خطان متعارضان في الحراك السياسي الفلسطيني

محمد العبد الله

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2026 )

لم تكن ارتدادات نتائج مؤتمر بيت لحم قد استقرت، حتى جاءت الإرتجاجات القوية التي أحدثتها الدعوة لعقد جلسة طارئة للمجلس الوطني الفلسطيني والنتائج التي تمخضت عنه، لتعيد انتاج خطاب “الرفض والقبول” داخل الحركة السياسية الفلسطينية، انطلاقاً من قانونية الاجتماع، الذي سيبحث ملء الفراغات التي أحدثتها وفاة ستة من اعضاء اللجنة التنفيذية، مما أفقدها “نصابها القانوني” نتيجة رحيل ثلث أعضائها. وبعيداً عن مناقشة شرعية الاجتماع من حيث الاستحقاق الدستوري، أو من مقتضيات ضرورته الوطنية، كمؤسسة مركزية في بنية المنظمة، فإن المقال المنشور تحت عنوان “الشرعية الفلسطينية في خطر” للدكتور “أنيس مصطفى القاسم” أحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، رئيس لجنة الميثاق ورئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني سابقاً، قد عرّت الدعوة من كل مستنداتها القانونية، ودحضت منطق الداعين لعقد الجلسة.

يقول الدكتور أنيس في الفقرة الثانية من المقال/الوثيقة (لقد حدث الكثير الكثير مما يمس القضية الفلسطينية في العشرين سنة الماضية، خاصة بعد اوسلو واتفاقياتها، وكامب دافيد وطابا وخارطة الطريق وانابوليس، وتغييب قائد الثورة والمنظمة، رحمه الله، ومع ذلك لم يدع المجلس الوطني للانعقاد. لم يدع المجلس للاجتماع ولو مرة واحدة ليستمع ويناقش تقريرا واحدا من اللجنة التنفيذية أو لانتخاب لجنة جديدة عساها أن تكون أقدر على مواجهة المستجدات وتصحيح ما وقع من أخطاء، أو على الأقل لتجديد دمها، خاصة وأن قدراتها وتوجهاتها قد انكشفت للعدو بحيث صار يعرف تماما كيف يستغل ذلك كله لمصلحته في المفاوضات التي أجراها والاتفاقيات التي أبرمها).

ثم ينتقل في الفقرة الثالثة ليسلط الضوء على هروب دعاة انعقاد المجلس من التوقف عند مراجعة المسيرة الوطنية (في الوقت الذي سررت فيه بهذا التحرك لأنهم تذكروا أن هناك جهة تسمى المجلس الوطني، فقد ساءني جدا نطاق هذا التذكر. فالمجلس لم يُدعَ للنظر في كل ما طرأ، وتقييمه واجراء المحاسبة عليه واعتماد سياسة ومخططات وبرامج تسير عليها المنظمة لمواجهة ما طرأ أو لإحداث تغييرات تتعلق بالأداء والقائمين عليه، وانما دُعِيَ فقط لملء الشواغر في اللجنة التنفيذية، دون أن يتضمن جدول الاعمال على الأقل بندا يتطلب من هذه اللجنة التنفيذية تقريرا عن ما انجزته يبرر بقاءها أو بقاء من بقي من أعضائها، بحيث تتوفر الثقة في أن هذه اللجنة قادرة على النهوض بالمسئوليات الضخمة التي تتطلبها قيادة النضال الوطني في معركة التحرير التي يخوضها الشعب الفلسطيني ومواصلة هذا النضال لاسترداد الحقوق. وهذا أمر يثير الدهشة والاستغراب وكأنما المطلوب من المجلس الوطني أن يبصم على كل ما جرى في السنوات العشرين الماضية دون حتى أن يعرف، ولو من باب العلم فقط، من المسئولين أنفسهم حقيقة ذلك. ويؤلمني أن أقول إن هذا استخفاف لا مثيل له بدور المجلس الوطني الذي هو اعلى سلطة في منظمة التحرير ومحاولة لتعطيل المجلس عن ممارسة اختصاصاته).

لقد عبّرت الاستشهادات المقتبسة من مقال الدكتور، عن الموقف النقدي الذي تختزنه قطاعات واسعة من الجماهير الفلسطينية، تجاه عجز وترهل المنظمة ومؤسساتها.

إن اصرار قيادة المقاطعة في مدينة رام الله المحتلة على عقد هذه الجلسة، يشير إلى حرص “سيادة الرئيس” وفريقه على تشديد قبضتهم على المنظمة بعد أن انهوا سيطرتهم المطلقة على ما تبقى من “فتح”. ويأتي كل ذلك في سياق التحضيرات المحمومة لطرح الخطة الصهيونية_ بطبعتها الأمريكية الجديدة_ مما يتطلب تجهيز أدوات العمل المحلية لتطبيقها. لكن اللافت لنظر المراقبين الذين تابعوا ورصدوا حالات الغضب الداخلية _في قطاعات واسعة من فتح، والتجمعات الشعبية الفلسطينية_ نتيجة ما آلت اليه التعبيرات السياسية/التنظيمية الفلسطينية، في ظل “القيادة الجديدة”، كان التركيز الواضح على “الضفة الغربية” المحتلة، بحيث يستنتج كل من تابع الخطاب الذي ساد، ودقق في عضوية الهيئات التي تشكلت، من ان المشروع الوطني التحرري قد اختزلته هذه “القيادة” في “دولة تبنى قبل التحرير وفي ظل الاحتلال” أو في “سلام اقتصادي” يلقي بظلاله الوارفة على الشعب داخل “الوطن” خلال السنتين القادمتين!. ففي بنود الخطة الأمريكية الجديدة التي تتداولها إدارة أوباما في البيت الأبيض، حول “التسوية/الكارثة” للقضية، التي تعني بشكل مباشر، الضفة المحتلة، يتم تغييب شعبنا في فلسطين المحتلة منذ عام 1948 عن الحضور في برنامج العمل المقترح. فالوضع القائم يفرض عدم البحث في مستقبل حقوق أبناء الشعب الفلسطيني الذين بقوا صامدين داخل الكيان الصهيوني والذي يقدر عددهم بأكثر من “مليون وربع المليون نسمة “، لأن اتفاق أوسلو سيء الذكر، اعترف بوضعهم ضمن سيادة قوانين كيان العدو.

كما تشير بنود الخطة المقترحة الى استثناء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وبيوتهم التي اقتلعوا منها عند احتلال وطنهم في عام1948، ويتم استبدال هذا الحق التاريخي/الوطني بالإعلان عن توفير الضمانات الدولية والاقليمية للتوطين والتعويض، بما يدلل على أن قضية ستة ملايين لاجئ فلسطيني يتوزعون في مناطق اللجوء والاغتراب، قد تم التنازل عنها. أما قطاع غزة فسيتم التعامل معه من خلال عدة سيناريوهات : إما اسقاط وجوده من أية تسوية، طالما هو خارج “شرعية القيادة الجديدة”، أو عزله والتضييق عليه لتشجيع عوامل التآكل الداخلية، أو تهيئة البيئة المحلية “الناقمة!” على التغيير والتمرد، أو بشن عدوان صهيوني جديد .

* * *

إن خطة العمل تجاه قطاع غزة تهدف بالمحصلة النهائية إعادته إلى “بيت الطاعة الشرعي”، وتستند هذه “الشرعية” إلى مجموعة الإجراءات التي تحرص على تنفيذها كل يوم قيادات سلطة المقاطعة، انطلاقاً من بنود خطة خارطة الطريق الكارثية، وما يسمى بالقرارات الدولية المجحفة. ومن هنا تتحدد مواصفات “الطاعة” في نموذج ممارسات سلطة وحكومة رام الله المحتلة. لقد تأكد بما لا يقبل مجالاً للشك، أن المشروع الذي تسعى لتطبيقه وانجازه طواقم العمل السياسية والأمنية والتفاوضية والإقتصادية في الضفة المحتلة، يتماهى مع خطة العمل الأمريكية/الصهيونية، بل ويسعى للتطابق مع اشتراطاتها المتتالية، على الرغم من بعض الغبار الخفيف الذي تثيره بعض الانتقادات حول وقف كل أشكال المفاوضات، طالما لم يتوقف الاستيطان، والذي تفضح ادعاءاته المعدة للاستهلاك المحلي، جلسات الحوار التي جمعت في مدينة القدس المحتلة مؤخراً، أحد وزراء حكومة فياض مع سيلفان شالوم الوزير في حكومة العدو. وللتذكير فقط، نؤكد مجددا،ً بأن 27 اجتماعاً عقدته قيادة المقاطعة مع حكومة أولمرت المجرمة، لم يتم التوصل فيها إلى أي اتفاق حول القضايا المثارة. كما أن 208 مستعمرة تنتشر بالضفة ومنطقة القدس، بالإضافة إلى 217 بؤرة استعمارية عشوائية يتم زرعها في العديد من المناطق، مما رفع عدد المستعمرين الصهاينة بالضفة والقدس إلى حوالي نصف مليون مستعمر .

أمام هذا الواقع الصعب والاستثنائي في مسيرة النضال الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، تبرز الحاجة الضرورية والملحة للعمل على إعادة امتلاك الوطنيين الفلسطينيين لمشروعهم الوطني، المستند إلى حقائق التاريخ والجغرافيا، وإلى التراث الهائل والكم الوفير من حصاد أكثر من عشرة عقود من مواجهة مشروع الهيمنة الامبريالية والاحتلال الصهيوني لوطنه. إن إعادة انتاج مفاهيم وخطط عمل جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها القاسية، يجب أن تنطلق من الحقائق التي انطلق منها الكفاح الفلسطيني المسلح، وهو يواجه مع تشكل التحالف البريطاني/اليهودي، المحاولات المحمومة لتهويد الوطن الفلسطيني وصهينته. إن الإنتفاضات والثورات المتعاقبة التي ما أن تتعرض لبعض الانتكاسات، نتيجة العوامل الموضوعية والذاتية المتداخلة، إلا وتنهض مجدداً لتؤكد حيوية هذا الشعب وديمومة قدراته الكفاحية. في هذه المرحلة وأمام اجراءات قيادة سلطة رام الله المحتلة، باعتبار كل مقاوم يحمل السلاح “خارجاً على القانون”، وكل الكتائب والسرايا والألوية الوطنية المسلحة “ميليشيات” وعصابات تهدد “السلام مع الجيران”، وتقوض عملية “الرخاء والتنمية والاستقرار”، وفي ظل التخلي الكامل عن الملايين من أبناء الشعب داخل الوطن المحتل منذ عام 1948، وعلى امتداد قارات العالم، تكون القوى السياسية التي تتآلف في سلطة المقاطعة وحكومتها، قد توصلت إلى أن احتلال فلسطين عام 1948 أصبح في عهدة التاريخ وذمته!

إن المطلوب وطنياً في هذه المرحلة، الخروج من دائرة الإدانة اللفظية إلى دائرة الفعل، فأشكال الاحتجاجات السابقة والمعهودة: مؤتمرات شعبية وبيانات وعرائض لم تعد هي الشكل المطلوب فقط، على الرغم من ضرورتها في بعض المنعطفات، انطلاقاً من كونها عوامل للضغط السياسي والجماهيري الهادف وقف حالة التدهور التي تندفع فيها القيادة المتنفذة الفلسطينية. ولذلك ومن أجل ألا تكون الردود المطلوبة على الإفتراق الحاصل في الحالة السياسية الفلسطينية مجرد عمل استعراضي، وحتى لا تتحول المواقف الوطنية إلى مجرد “فقاعة” مؤقتة، حان الوقت لإنضاج حالة جماهيرية / تيار وطني واسع، ينتشر الآلاف من أعضائه “العفويين” في كل مناطق التواجد الفلسطيني، سواء في الفصائل أو الهيئات الأهلية، وبالأساس داخل نسيج المجتمع الفلسطيني اللاجىء والمشرد. إن مهمات الوطنيين الفلسطينين في مختلف مواقعهم، ومن خلال جهودهم الاستثنائية في هذه المرحلة التي يتم فيها التفريط بالقضية والوطن على يد مجموعة من القيادات والقوى، تتطلب نقل الحراك الفردي إلى جهد جماعي منظم، يهدف للتأكيد على الثوابت الوطنية والقومية لشعبنا، كما تضمنها الميثاق القومي/الوطني للمنظمة. ولهذا يمكننا القول بأن إعادة الاعتبار، والدور، والوظيفة، لمنظمة التحرير الفلسطينية، كحاضنة سياسية تضم كل الوطنيين الملتزمين بأهدافها، والعنوان المباشر للنضال الوطني الفلسطيني، الذي جسده شعارها (وحدة وطنية، تعبئة قومية، تحرير)، تصبح مهمة عاجلة. إن توحيد جهود الوطنيين يجب أن يتركز على قضية اللاجئين الذين طردوا قسراً من وطنهم التاريخي، فأبناء الشعب اللاجىء، هم الذين تحملوا لعقود طويلة _ ومازالوا_ المشروع الكفاحي، وعلى تضحيات مقاتليهم، ارتفعت راية المقاومة المسلحة في أكثر من مكان. ولهذا فإن النضال من أجل عودة اللاجئين لوطنهم وقراهم التي طردوا منها عام 1948 يصبح القضية المركزية في برنامج العمل الكفاحي، حتى لا تتحول قضية اللاجئين، ودماء أبنائهم إلى “فاتورة” يتم تسديد حسابها للعديد من الدول، كما استشف من تصريح أدلى به قبل أيام أحد المسؤولين الأوروبيين الذين شاركوا في صياغة “رؤية اوباما” للحل! وبالتالي فإن التصدي لآثار ونتائج اتفاق اعلان المبادىء في أوسلو وملحقاته الذي أسقط مضمون القضية، وألغى حق اللاجىء في وطنه، يصبح أحد أبرز العناوين في خطة العمل الراهنة، بما يتضمنه ذلك من رفض للممارسات السياسية والأمنية التي تندفع فيها سلطة رام الله.

إن تطوير أشكال الرفض السياسية والجماهيرية، يجب أن يأخذ شكل الحراك العامودي والأفقي، بحيث تتضافر حركة النخب السياسية المستقلة_غير المنضوية في عضوية الفصائل_”كتاب ومثقفون أكاديميون” مع الحركة الشعبية القاعدية “الناشطون في اللجان الأهلية والعمل الشعبي”، التي تشهدها المخيمات ومناطق التواجد الفلسطيني في كل مكان، لتنطلق من خلالهم وبهم ورشات حوار تضم مندوبي الفصائل المعارضة، من أجل بلورة رؤية نقدية وموضوعية للأزمة الراهنة بكل تشعباتها وتجلياتها، تهدف وضع برامج للعمل السياسي/الكفاحي/المجتمعي كخطوة أساسية لاستكمال مهمات النضال الوطني التحرري، من حيث التأكيد والتشديد على وحدة الشعب الفلسطيني في كل مناطق انتشاره داخل الوطن المنكوب باحتلال عامي 1948 و1967 وفي مناطق اللجوء والاغتراب، هذا الشعب المتمسك بمقاومته للمشروع الصهيوني الاستعماري، والرافض لكل أشكال التنازلات والمساومات على قضية تحرير الوطن.