إيران في أمريكا اللاتينية..تغلغل تحت الأنف الأمريكي

فاطمة الصمادي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2023)

في الزيارة الأخيرة لطهران وقف الرئيس الفنزويلي شافيز والرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد ليؤكدا أن مهمة إيران وفنزويلا هي توسيع الجبهة المناوئة للاستكبار، لكن العلاقة بين البلدين وخاصة بالنسبة لإيران تتجاوز الحديث الشعاراتي عن “عهد الاستكبار العالمي الذي قد ولى وفقد تأثيره على الشعوب الثورية” إلى مشاريع اقتصادية وإستراتيجية وهو ما تحدث عنه الزعيمان عندما أشارا إلى التعاون المشترك في مختلف مناطق العالم من خلال تنفيذ الاتفاقيات الثنائية وتطوير العلاقات بين إيران وفنزويلا كأمر ضروري في ضوء المصالح والأصدقاء والأعداء المشتركين.

ومن الواضح أن الجمهورية الإسلامية لديها برنامج بدأت بتنفيذه منذ سنوات لإقامة علاقات مع مناطق في العالم بشكل بدأ يثير القلق الإسرائيلي، حيث تصفها تل أبيب بـ”الاختراقات الإيرانية الناجحة” في أمريكا اللاتينية، ويسميها المحلل الإستراتيجي الإسرائيلي إيلي كرمون بـ”تمدد إيراني في الحديقة الخلفية لأمريكا واستغلال من قبل حزب الله للسجادة الإيرانية في تلك المنطقة لتعزيز نفوذه السياسي والاقتصادي بين الجاليات العربية والمسلمة المنتشرة في العديد من تلك الدول”.

وحذرت صحيفة لوس انجلوس تايمز من تغلغل إيراني، صيني وروسي يتعاظم ويتسارع تحت الأنف الأميركي. وتتحدث تقارير عديدة عن مواجهة غير معلنة بين إسرائيل وإيران تدور رحاها في أمريكا اللاتينية وأفريقيا. وتبدو طهران جادة في تأسيس تحالف مناوئ للولايات المتحدة يضم فنزويلا وبوليفيا ونيكارجوا.

وتتحدث التقارير الأمريكية الأخيرة التي توضع على طاولة الرئيس الأمريكي أوباما بشكل دوري عن أن طهران قد استطاعت بناء سلسلة علاقات دولية في مناطق مهمة من العالم لمواجهة الحصار المفروض عليها من قبل الدول الغربية منذ أكثر من عقدين، بسبب مواقفها السياسية وإصرارها على تطوير برنامجها “النووي السلمي”.

ومهد لنجاح إيران في بناء منظومة العلاقات تلك خاصة في أمريكا اللاتينية مجموعة ظروف في مقدمتها اللغة الاستعلائية التي مارستها الإدارات الأمريكية المتعاقبة بحق شعوب تلك الدول، والسياسات الاستغلالية لثروات ومقدرات تلك الشعوب والتدخلات المخابراتية والسياسية بشؤونها بطرق عدة من أهمها دعم الانقلابات العسكرية، وكان لظهور تيار “اليسار الجديد” أثره في تهيئة الأرضية لموجة من العداء لواشنطن وترحيب غير مسبوق ببناء علاقات مع إيران.

ومن الواضح أن إيران نجحت فيما خططت له من مواجهة لحصار الولايات المتحدة لها في محيطها الإقليمي، بنمط من العلاقات المضادة مع دول في محيط الهيمنة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، وتقطف طهران اليوم ثمار نجاحها في وقت اخفق فيه النظام الرسمي العربي، الذي لم يبذل أي جهد لاستقبال إشارات أمريكا اللاتينية له بضرورة التعاون المشترك رغم تكرارها وقدمها.

وتاريخيا تقيم إيران علاقات وثيقة مع عدة دول في أميركا اللاتينية (الوسطى والجنوبية) منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وارتبطت الجمهورية الإسلامية بتوجهاتها الأيديولوجية بعلاقات مميزة مع كوبا كاسترو، وهي العلاقة التي توثقت بعد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت حركة عدم الانحياز المظلة الكبرى التي استظلت تحتها كلتا الدولتين في معركتهما السياسية والأيديولوجية ضد التوزيع “الإستكباري وغير المنصف” للقوة في العالم.

ولم تكن العلاقة الإيرانية- الفنزويلية لتقل أهمية وقوة عن قرينتها الكوبية، وتطورت تلك العلاقة من المواقف المتشابهة والحضور النافذ والقوي في منظمة الدول المنتجة للنفط – أوبك- إلى علاقات سياسية بلغت ذروته في عهد نجاد وشافيز. وسعى نجاد- الذي زار دول أمريكا اللاتينية ثلاث مرات خلال دورتها الرئاسية الأولى – ضمن تحرك إستراتيجي، بدأ دورته الرئاسية الأولى إلى تحقيق أهداف عديدة من وراء إستراتيجية التقارب مع أميركا اللاتينية، وتوثيق الصلات مع حكوماتها وشعوبها على حد سواء في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويأتي في مقدمة هذه الأهداف إجهاض سياسة العقوبات المفروضة على بلاده منذ سنوات. ساهمت زيادة حجم التبادل التجاري بين إيران وفنزويلا في دعم العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ففي نيسان 2007 كشف وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي عن أن حجم التبادل التجاري مع فنزويلا وصل إلى 18 مليار دولار.

ويشكل النفط والاقتصاد والتنمية مفاصل مهمة في بناء تلك العلاقات وتقيم الدولتان العديد من المشاريع الاقتصادية والاستثمارية والتنموية المشتركة من بينها مصانع للسيارات والمعدات الزراعية، وتبادل للخبرات التنموية. وإضافة إلى البنوك الإيرانية التي بدأت تفتتح في فنزويلا تمول إيران مشروعا استثماريا ضخما لاستكشاف احتياطات بترولية كبيرة واقعة في منطقة أورنكو وتصل قيمة الاستثمارات الإيرانية في هذا المشروع ما يعادل 4 مليارات دولار، إضافة إلى مشروع إسكان ترعاه إيران مخصص للعائلات الفنزويلية الفقيرة وهو مشروع يقوم عليه أكثر من 420 مهندسا إيرانيا وصلوا فنزويلا لهذا الغرض. في المقابل تقف فنزويلا موقف الداعم سياسيا وأيديولوجيا في تحالفها الإستراتيجي مع إيران، وتبذل جهودا مخلصة لكسر الحصار وإضعاف العقوبات الاقتصادية.

وفي نفس الوقت الذي عبرت به إيران المحيط الأطلسي، كانت تنسج علاقات لا تقل أهمية في إفريقيا. وتحاول طهران توظيف خبراتها النووية في إقامة مشاريع في مجال الطاقة الكهربائية لعدد من الدول الإفريقية ونيجيريا خير مثال على ذلك.

وترى طهران أنه من المهم إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الإفريقية الـ52 مطلع العام 2008 أعلن وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي أن العلاقات بين إيران وإفريقيا ستشهد تحولات هامة، وأثناء حضوره قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا أعلن متكي استضافة طهران للاجتماع المقبل لوزراء الخارجية الأفارقة. و أقامت حكومة نجاد علاقات قوية مع السنغال، وقام الرئيس السنغالي عبد الله واد بزيارة طهران مرتين عامي 2006 و2008 وتقابل خلالهما مع خامنئي وأحمدي نجاد. واتخذت العلاقة مع السودان وزيمبابوي نمطا مؤثرا. ففي الوقت الذي سعى فيه الغرب وواشنطن لعزل السودان على خلفية قضية دارفور، وبينما كان المجتمع الدولي يتجه نحو تشديد العقوبات الدبلوماسية على الخرطوم، استغل نجاد هذه الأجواء وعمل على توطيد العلاقات مع نظيره السوداني عمر البشير، وشدد نجاد على علاقات مع السودان تقوم على الدفاع المشترك، كما زار وزير الدفاع الإيراني الخرطوم معلناً أن السودان أصبحت حجر الزاوية في السياسات الإفريقية للجمهورية الإسلامية.وفعلت إيران الأمر نفسه مع روبرت موجابي، ووقعت مع زيمبابوي عدداً من اتفاقيات التعاون المشترك في مجال الطاقة وتكرير النفط والزراعة ووعدت طهران بالتصدي للعقوبات ضد هذا البلد الأفريقي. وفي التحالف الإيراني الإفريقي لا يجب تجاهل جنوب إفريقيا، فقد أسس البلدان علاقاتهما رسمياً عام 1994 في ظل معارضة الجمهورية الإسلامية لنظام الفصل العنصري، وتقوم العلاقة في السنوات الأخيرة على النفط والتجارة لتطوير علاقتها مع تلك الدولة.

كما تنظر إيران إلى جنوب إفريقيا على أنها عضو رئيسي في حركة عدم الانحياز، وهي مجموعة الدول النامية التي قاومت مساعي إعاقة إيران عن تخصيب اليورانيوم. ولعبت تلك العلاقة دورا ايجابيا في توظيف العضوية غير الدائمة لجنوب إفريقيا في مجلس الأمن وتواجدها في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمصلحة إيران.

(العرب اليوم)