء…”. واعتبر المهدي أن انفصال الجنوب أضحى “أكثر احتمالا من أي وقت مضى”، لكنه اعتبر انفصال غرب السودان ودارفور “أمرا غير وارد”.

ويبقى السودان في قلب العاصفة، وتبقى المخاطر عليه أكبر من نظام متهم بأنه يزور كل شيء وأن كل ما يهمه هو المحافظة على بقائه، في وقت يعتبر فيه من تآمروا طول الوقت مع أعداء السودان “شركاء” في تقرير مصيره، وينظر إلى أخطر المتآمرين “وسيطا” نزيها يسعى لحل ما يواجهه السودان من مشاكل!

:::::

* مجلة “العرب والعالم”- العدد الثاني – صيف 2009