خيارات ميتشل وادارته!

كاظم محمد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2025 )

بعد ان حاولت ادارة الرئيس اوباما ولا تزال، ان تثني اسرائيل عن التوسع الشرس بالاستيطان مقابل مغريات التطبيع العربي معها، فشلت وفشل معها لحد الان مبعوثها الخاص (ميتشل) في اقناع رئيس الوزراء الاسرائيلي بالمطالبة الامريكية والاوربية في التوقف عن البدء بمشاريع استيطانية جديدة، وفسح المجال امام المفاوضات المقبلة مع قيادة السلطة الفلسطينية لتحريك ما يسمى (عملية السلام) على اساس حل الدولتين الاميبي، الذي طبلت له ادارة بوش بعد مؤتمر انابوليس، وترفع شعاره اليوم ادارة اوباما كتوجه ضمن النهج الجديد لها، في ايجاد تسوية مقبولة للقضية الفلسطينية.

فما هي خطواتها المقبلة في فرض ارادتها، بوقف الاستيطان والبدأ في مفاوضات جدية تتناول قضايا الوضع النهائي، وما هي الخيارات المتاحة امام اوباما، الرئيس الذي يريد ترميم نتائج وتبعات سياسات سلفه في المنطقة.

كان زخم الفوز الذي حققه اوباما بشعاراته وخاصة بعد حروب بوش واحتلال افغانستان العراق، وطبيعة المازق السياسي والاقتصادي الذي وجدت امريكا نفسها فيه، قد رفع من اسهم الامال التي علقها الكثيرين على ادارة اوباما في حل مشاكل العالم وانقاذ امريكا من مازقها، وكعادة النظام الرسمي العربي ومعه عشاق المفاوضات الماراثاونية في السلطة الفلسطينية، كان ولا يزال اتكالهم على الادارات الامريكية في الحصول على بعض (التنازلات الاسرائيلية)، لتمشية امور التفاوض ومحاولة الوصول لحلول تنهي الصداع المزمن الذي سببته قضية الشعب الفلسطيني لقادة هذا النظام.

فرغم التنازلات الكبيرة التي قدمها هذا النظام الرسمي العربي، العلنية منها والسرية، واستعداده للذهاب الى اقصى الحدود مع توجهات الادارة الامريكية، ورغم نسيج العلاقات والتفاهمات التي اقامتها بعض الانظمة مع الكيان الاسرائيلي، وتحول السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الامنية والمخابراتية الى اداة لحماية امن اسرائيل ومستوطنيها، عبر مطاردة ومكافحة خلايا المقاومة المسلحة واعتقال وقتل عناصرها وكوادرها،وضرب البنى التحتية لقوى المقاومة، ووصول التنسيق الامني الى مستويات تبادل المعلومات حول (المخربين والارهابيين) من ابناء الشعب الفلسطيني، فأن التعنت الاسرائيلي برفض حتى تجميد الاستيطان لأستئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، الذي لا زال متمسكا بموقفه بان لا مفاوضات قبل اعلان نتنياهو تجميد الاستيطان، يؤشر الى دراية اسرائيلية، بان حدود الضغط الامريكي عليها مرسوم بحدود طبيعة العلاقة الاستراتيجية بمكوناتها العسكرية والامنية والسياسية معها، وبامكانيات التأثيرعلى القرار السياسي الامريكي التي تمتلكها داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، وبان يوم حسم المواقف، هو يوم الاخراج االسياسي لصيغة ضبابية مطاطة، تسمح بالنهاية لاسرائيل بالتحكم بسير المفاوضات وتحديد مفاصلها ومتطلباتها من العرب.

لذلك فان اقصى ما سيقدمه نتنياهو هو التجميد المؤقت لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، مقابل المطالبة بزيادة الضغط الامريكي على النظام الرسمي العربي لقبول التطبيع، وتنشيط وتفعيل محور دول (الاعتدال العربي) زائدا اسرائيل في مواجهه (الخطر الايراني)، وتغيير عنوان الصراع في المنطقة لصالح اسرائيل خاصة بعد فشل حروبها الاخيرة في لبنان وغزة في تحقيق اهدافها التكتيكية والاستراتيجية، والتراجع الذي اصاب عموم المشروع الامريكي في الشرق الاوسط لهدف تحويله الى واحة تؤدي فيه الانظمة الموالية ودولها وظائف الخدمة المطلوبة للمصالح الاستعمارية والصهيونية، والذي كان فيه للمقاومة العراقية واللبنانية والفلسطينية دورها الرئيسي في ايقافه وتصدعه.

ان نتنياهو، يحاول تغيير مسار التوجه الامريكي الجديد في التعامل مع ايران والقضية الفلسطينية من خلال الايقاع بالجميع في مصيدة الاستيطان، مدعوما من بعض دوائر صناع القرار الامريكي ومن بقايا اليمين المحافظ في الادارة الجديدة واوساط الجمهوريين بشكل خاص في مجلسي الشيوخ والنواب، الذين يدفعون ويدعون الى رفع (الضغط) المسلط على اسرائيل من قبل الرئيس الامريكي وادارته، فهو إذ يحاول الاستفادة القصوى من الوضع المتخلخل عالميا وعربيا وفلسطينيا بقضم ما يمكن قضمه من الاراضي الفلسطينية وتهويد القدس بشكل كامل وتكريس حدود مستقبلية لدولة فلسطينية مسخ، يحاول كسب الوقت لأفساح المجال لتفعيل التحرك المؤيد لاسرائيل داخل الادارة الامريكية وخارجها برفع (الضغط )عنها وتمييع المطلب الامريكي بوقف الاستيطان، وتحويل الضغط الامريكي بالكامل على الجانب الفلسطيني والعربي في تجاوز مطلب ايقاف الاستيطان والاستعداد لتقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر قضية الشعب االفلسطيني، والدخول في مفاوضات بائسة تكرس هزالة واقع القوى المسيطرة على القرارالفلسطيني، والمعروفة بمحدودية خياراتها وقدرتها وطبيعة وضعها الداخلي، واعتمادها في بقائها على الدعم المالي واللوجستي الامريكي، وتخليها الكامل عن خيار المقاومة الشعبية للاحتلال كبديل لفشل الحل السياسي الذي تتبناه.

وربما يكون تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية بي جي كراولي بأن وقف الاستيطان ليس شرطا لأستئناف المفاوضات، اولى مؤشرات التراجع الامريكي عن طلب وقف الاستيطان. وكذلك موافقة رئيس السلطة الفلسطينية على اللقاء بنتنياهو مع الرئيس الامريكي في نيويورك يوم الثلاثاء 22/9 على هامش انعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة، من ثمار الضغط الذي بدأت ادارة اوباما ممارسته على الحلقة الاضعف في المعادلة القائمة، رغم محاولة صائب عريقات مسؤول ملف المفاوضات، اسغباء العقل الفلسطيني والعربي بتصريحه بان اللقاء هو تلبية لدعوة الرئيس الامريكي، ولا يعني استئناف المفاوضات مع اسرائيل.

وعليه فان الحديث عن ارادة وخيارات امريكية جديدة تجبر اسرائيل على الانصياع وتصب في صالح العرب، يرتبط بشكل اساسي بارادة الطرف العربي في اجبارميتشل وادارته والرئيس اوباما، على النظر في خيارات جديدة، يدفع بها الجانب العربي بقوة الى طاولة التداول السياسي والتبني الامريكي لها بمساعدة وتشجيع الفلسطينين على اعلان دولة فلسطين بحدود 1967 من جانب واحد، والدفع برفع الحصانة السياسية والدبلوماسية عن اسرائيل في مجلس الامن، والاصرار على ان ياخذ التقرير الاممي الاخير حول حرب غزة طريقه القانوني في معاقبة مجرمي الحرب الاسرائيليين، والطلب بتدويل القضية الفلسطينية. انها الخيارات التي من الصعب على الادارة الامريكية النظر فيها وهي مخيرة ومطمئنة بان الجانب العربي، بانظمته الرسمية قد وضع كل بيضه في السلة الامريكية، لذلك لا يمكن الركون لارادة امريكية صادقة في ايجاد حل عادل لقضية زاد عمرها عن الستين عاما، وصدرت حولها مئات القرارات الدولية ولم ينفذ منها شيئ، وبمساهمة امريكية لجميع الادارات السابقة في توفير الغطاء الدبلوماسي والسياسي والعسكري والاقتصادي لتمكن الكيان الاسرائيلي في حروبه واحتلاله للارض العربية وطرد سكانها. إلا بتغيير حقيقي في العقليات الحاكمة واستنهاض الحركة الجماهيرية واطرها التحررية الى جانب قوى المقاومة العربية في فرض الخيارات العادلة.

ان النظام الرسمي العربي وقوى الارتداد السياسي المتلبرن، التي لم تقرأ وتستوعب بعد طبيعة المتغيرات العالمية او ترفض الاستدلال بها، بسبب مصالحها الانانية، ل ازالت اسيرة لتأثيرات سياسة بوش وطغمته، وهي إذ عملت على تسخيف وامتهان النضال الوطني والقومي منذ عقود، فهي حرفت طبيعة الصراع واضرت بالقضايا الوطنية والقومية، وخاصة القضية الفلسطينية، وبمصالح وامال الناس الحياتية واليومية، ولم تدرك بعد ان الغول الامريكي ينزف، وهوغير قادر حتى على ادارة الازمات التي يصنعها لخدمة اغراضه السياسية، في اشغال العرب بلبنان واثارة ازمة مفتعلة بين حكومة الاحتلال في بغداد وسورية، فما بالك بشن حرب جديدة. فاذا كان اوباما شخصية اخلاقية ويرتدي قفازا من حرير، فهو ابن هذا النظام الراسمالي ومؤسساته الذي لابد ان ينتصر لمصالحه، وان ارادته وحدود خياراته ومبعوثيه ترتبط بهذه المصالح وتاثرها سلبا او ايجابا في منطقتنا.