لقاح انفلونزا الخنازير حفلة ضخمة من أجل خمسين ملياراً

د. ثائر دوري

تشبه التصريحات الصادرة عن مسؤولي منظمة الصحة العالمية قول الشاعر الفرنسي أراغون “قسمت ثمرة حياتي قسمين توأمين، كما يتشابه الصمت والصوت لدى الأصمَ، فخذ الحكمة أو اختر الجنون”.

الحكمة والجنون يسيران معاً في كل إعلانات الصادرة عن المنظمة منذ اندلاع أزمة الوباء المزعوم المسمى أنفلونزا الخنازير، حيث لعبت المنظمة دور حمالة الحطب كي تبقى نيران هذا الوباء المزعوم، التي أضرمتها شركات الاحتكارات الدوائية العلمية، مشتعلة. وآخر إعلانات هذه المنظمة كان بتاريخ الجمعة 25 ايلول / سبتمبر يقول “… أن القدرة الإنتاجية لشركات الأدوية العالمية من لقاح أنفلونزا الخنازير لن تتجاوز ثلاثة مليارات جرعة سنوياً، وهو أقل بكثير مما كان متوقعاً، حيث كان من المفترض أن يتم إنتاج خمسة مليارات جرعة لقاح سنوياً،إلا أن المنظمة أكدت أن الأمر الذي يدعو للتفاؤل هو أن الفيروس إلى الآن يبدو معتدلاً وأن الكثير من الأشخاص الذين أصيبوا به قد تماثلوا للشفاء بسرعة، الأمر الذي يشير بحسب المنظمة إلى أن الكثيرين يمكنهم مقاومة هذا الفيروس من دون الحاجة الى لقاح” (وكالات ).

فالجنون هو في القسم الأول من الخبر، وهو الرغبة بإنتاج خمس أو ست مليارات جرعة لتلقيح كل أفراد البشرية. هذا هو الجنون بعينه فمن المعلوم أن المدة التي يتوجب انجاز هذا التلقيح خلالها يجب أن تكون قصيرة ولا تتجاوز الشهر العاشر وذلك قبل حلول الشتاء، فبعد ذلك تكون الإنفلونزا قد انتشرت ولم يعد هناك فائدة من التلقيح، لكن من يقدر على انجاز عملية هائلة كهذه في مدة قصيرة في ظروف مناخية مختلفة، وتضاريس مختلفة مع وجود ملايين البشر الذين يعيشون في أماكن نزاعات عسكرية، وملايين أخرى في مخيمات لاجئين، وملايين ثلاثة بالكاد يحصلون على قوتهم اليومي ويعيشون في مجاعة أو على حافة المجاعة؟ الجواب لا أحد، ثم من أين لنا بالكادر الطبي القادر على إنجاز هذه العملية، خاصة إذا علمنا أن حملة أبسط مثل التطعيم ضد الجدري أو شلل الأطفال، وهي لشريحة عمرية ضيقة محددة هي الأطفال، استغرق انجازها عقوداً حتى اكتمل تطعيم كل أطفال العالم، وأُعلن العالم خالياً من الجدري، في حين فشل الأمر حتى الآن بالنسبة لشلل الأطفال فبقي موجوداً رغم كل حملات التلقيح. ويزداد الجنون في القسم الأول حين تقرأ الحكمة في القسم الثاني من التصريح الذي يقول إن المرض بسيط فالفيروس معتدل وأن الأشخاص يمكنهم مقاومته دون الحاجة إلى لقاح.

لم إذاً اللقاح؟ خاصة أن الشتاء الذي تخشى منظمة الصحة العالمية من انتشار الفيروس فيه قد مر في نصف الكرة الجنوبي بدون مشاكل، لا بل إن أستراليا في 17 تموز (ذروة الشتاء) أوقفت كل الاختبارات الخاصة بهذا المرض، كما أوقفت إجراءات الوقاية على الحدود وفككت أجهزة المراقبة في المطارات، وأعلن أكبر مسؤول عن القطاع الصحي هناك أن كل ما يجري حول هذا المرض قرقعة إعلامية سخيفة ( وكالات ). فلم اللقاح؟

الجواب بسيط ويفسر نوبات الجنون، والتنبؤات القيامية عن هلاك مليار أو مليارين من البشر، كما يفسر سبب رفع منظمة الصحة العالمية درجة الخطر إلى السادسة رغم رفض كثير من الدول لهذا الأمر. الجواب هو ذاك الذي يربط اللقاح بتجارة حجمها.. احبسوا أنفاسكم خمسين ملياراً من الدولارات كل عام. وأنت لا تحتاج إلى آلة حسابية فالحساب بسيط، فثمن الجرعة الواحدة من اللقاح عشر دولارات، ومنظمة الصحة العالمية تطالب بخمس مليارات جرعة، فالثمن خمسون ملياراً وسنوياً لأن الفيروس متبدل وينتج عنه ذراري جديدة كل عام، وبالتالي فلقاح العام لن ينفعك في العام القادم وأحياناً لن ينفعك بعد ستة أشهر، وستذهب هذه المبالغ الهائلة إلى شركات الدواء الكبرى التي أعلنت منظمة الصحة العالمية شراكة معها منذ أوسط التسعينات. نعم خمسون ملياراً، انتبهوا فأنتم تتحدثون عن نقود حقيقية، فمن أجل مبالغ أقل بكثير تسيل أنهار من الدماء، فلم لا تصطنع منظمة الصحة العالمية الجنون من أجل هذا المبلغ!

ويضاف إلى الجنون جريمة الصمت. الصمت عن الأخطار الصحية التي يشكلها هذا اللقاح، ومن أجل هذه الأخطار ارتفع صوت كثير من المنظمات والأطباء في الغرب مطالبين بوقف كارثة هذا اللقاح، الذي أطلق عليه أحد الأطباء الأمريكان “يشفي المرض و يقتل المريض” فهذا اللقاح الذي أنتجته عدة شركات، وسيبدأ استخدامه في تطعيم أطفال المدارس رغم معارضة أكثر من نصف أهالي الطلبة، كما كشف أحدث استطلاع للرأي أجراه مستشفى (موت) للأطفال بالتعاون مع جامعة ميتشيغن إذ أجرى مسحاً وطنياً شمل 1678 والدا في آب/ أغسطس الماضي، ونشرته صحيفة القدس العربي في 25 -9، وأشار “أن 56% من الأهل الذين رفضوا تلقيح أولادهم إلى أنهم يخافون من آثار اللقاح الجانبية، بينما أفاد 46% منهم أنهم غير قلقين من أن يصاب أولادهم بالمرض” هذا اللقاح يحتوي مادة التيمروزال thimerosaL وهي مادة قاتلة للفطور والجراثيم اكتشفت في الثلاثينات من القرن المنصرم، وهي تُضاف إلى اللقاحات لحفظها من التلوث بالفطور والجراثيم، لكن المشكلة أن نصف وزنها الجاف يتكون من أملاح الزئبق التي هي مواد سامة للجهاز العصبي، كما تتراكم في الجهاز العصبي والقلب والكلية، ويتأثر بها الأطفال أكثر من الكبار، ويُشك على نطاق علمي واسع أن هذه المادة هي سبب إصابة الأطفال بمرض التوحد مما دعا الإتحاد الأوربي وأمريكا منذ أواخر التسعينيات إلى منع تلقيح الأطفال تحت عمر ست سنوات باللقاحات الحاوية على هذه المادة، فأمنت شركات الأدوية للأغنياء الأوربيين والأمريكان الشماليين لقاحات لا تحتويها، لكن منظمة الصحة العالمية أوصت باستمرار التلقيح باللقاحات الحاوية على التيمروزال لرخص سعرها، فقط في العالم الثالث، فأطفال العالم الغني الآن لا يتعرضون للزئبق ومخاطره أما أطفال العالم الثالث فليذهبوا إلى الجحيم، وهذا التصرف ليس بمستغرب من منظمة لم تعترف حتى اليوم أن اليورانيوم المنضب الذي استخدمته الولايات المتحدة في عدوانها على العراق مرتين في عامي 1991و 2003، وعلى يوغسلافيا عام 1999 م يشكل خطراً على الصحة العامة، ولم تربطه بزيادة تشوهات الأطفال وزيادة نسبة حدوث السرطانات وقصور وظائف الأعضاء المختلفة في البلدين رغم نداءات المختصين بهذا المجال، والبحوث العلمية الرصينة التي لم تترك شكاً حول الأمر، ورغم أن المحاكم البريطانية فعلت وبدأت تصدر أحكاماً بهذا الشأن “في العاشر من أيلول عام 2009 قررت هيئة المحلفين الخاصة بالتحقيق في أسباب الوفيات في منطقة مدلاندز الغربية في بريطانيا أن اليورانيوم المنضب قد سبب السرطان القاتل للجندي البريطاني ستيوارت دايسون الذي خدم ضمن قوات العدوان على العراق في عام 1991.. كما قررت هيئة المحلفين أن تعرض الجندي المتوفى دايسون لليورانيوم المنضب هو الذي أدى إلى وفاته. وبموجب هذا القرار كسبت عائلة الجندي حقها في التعويضات من وزارة الدفاع البريطانية”. هزيمة اليورانيوم المنضب أمام المحاكم البريطانية – د. هيثم الشيباني – شبكة البصرة.

مشاكل اللقاح تبدأ بهذه المادة لكنها لا تنتهي بها، فهناك مادة السكوالين المضافة له، وهي من الحموض الدسمة غير المشبعة، وتوجد في زيت الزيتون أساساً، وتدخل في تركيب الأعصاب والدماغ، كما أنها مادة وسيطة لتصنيع الهرمونات الجنسية عند كل من الذكر والأنثى، ويقول كثير من الخبراء إن إدخال هذه المادة عبر الجلد سيحفز جهاز المناعة ضدها ويجعلها تبدو كمادة غريبة وبالتالي فإن الجسم سيبدأ بعد حين بمهاجمة السكوالين الطبيعي الموجود في دماغه وأعصابه لينتج عن ذلك ما يسمى بأمراض المناعة الذاتية حيث يدمر الجسم خلاياه الطبيعية. ويشير كثير من الخبراء أن هذه المادة سببت ما يسمى “بتناذر حرب الخليج” الذي ظهر عند الجنود الأمريكان المشاركين في العدوان على العراق عام 1991، وأنا أعده نوع من لعنة العراق التي ستطارد إلى الأبد كل من يد آثمة ألحقت الأذى بهذا البلد. يقول الخبراء إن هذا التناذر الغامض يعزى إلى وجود هذه المادة “السكوالين” في لقاحات الجمرة الخبيثة التي لُقح به الجنود في ذلك الوقت.

كما أن تجربة تلقيح حدثت ضد انفلونزا الخنازير عام 1976م في أمريكا أدت إلى عدة مئات من الدعاوي القضائية ضد أضراره، و 1.3مليار دولار من التعويضات دفعتها شركات الأدوية للمتضررين. وخلاصة الأمر أن شخصاً واحداً مات بسبب تلك الإنفلونزا عام 1976، وبالمقابل مات 25 شخصاً بسبب اللقاح قبل إيقافه، كما أصيب عدة مئات من الأشخاص الأصحاء بمتلازمة غيلان باريه، وهي نوع من الشلل في الأطراف قد يكون مميتاً وقد يتحسن وقد لا يتحسن.

والجنون الأكبر هو استخدام لقاح لم يمر بمراحل الاختبارات المعروفة لأي دواء من الاختبار على حيوانات التجربة إلى الاختبار على عينة من المتطوعين، قبل تعميمه على نطاق واسع، فقد تذرعت شركات الدواء بضيق الوقت لعدم إجراء هذه الاختبارات، وبالتالي فإن البشر الذين سيتلقون اللقاح هم من سيكونون فئران التجارب، وعلى مسؤولية البشر، لأن شركات الدواء باتت منذ الثمانينيات محمية من الملاحقة القضائية تجاه الأضرار التي تسببها اللقاحات، فالأشخاص المتضررون من اللقاح عام 1976 قبضوا تعويضات، أما اليوم فلا تعويضات، وزيادة في الحيطة من قبل شركات الدواء المنتجة لهذا اللقاح، والتي يُقال أنها أنتجته على خلايا الكبد بدلاً من البيض كما هو معتاد في لقاحات الإنفلونزا السابقة ولا يعرف ما سيترتب على هذا التغيير، وهل هو أسوا أم أحسن. تبيع هذه الشركات اللقاح مع تعهد من السلطات الصحية المشترية بإعفائها من أي ملاحقة قضائية ضد ما سيتركه من أضرار على البشر. والتقطت السلطات الصحية بدورها هذا الأمر، فالسلطات المصرية ستلقح الحجاج هذا العام إجبارياً ضد إنفلونزا الخنازير، لكن سيتعهد كل حاج أن ذلك تم على مسؤوليته الخاصة!

حين يبدأ الحديث عن النقود تختفي الحكمة، الحكمة التي ما زال يتحلى بها الكثيرون لكن أصواتهم تضيع، أو تتشابه مع الصمت كما عند الأصم، و من هؤلاء الذين ما زالوا يتمتعون بالحكمة المفكر السويسري جان زيغلر الذي لخص الأمر برمته بالقول:

“أن إنفلونزا الخنازير تستغل على حساب فقراء العالم، وأنه بينما يستنفر الإعلام من أجل 45 شخصا توفوا بالفيروس خلال الأسابيع الأولى منه فإن مائة ألف شخص يموتون يومياً من الجوع وتداعياته المباشرة”.

وقال أنه من “التبجح” أن يظهر مسؤول من منظمة الصحة العالمية أمام وسائل الإعلام المختلفة قائلا إن فيروس إتش 1 إن 1 يهدد ملياري إنسان، مشيراً إلى أن مسؤولي المنظمة يتعاملون “بشكل غير مسؤول” مع التصريحات حول خطورة الفيروس.

وأضاف إنه لا ينكر أن منظمة الصحة العالمية ملزمة بمراقبة الصحة العالمية” ولكن عليها ألا تبالغ في تصوير الأشياء”، وأن تعطي كل حدث قدره الضروري من الاهتمام وألا تدخل الخوف في قلوب الناس لأنها تعرف أكثر مما يعرفه الناس من حقائق عن المرض.

وتابع أن نحو 953 مليون إنسان يعانون بشكل دائم من نقص التغذية، كما أن العالم يشهد وفاة طفل تحت سن عشر سنوات كل خمس ثوان، مضيفا “نحن نقبل ذلك وكأنه أمر طبيعي للغاية”.
وأكد أنه “ليست هناك مؤتمرات صحافية عن هؤلاء الناس ولا استنفار دولي من أجلهم، في حين أن منظمة الصحة تدعو وسائل الإعلام يوميا لمقرها الرئيسي في جنيف لإطلاعها على آخر المستجدات الخاصة بإنفلونزا الخنازير”. وقال زيجلر “عندما يتعلق الأمر بالكبار فإن الضمير العالمي يهتز، إن هذا يدل على العمى الذي أصابنا وعلى برودة عواطفنا المتدنية للغاية وتهكمنا من الواقع”.

كما يرى البروفيسور السويسري أنه من المثير للدهشة أن يتم توجيه الإعلام في التعامل مع أزمة الخنازير، وقال إنه لن يستغرب لو تبين فيما بعد أن شركات الأدوية الكبرى هي الممسكة بدفة هذا التوجيه الإعلامي في ضوء الركود الذي أصابها جراء الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. وأضاف أن إنفلونزا الطيور عادت على شركات الأدوية العملاقة بالمليارات من بيع الأدوية بعد أن كانت “تكدس” براءات الاختراع التي تمتلكها”.

لكن في حالة الصمم يتساوى الصمت مع الكلام. ومن الذين أصيبوا بالصمم السلطات الصحية العربية التي تضيع وقتاً، وجهداً، ومالاً على مكافحة مرض بسيط كالكريب، فتعطل المدارس، وتوزع الكمامات، وتخزن الأدوية مبددة ميزانيتها الهشة أصلاً كحال مصر التي اشترت دواء التامفلو بمائة مليون دولار، وكذلك فعل المغرب، وأغنياء العرب في الخليج لم يقصروا فقد صرفوا مئات الملايين على الأمر، و كان من الأجدى أن تصرف هذه الأموال على حملات استئصال التهاب الكبد، أو على البلهارسيا، أو على مكافحة الحمى الرثوية التي تفتك بقلوب ملايين الأطفال العرب ولا يتطلب استئصالها إلا جرعة بنسلين ثمنها لا يتجاوز عدة سنتات. وهذه الدول تستعد الآن لدفع ثمن لقاحات لتجربها على شعوبها.

الأمر الوحيد الذي يدعو للتفاؤل وسط كرنفال الجنون ويدعونا للتمسك بعقلنا على عكس ما توصي به الحكمة الشعبية العربية ” إن أهلك جنوا عقلك ما يفيدك “هذا هو يقظة العقل لدى شرائح واسعة من الناس ليسوا في مواقع القرار الآن لكنهم سيكونون كذلك ذات يوم، وهؤلاء باتوا يدركون أن منظمة الصحة العالمية يديرها لوبي خفي من شركات الدواء الكبيرة، ويدركون أن السلطات الصحية محلية ودولية تعبث بصحتهم فهم عندما يقارنون بين الضجة حول انفلونزا عادية وصمت القبور عن المشاكل الصحية الكبرى التي يعاني منها العالم وهي الجوع وسوء التغذية، والملاريا، واللشمانيا، والسل، والإيدز، كما يقارنون سرعة إنتاج لقاح لمرض متغير التركيب مثل إنفلونزا الخنازير مع تعثر إنتاج لقاح لأمراض مستقرة التركيب مثل اللشمانيا والملاريا وتفتك بملايين البشر، وبعد ذلك يشيرون إلى النقود على أنها سبب لكل ما يجري هؤلاء يستحقون التحية و يستحق أن يرفع الإنسان صوته من أجلهم، فالصمت والصوت لا يتساويان في هذه الحالة.

هؤلاء البشر هم الوحيدون الذين يجعلون لصوتنا معنى لا يتشابه مع الصمت. أما المتخمون الذين يحكمون العالم وتنتج لهم شركات الدواء خافضات شحوم وصادات للشهية كي يتوقفوا عن الأكل قليلاً، فالصوت والصمت عندهم سيان لأنهم صم لا يسمعون وإذا سمعوا فهم لا يعون، وهم يأكلون ولا يشبعون.