إهمال البعد الأخطر في الأزمة العالمية

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2023)

هناك من يغفل ويقرأ أخبار الأحداث القديمة كأنّما هي لم تمت ولا تزال حيّة صالحة للقياس الواقعي، تماماً مثلما يغفل عن موت كوكب لا يزال نوره ساطعاً بمعزل عنه! وهكذا يرى البعض أنّ الإمبراطورية أو الإمبريالية الأميركية، التي خرجت من أزمة عام 1929 الاقتصادية سالمة وقوية أكثر، سوف تخرج من الأزمة الحالية، بالطريقة نفسها، سالمة وأقوى من ذي قبل! وفي المقابل يرى بعض آخر أنّ الأزمة الحالية سوف تطيح بالإمبريالية فتنتهي بذلك أزمات العالم المصيرية الخطيرة! والحال أنّ الأزمة الحالية لاعلاقة لها بأزمة 1929 وغيرها من الأزمات القديمة إلاّ من حيث الجوهر التاريخي، ومن جهة ثانية فإنّ الإمبريالية/الإمبراطورية لم تعد السقف الأعلى والبعد الأخطر في الأزمة البشرية الراهنة!

الفوارق بين الأزمتين كثيرة وكبيرة!

إنّ العودة إلى الأحداث والظواهر القديمة الميتة ضرورية لا غنى عنها طبعاً، لاستخلاص العبر والدروس لصالح الحاضر والمستقبل، ولكن ليس لتكرارها المستحيل بحذافيرها! فالناس يستطيعون الاعتماد على الاتجاه العام والسمت العام لعصر ما مضى وانقضى، مهما كان موغلاً في القدم، لتمييز الصالح والطالح والحقّ والباطل والخطأ والصواب، لكنّهم لا يستطيعون قطعاً الاعتماد على الأزياء والوسائل والأسلحة والمصطلحات القديمة ذاتها، حتى التي استخدمت قبل قرن أو نصف قرن، لأنّها أصبحت ميتة، أي غير مجدية، فما بالكم باللذين يريدون الاعتماد على أزياء ووسائل وأسلحة ومصطلحات ما قبل ألف عام أو آلاف الأعوام؟

يقول فيدل كاسترو في حديث له نشر قبل أيام (17/8/2009) أنّ جميع رجال الاقتصاد تقريباً يعتمدون على أزمة 1929 كمرجعية في قراءتهم للأزمة الراهنة وفي تعاملهم معها، مع أنّ الفوارق كثيرة وكبيرة بين الأزمتين، وعلى هذا الأساس فإنّ الشائع جدّاً اليوم بين السياسيين الأميركيين هو الاعتقاد بأنّه حالما تتوفّر للمصارف كميّات وافرة من الدولارات (لتشحيم آلة الجهاز الإنتاجي!) فإنّ جميع الأمور ستسير نحو وضع فردوسي لم يسبق لهم أن حلموا بمثله من قبل أبداً! (للاطلاع على بعض الفوارق الجوهرية بين الأزمتين راجع مقالة كاسترو – صحيفة “السفير” البيروتية – 17/8/2009).

المتوقّع تفاقم العجز وتعاظم الركود!

وبالفعل، جاءت أخبار 26/8/2009 لتؤكّد صحّة ما شرحه كاسترو، فقد حذّر البيت الأبيض والكونغرس من أنّ عجز الموازنة الأميركية سوف يرتفع إلى 1،6 تريليون دولار، أي أنّه سيتجاوز التريليون ونصف التريليون دولار، وهو الذي بلغ في العام الماضي (2008) 455 ملياراً، فقد تفاقم العجز نتيجة خطة الرئيس أوباما الإنقاذية، التي تكلفتها 787 مليار دولار، في وقت تراجعت فيه جباية الضرائب نتيجة الركود الاقتصادي! غير أنّ تقديرات البيت الأبيض لمضاعفات الأزمة الاقتصادية المالية لم تقف عند هذا الحدّ، فقال الناطقون باسمه أنّ عجز الموازنة سيرتفع تراكمياً ليصل إلى تسعة تريليونات دولار بين العامين 2010 – 2019! أما عن الانكماش أو الركود الاقتصادي الأميركي فقد صرّحت كريستينا رومر عضو مجلس المستشارين الاقتصاديين أنّ الركود جاء أسوأ ممّا كان مقدّراًً، وأنّ المتوقّع اليوم أن يبلغ ضعف ما كان متوقّعاً له في مطلع هذا العام 2009!

وهكذا فإنّ الفارق بين أزمة 1929 وغيرها من الأزمات القديمة وبين الأزمة الحالية يبدو عظيماً وحاسماً، ويمكن الإشارة هنا إلى فارقين : الأوّل هو أنّ الولايات المتحدة كانت في الأزمة القديمة، ولأكثر من ثلاثة عقود تلتها، حتى عام 1969 على الأقلّ، تستأثر لوحدها بأكثر من ثمانين في المائة من احتياطي الذهب في العالم، بينما لم يعد حالها اليوم كذلك، حيث غدت مدينة بعد أن كانت دائنة! والثاني هو قدرة حكومتها في الأزمة القديمة على فرض الضرائب وتنفيذ المشاريع العامة، حتى لو كانت مشاريع مختلقة، لامتصاص البطالة وتحريك الركود، مستعينة بقدرتها على استغلال واستثمار اقتصاديات الدول الأخرى، شاءت تلك الدول أم أبت، بينما لم يعد حال الحكومة الحالية كذلك اليوم!

سناتورات واشنطن لم يقتنعوا بعد!

تبقى الإشارة إلى الوجه الآخر والأخطر للأزمة العالمية، المتعلّق بفساد عناصر الحياة الطبيعية على سطح كوكب الأرض، بحيث لم يعد النظام الإمبريالي الظالم سقف الأزمة الأعلى، ولم يعد انهياره وزواله نهايتها، ففي الحادي عشر من آب/أغسطس 2009 اجتمع ألف من موظّفي هيئة الأمم المتحدة في مدينة بون الألمانية تمهيداً لعقد اتفاقية في كانون الأول/ديسمبر القادم حول التغييرات المناخية الخطيرة قبل فوات الأوان، لكنّ هؤلاء الموظفين يشكون من عقبات تحول دون إنجاز مسودّة الاتفاقية التي ينبغي أن تكون جاهزة للتوقيع الرسمي، وقد صرّح الأمين العام بان كي مون بأنّه: “إذا لم يتمّ اتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة التغييرات المناخية فإنّ الاضطرابات العنيفة ستصل بالجملة إلى مختلف أرجاء الأرض”!

إنّ العالم عرضة للجفاف ونقص المياه الصالحة، وللفيضانات الهائلة، ولارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات بحيث تغرق مناطق ساحلية ضخمة قبل حلول العام 2050 (كمنطقة الدلتا المصرية مثلاً، التي يعيش فيها ومنها أكثر من ثلاثة ملايين إنسان) غير أنّ حكومة واشنطن، التي تعيق منذ سنوات طويلة كلّ اتفاق دولي من شأنه مواجهة الكوارث الطبيعية، تنهمك في التعامل مع التغييرات المناخية على أنّها “تشكّل تهديداً لأمن بلادها القومي” كما قالت صحيفة “نيويورك تايمز” (9/8/2009)، وقد توقّعت الصحيفة أنّ الأزمات الناجمة عن التغيير المناخي سوف تطيح بحكومات، وتحفّز “الإرهاب”، وتثير الاضطرابات! وهكذا أدرج التغيير المناخي في جدول أعمال المخابرات الأميركية على أنّه فقط تهديد للأمن القومي الأميركي، أمّا خطره الماحق على العالم أجمع، بما فيه الولايات المتحدة، فإنّ السناتورات لم يقتنعوا به بعد!

ns_shamali@yahoo.com