الرياضة: بين الإستثمار المالي والإستغلال السياسي (الحلقة الاولى)

الطاهر المُعز

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2031 )

تقديم

نسمع أو نقرأ أحيانا عن مبالغ طائلة، لشراء لاعب أو لبعض الثواني الإشهارية أثناء البث التلفزيوني للتظاهرات الرياضية المختلفة، كما نقرأ عن بعض المآسي التي عاشها بعض شباب افريقيا الذين تم التغرير بهم، والتلويح لهم بمستقبل رياضي باهر، ثم ألقي بهم في شوارع باريس وميلانو ومدريد. وقد أثار انتباهي خلو شوارع عاصمة عربية من المارة والسيارات، مع تواجد عدد هائل من أفراد الشرطة المدججين بالعتاد والسلاح، والسبب مقابلة في كرة القدم. وقالت صديقة أروبية أنها شاهدت مظاهرة وأعلام ولافتات، في إحدى شوارع عاصمة عربية، لا يجتمع فيها إثنان حتى يكون الشرطي ثالثهما، وبعد تمحيص، تبين أن ما شاهدته ليس حلما، لكن الألوان واليافطات والأعلام لم تكن رموزا لحزب أو نقابة، بل كانت رموزا لفريق رياضي، تظاهر أحباؤه تعبيرا عن الفرح لفوزه في مباراة كرة قدم. وفي شهر يوليو/تموز 2009، رأيت شبابا عربا يبكون حسرة على مالك فريق مرسيليا الفرنسي عند وفاته، وبعد البحث، اكتشفت أن الرجل وعائلته من أكبر أثرياء العالم وأن مؤسساته العديدة مسؤولة عن عدد من المآسي والمجاعات في الدول الفقيرة وأنه يربح أموالا طائلة من مغفلي أحباء الفريق الذي يملكه، وتقدمه وسائل الإعلام على أنه “حاتم الطائي”، يجود بماله ووقته الثمين حبا في فريق مرسيليا لكرة القدم، واكتشفت (صدفة) أنه صهيوني ملتزم ماليا وعسكريا وسياسيا وإعلاميا، منذ شبابه. لهذه الأسباب وغيرها، حاولت كشف ما وراء الرياضة وما وراء ادعاءات الأخوة والمحبة والسلام الخ، فالرياضة لا تشذ عن أي مجال آخر، فهي سوق يمكن استثمارها وجني الأرباح منها، باستغلال الرياضيين الأفارقة أوالمبتدئين، ومشاعر الجمهور… الرياضة، كأي حدث أو فعل، ليست خارج الزمان والمكان، وتخضع للظرف السياسي والإقتصادي محليا وعالميا، وكلما كانت الرهانات والإستثمارات كبيرة، كانت المرابيح المنتظرة كبيرة أيضا.

قد تكون الرياضة أفيون الشعوب، لكن الملاعب الرياضية مكان يسمح فيه للمقموعين بالزفير، في ظل أوضاع عديمة الروح، في عالم لا قلب له… مع الإعتذار لكارل ماركس، إذ حرفت مقولته (عن الدين) بعض الشيء.

لا شك أن ممارسة الرياضة مفيدة للجسم وللعقل: “العقل السليم في الجسم السليم”، لكن هناك رياضات “شعبية” يمكن ممارستها في أي مكان تقريبا (كالعدو وكرة القدم) وأخرى نخبوية تتطلب تجهيزات خاصة باهضة الثمن (كالتنس والغولف)، وأصبحت الرياضات الشعبية والنخبوية، الفردية منها والجماعية، ميدانا للتنافس والإستثمار والربح… تتناول هذه الورقة استعمال الرياضة كمجال استثمار سياسي واقتصادي، وأداة لتخدير الشباب والشعوب، وتغذية الإقليمية والشوفينية والعنصرية والتعصب الأعمى والأنانية والنزعة الفردية (الهداف، البطل، الفائز)، وعسكرة اللغة (الجناح، الهجوم، الدفاع، القذف، التصدي)، كما أصبحت الرياضة موردا للمخابر وشركات الأدوية ومواد التدليك، التي استفادت من بيع المنشطات “المشروعة” وغير المشروعة، ذات التأثير السلبي، تسببت في الموت الفجائي (في الملعب أحيانا) لعدد من الرياضيين، في ريعان الشباب. أما اللجنة الأولمبية الدولية أو الفدرالية الدولية لكرة القدم، فأصبحت مؤسسات احتكارية كبرى، وشركات عابرة للقارات، تميزت بمساندة الرجعيات والأنظمة الدكتاتورية، تنظم وتدير التظاهرات الرياضية بعقلية أصحاب المؤسسات الكبرى، وتدعي أن الرياضة محايدة وفوق كل الخلافات والصراعات السياسية والإجتماعية والإيديولوجية، بل هي “وسيلة تقارب بين الشعوب”، تزول أمامها الفوارق الطبقية والجنسية والأثنية… أما في صفوف مشاهير اللاعبين والمدربين، فهناك من دافع عن الإيديولوجيات الفاشية والعنصرية، بوعي كامل، كما تسعى الحكومات، والعربية منها على وجه الخصوص، للسيطرة على قيادات كل الجمعيات الرياضية وتنصيب رؤسائها وأعضاء مجالس إدارتها، واستعمال المباريات الدولية لتغذية القطرية والشوفينية والعنصرية، وخلق إجماع وهمي أو مصطنع (ضد الشعوب المجاورة)، خاصة أثناء أو إثر الأزمات الإقتصادية والإجتماعية، مثل الحرب التي جرت بين هندوراس وسلفادور، عام 1969، والتعلة كانت مباراة في كرة القدم… كما أصبح الرياضيون، وكذلك الأحباء والمشجعون (في زمن العولمة) لوحة إشهارية متنقلة، وكذلك الملاعب وشاشات القنوات التلفزية التي تقوم بنقل المباريات الرياضية، واستعملت الرياضة أداة للوصول إلى سدة الحكم، شأن رئيس الحكومة الإيطالية الذي يملك فريق “ميلانو أ.س” فخدمه أكثر من القنوات التلفزية الخمس التي يملكها برلسكوني أيضا، واستغل فريق ميلانو في حملاته السياسية والإنتخابية، لاستهواء الشباب ومحبي كرة القدم… أما الجمهور فإنه يقتطع من قوت يومه لشراء تذكرة دخول للملعب أو شراء قميص فريقه أولاعبه المفضل، الذي تزداد ثروته وثروة شركات الأزياء الرياضية المتعاقدة معه، لأن الرياضة نشاط اقتصادي، يخضع للمقاييس والمفاهيم المتعلقة بالربح والخسارة، والإستثمار، وبالتالي رسم أهداف، منها تحقيق رقم معاملات ونسبة نمو، وترويج “منتوجات” جديدة، لزيادة حجم المبيعات ونسبة المرابيح. ويتحول مشجعو الفرق الرياضية إلى مغفلين من طراز رفيع، حيث يدفعون ثمنا باهضا للقميص الذي يحمل دعاية وإشهارا لأكثر من مؤسسة، فيصبح حامل القميص عاملا متطوعا لفائدة عدة شركات عابرة للقارات، ويدفع ثمنا مرتفعا لللوحة الإشهارية التي يحملها بفخر واعتزاز (القميص)، ولا يتبادر إلى ذهنه الطالبة بأجرة، وبدلة مجانية، لقاء هذا العمل الإشهاري وبذلك فهو “متخوزق بمحض إرادته”، ويكبر الإحساس بالنشوة التي تغمره كلما كان الخازوق أكبر…

قد تُستعمل الرياضة كأداة صمود، أو دفاع عن الهوية، وهناك بعض الحالات التي استعمل فيها الرياضيون ساحات الملاعب أو وسائل الإعلام للتعبير عن رفض الظلم أو مساندة قضية عادلة، وهي حالات قليلة، لكن التاريخ سجلها لأصحابها، وبقيت راسخة في أذهان الملايين من مواطني العالم، منها فريق الجزائر لكرة القدم عام 1958، قبل الإستقلال، والعداؤون الأمريكيون السود عام 1968، والملاكم كاسيوس (محمد علي) كلاي… كما احتج عمال افريقيا الجنوبية ضد نسق العمل الذي فرض عليهم، لإتمام بناء الملاعب والطرقات والقرى الرياضية، التي ستحتضن فعاليات كأس العالم لكرة القدم 2010، فأضربوا عدة مرات بمساندة نقاباتهم، مطالبين بتحسين أجورهم وظروف عملهم، وتبعهم موظفو البلديات والمستشفيات وغيرهم، رغم دعوات الحكومة للحصول على “إجماع وطني” و”سلم إجتماعية” في مرحلة التحضير لكأس العالم.

تتناول هذه الورقة الجانب النضالي لبعض الرياضيين، في مناسبات محدودة، كما تتناول بتفاصيل أكثر، الرياضة كمخدر ومتنفس في نفس الوقت للجماهير، وكمصدر ربح وفير للشركات الكبرى والمؤسسات الإعلامية (التلفزيون) ولفئة من الرياضيين المحترفين… كما تحاول دراسة الأجواء المحيطة ببعض الأحداث “الرياضية” الهامة، التي تعكس وضع العلاقات الدولية، والأوضاع الداخلية.

الرياضة والهوية والإنتماء

كثيرا ما تحصل اشتباكات بين مشجعي الفرق الرياضية داخل الملعب أو خارجه، وكثيرا ما يكون الفريقان (في كرة القدم مثلا ) ينتميان لمدينة واحدة، كالأهلي والزمالك في القاهرة، وهناك فرق ينسبها أحباؤها إلى حي معين داخل مدينة، مثل فريقي الترجي الرياضي والنادي الافريقي في تونس، ويبلغ التباين والتنابز والعنف بين أحباء بعض الفرق حد فقدان الأرواح، في عدد من البلدان منها تونس (مباراة بين الترجي الرياضي وفريق أولمبيك باجة)… هذه أمثلة على التقزيم الأقصى لمسألة الإنتماء والهوية، حتى تنحصر في حي ما من مدينة ما… نفس الجمهور يعشق ويتابع بحماس نتائج فرق الدوري الإنغليزي أو الإيطالي أو الأسباني، ويتحمس لفرقها الوطنية… ضاربا عرض الحائط بالحدود الجغرافية واللغوية، ومتناسيا أيضا مشاركة هذه البلدان الثلاثة في احتلال العراق وأفغانستان الخ، بدعوى عدم الخلط بين السياسة والرياضة… والمرجح أن هذا الإهتمام المبالغ فيه بالرياضة ونتائجها، مرده إلى أن الرياضة (كرة القدم خاصة) تكاد تكون المتنفس الوحيد الذي يسمح بالإحتفال ببعض الإنتصارات، في زمن تعددت فيه هزائمنا، كعرب، وحرمنا فيه من التعبير عن الرأي ومن النقد لأوضاعنا، والملعب يكاد يكون المكان الوحيد الذي تتوفر فيه حرية التعبير عن الفرح والغضب، والصياح، والتفوه بالعبارات النابية، ضد الفريق المنافس وضد الحكومة أحيانا الخ.

سخنين” أو الرياضة كمتنفس ضد الكبت والإضطهاد

سخنين، مدينة فلسطينية تقع في الجليل، احتلها الجيش الصهيوني في أكتوبر 1948، يقطنها حاليا حوالي 25 ألف ساكن… انطلقت مظاهرات “يوم الأرض ” في 30 مارس1976 (وقبله) من سخنين، بسبب مصادرة 5000 فدان من الأرض الزراعية للأهالي، بغرض بناء مستعمرة “كرميئيل”… قتلت الشرطة الصهيونية 3 من أبناء سخنين المتظاهرين… أثناء “هبة اكتوبر” عام 2000 لمساندة فلسطينيي الإحتلال الثاني (1967)، واحتجاجا على استفزازات أرييل شارون فقتلت الشرطة 2 من شباب سخنين، من جملة 13 ضحية.

في الموسم الرياضي لكرة القدم2003/2004، فاز “اتحاد أبناء سخنين” بكاس “الدولة” (دولة “اسرائيل”)، بعد انتصاره على فريق “هيوعيل حيفا” بأربعة أهداف لواحد، يوم 18 ماي 2004…عمت الفرحة فلسطينيي الداخل فخرج أكثر من 35 ألف للتعبير عن الفرح، أي أكثر من سكان سخنين كلهم، وأكثر من عدد المتظاهرين في يوم الأرض أوفي هبة أكتوبر، وجاء المتظاهرون من مدن الجليل الأخرى ومن النقب (جنوب) والمثلث، ربما لتناسي قهر المستعمر الصهيوني الذي احتفل قبل 3 أيام بذكرى النكبة، التي يسمونها “عيد الإستقلال”، وكأن المستعمر البريطاني كان يستعمر هؤلاء القادمين من أروبا وأمريكا… تأسس الفريق عام 1991، وكان الفريق “العربي” الوحيد في الدرجة العليا للبطولة (فريق إخاء الناصرة يوجد أيضا هذا الموسم في الدرجة العليا)، وكان ولا يزال يتميز بضعف ميزانيته (حوالي 3 ملايين دولار هذا الموسم أي أقل من عشر1/10 ميزانية الفرق اليهودية في تل أبيب أو القدس أو حيفا) ولم يكن له ملعب قابل لاحتضان هذا النوع من المباريات… تبرع أمير دولة قطر ب6 ملايين دولار لإصلاحه وأصبح يسمى “ملعب الدوحة” فكانت فرصة لتبرز قطر كفاعل خير، لدى أحباء الفريق وفلسطينيي الداخل، وقامت في نفس الوقت بخطوة تطبيعية إضافية، تزامنا مع زيادة عدد القواعد العسكرية المنتصبة على أرض “دولة قطر”، وإمعانا في التطبيع، اختارت القناة المملوكة لحاكم دولة قطر”الجزيرة”، مباراة الفريق الصهيوني “مكابي حيفا” وبايرن مونيخ، لبثها مباشرة من حيفا المحتلة، في إطار بطولة أروبا للفرق، يوم 16 سبتمبر 2009… اعتبر أهالي سخنين ومعهم فلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948، فوز فريقهم ضد فريق يهودي، بمثابة انتصار لهم على مستعمريهم ومضطهديهم، مع أن إحدى مصادر التمويل الرئيسية الحالية للفريق متأتية من عقود الإشهار التي وقعها مع شركة “سالكوم” للهواتف والإتصالات بمبلغ يقارب 1،2 مليون دولار، ولهذه المؤسسة الصهيونية باع في الحملات الإشهارية العنصرية المتهكمة من العرب والفلسطينيين (ككل المؤسسات الصهيونية)، ولكنها تريد في نفس الوقت ربط اسمها بالفريق لاستقطاب زبائن جدد من الأحباء، ومن فلسطينيي 1948… وتأتي البلدية في المرتبة الثانية من حيث التمويل (حوالي 300 ألف دولار) إضافة إلى نصيب الفريق من تمويلات جامعة كرة القدم “الإسرائيلية”، والبقية تأتي من الإشهار وتبرعات الأحباء وذوي المصالح، وكذلك من إعارة بعض اللاعبين الأفارقة والرومانيين، الذين يشتريهم الفريق بثمن زهيد، ويعيرهم أو يبيعهم للفرق اليهودية الأغنى محققا بعض الأرباح… أما عن تركيبة الفريق، فإن المدرب وقائد الفريق يهوديان، واللاعبون يتوزعون كالتالي: 10 لاعبين يهود و 10 لاعبين فلسطينيين و5 أجانب، ولغة التخاطب أثناء التدريب والمباريات هي العبرية، فالمحتل لا يتعلم لغة أهل البلاد، بل يفرض لغته، حتى وإن انتحل صفة التقدمي، أو المناهض للإحتلال (والإحتلال عندهم لا يعني إلا بعض أراضي1967 )… ورغم نعت هذا الفريق بفريق”كل العرب” (أي فلسطينيي 1948 )، فإن الأحباء (وهم من النقب والمثلث والجليل ) يكرهون فريق وأحباء مدينة الناصرة، الذي يتمتع بميزانية أكبر وطاقم فني محترف، ولكنه لم يبرز مثل فريق سخنين، ويتهمون كل من يوجه نقدا ولو منطقيا وموضوعيا لفريق “اتحاد أبناء سخنين”، بأنه من مشجعي وأحباء غريمهم “إخاء الناصرة”، والعكس صحيح… فرقعة الهوية والإنتماء تضيق أو تتسع بحسب الظروف، ومن الثغرات التي ما انفك يستغلها الإحتلال الصهيوني: العشيرة والعائلة والدين والمذهب، وتصنيف الفلسطينيين إلى عرب وبدو ودروز… وغير ذلك لطمس الهوية العربية الفلسطينية للسكان الأصليين، كما يجند أبناء الدروز في الجيش، لمحاولة فصلهم عن بني وطنهم… وتمتلك مدينة سخنين أعلى معدلات الفقر والبطالة بين فلسطينيي الداخل، الذين هم بدورهم أفقر من أبناء اليهود الفلاشا، الذين هاجروا حديثا من أثيوبيا، ويعانون العنصرية، كما كان حال يهود اليمن سابقا، واليهود العرب، الذين هاجرو لفلسطين، بشكل عام… فالفريق إذا فقير ولم يكن له ملعب لائق ولا يمكنه دفع مبالغ كبرى كأجرة ومنح لمدرب ولاعبين محترفين مقتدرين، وما انفك يدفع مبالغ طائلة لوزارة الداخلية مقابل أعداد الشرطة التي تجندها السلطات الصهيونية، كلما لعب الفريق ضد فرق يهودية معروفة بعنف وهمجية وعنصرية مشجعيها مثل بيتار القدس ( التي استعانت بالمدرب الفرنسي لويس فرننديس، مدرب باريس سابقا ولاعب دولي في الفريق الفرنسي) ومع ذلك فهو يتميز عن الفرق اليهودية بثبات المشجعين وعدم الإنفضاض عنه لما نزل للقسم الأسفل، ربما لأنه يمثل رمزا لهويتهم التي أراد الصهاينة طمسها، خلافا لفريق الناصرة الذي لا يرغب في التركيز على العروبة، بل يحاول التركيز على الأخوة المزعومة بين العربي الفلسطيني واليهودي القادم من امريكا أو روسيا، ولا غرابة في ذلك، فمدينة الناصرة مهد الحزب “الشيوعي” “الإسرائيلي”، الذي لا زال يبحث عن “الإخاء العربي اليهودي” والمساواة والديمقراطية، بين أهل البلاد الأصلانيين، ومن جاؤوا لاستعمارهم ومصادرة أرضهم.

الجزائر: الرياضة في مرحلة الإستعمار

كانت فرنسا تعتبر الجزائر جزءا منها، قسمتها إلى ثلاث ولايات (محافظات )، لكن سكان الجزائر الأصليين لا يتمتعون بنفس الحقوق، فلهم مدارسهم (القليلة) الخاصة بهم ولا يشاركون في الإنتخابات ولهم بطاقة هوية خاصة ويمنع عليهم دراسة العربية، باستثناء القرآن الخ…في مجال الرياضة، وكرة القدم على وجه الخصوص، كان تكوين فرق رياضية من قبل السكان الأصليين المحليين يخضع لترخيص من وزارة الحرب، وحاولت السلطات فرض نسبة معينة من الأروبيين داخلها (ولم تفعل ذلك مع فرق الأروبيين واليهود)، ورغم هذه العراقيل فقد تكونت، ما بين 1921 و1926، في المدن الكبرى الثلاثة (الجزائر ووهران وقسنطينة) فرق اختارت لنفسها من الأسماء والألوان ما يزعج السلط الإستعمارية، كما تكونت في منطقة وهران منذ عام 1913 فرق لليهود (بدون أغيار ) تقوم بالدعاية للصهيونية، قبل وعد بلفور، وكانت متسببة في عديد الحوادث ذات الصبغة العنصرية، ضد الجزائريين “المسلمين”، دون حصول أي تتبع أو إنذار أو لفت نظر… أما الكاتب “ألبير كامو”، صاحب جائزة نوبل للآداب، فقد كان يقطن حي بلكور في الجزائر ولكنه اختار اللعب في فريق غلاة الإستعمار “راسينغ جامعة الجزائر” وبرر ذلك لاحقا بأنه كان يفضل اللعب في فريق عتيد وذي شهرة،على اللعب في فريق بلكور، الذي كان فوق المتوسط… رغم العراقيل تمكن “حزب الشعب الجزائري” (شيوعي ) من التواجد بكثافة في مجلس إدارة بعض الفرق مثل “الهلال الرياضي”، والقيام بتعبئة الجمهور على أسس وطنية… بين عامي 1930 و1936، عرقلت سلطات الإستعمار عديد الفرق الرياضية الجزائرية بسبب عدم قدرة الشرطة على مراقبة الشباب الجزائري الذي كان يهتف بشعارات وطنية أثناء المباريات ضد الفرق الإستعمارية، ولم تحرك السلطات ساكنا إزاء فريق مكون من إيطاليين، يحيي لاعبوه الجمهور بالتحية الفاشية أثناء دخوله الملعب وخروجه منه أوعند تسجيل الأهداف…وصل الأمر بالشرطة الفرنسية إلى اعتقال أطفال من أبناء المتفرجين الجزائريين، تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة، وحوكموا وسجنوا بتهمة “الإخلال بالنظام العام” داخل الملاعب… لم تنفع الإجراءات القمعية ضد الفرق الجزائرية، ففي عام 1945، كان أحباء فريق مدينة “عين تيموشانت” (غرب الجزائر ) ينشدون أناشيد ثورية تدعو للإستقلال، مثل نشيد “من جبالنا”… اندلعت الثورة المسلحة في الأول من نوفمبرعام 1954، فجندت فرنسا كل ما لديها من قوة لمحاربة الثوار (بعد هزيمتها في “ديان ديان فو” بالفيتنام في أيار1954)، خصوصا بداية من 1956- سنة العدوان الثلاثي على مصر- وفي عام 1958، استنبط الجيش الفرنسي طرقا قمعية عسكرية جديدة لاستئصال الثورة من المدن، ومن الجزائر العاصمة بالذات، وأصبحت هذه الممارسات تدرس في مختلف بلدان العالم، التي بها حرب عصابات أو حركات مقاومة شعبية، ويصور شريط “معركة الجزائر” (للمخرج بونتي كورفو) التحقيقات العنيفة والتعذيب والإغتيالات، والإيقافات بالجملة ومحاصرة المدن ومنع التجول الخ… صدر الجيش الفرنسي أساليبه القمعية إلى دكتاتوريات أمريكا الجنوبية والوسطى وآسيا الخ.

كرة القدم: جبهة مفتوحة من أجل الإستقلال

في منتصف أبريل/نيسان من عام 1958، أي قبل شهرين من مباريات المرحلة النهائية لكأس العالم لكرة القدم بالسويد، التي ترشح لها الفريق الفرنسي، غادر 31 لاعبا جزائريا التراب الفرنسي خلسة، ومنهم من كان ضمن القائمة الرسمية للفريق (بما أن الجزائريين فرنسيون بالقوة). التقى الجميع في سويسرا وإيطاليا، ومن ثم رحلوا إلى تونس، لتشكيل الفريق الوطني الجزائري الذي مثل الحكومة الثورية المؤقتة وجبهة التحرير الوطني من 1958 إلى غاية استقلال البلاد عام 1962، ولعب 91 مباراة في أروبا الشرقية وآسيا والبلدان العربية ففاز في 65 مباراة وتعادل في 13 وخسر 13، وسجل 385 هدفا مقابل 127، أي أن الفريق كان قويا، ومثل الجزائر المناضلة من أجل الإستقلال على أحسن وجه، رغم العراقيل وتهديدات الجامعة الدولية لكرة القدم، التي رفضت الإعتراف به واعتبرت رفع العلم الجزائري انتهاكا “للشرعية الدولية “… ومن النوادر التي يذكرها “رشيد مخلوفي” أن الفريق كان في بلغراد عام 1961 لملاقاة نظيره اليوغسلافي، وأبلغهم “المفوض السياسي” محمد علام، الذي كان يرافق الفريق دائما، أن السفير الفرنسي موجود بالمدارج، فاستماتوا ليبينوا له أن الجزائريين أناس جديون في كل الميادين، وانتصروا بنتيجة ستة أهداف لواحد… كان معدل العمر لهؤلاء الشبان لا يتجاوز 22 سنة، لكنهم كانوا مقتنعين بعدالة قضيتهم وبحتمية الإنتصار (نتيجة التأطير السياسي الذي لاقوه) إضافة إلى التزام جبهة التحرير الوطني بتأمين أجورهم التي كانوا يتقاضونها في فرقهم الفرنسية وتحمل كراء مساكنهم في تونس، وتوفير إطار كفء لتدريبهم والإحاطة بهم، لذا فلم يكونوا خاسرين من الناحية المادية.

على المستوى الرياضي، كان عام 1958 عام كأس العالم لكرة القدم في السويد، وكانت فرنسا تعول على 10 من الرياضيين الجزائريين الشبان الذين انتقلوا سرا إلى تونس، وصاروا يحيون العلم الجزائري عوضا عن العلم الفرنسي. أما أثناء مباريات كأس العالم، فقد برز لاعبون أصبح لهم شأن كبير في عالم كرة القدم، مثل الهداف الفرنسي “جوست قونتان” الذي سجل 13 هدفا أثناء الدورة، وهو رقم قياسي لم يحطم بعد، كما برز حارس المرمى السوفياتي العملاق”ليف ياشين” الذي لم يعرف عالم كرة القدم حارسا يضاهيه. أما فريق البرازيل فكان بدون منازع أحسن الفرق، وهو الذي فاز بالكأس بعد انتصاره على السويد (البلد المضيف ) يوم 29/06/1958، وبرز لاعبوه العظماء بيلي (ذو 17 سنة فقط ) وغارينشا وفافا وزاغالو… وكانت أول تظاهرة رياضية عالمية تبثها تلفزيونات العالم مباشرة، فشاهد العالم هذا الفريق الذي جمع بين اللعب الجميل والتهديف، أي بين الفرجة والجدوى.

على الصعيد السياسي، كان اجتماع باندونغ (1955) حاضرا في الأذهان، وكان لحركة عدم الإنحياز وزنها على الساحة الدولية، فرفضت الفرق الرياضية الآسيوية والافريقية التباري مع فريق الكيان الصهيوني وقاطعته، ومن يومها وقع إلحاقه بالبطولات الأروبية، أي تمت إعادة المستعمرين إلى أصولهم الأروبية، كما فرضت إقصاء رياضيي جنوب افريقيا… في لبنان، ولتصفية خلافات سياسية داخلية، دعى الرئيس اليميني، المنتهية ولايته “كميل شمعون”، الجيش الأمريكي للتدخل المباشر لقمع خصومه السياسيين الذين تظاهروا واعتصموا، احتجاجا على مناورات اليمين، بزعامة حزب الكتائب (حليف شمعون )، وعدم اعترافه بفوز الجنرال فؤاد شهاب، المتهم بالتقارب مع مصر وسوريا (ما أشبه اليوم بالبارحة )… أرسلت أمريكا 15000 من قوات “المارينز” الذين احتلوا لبنان، وجندت الأسطول السادس، لمحاصرة لبنان ومنطقة المشرق العربي، التي شهدت أحداثا أخرى أزعجت أمريكا ومن معها: إعلان الوحدة بين مصر وسوريا (الجمهورية العربية المتحدة )، بعد عامين من العدوان الثلاثي على مصر، نهوض القوى التقدمية في الأردن منذ 1956… والضربة الأكبر جاءت من ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 في العراق، حيث تم إعلان الجمهورية وإسقاط الملكية وخادمها “نوري السعيد”، وسقط معها “حلف بغداد”، النسخة الأصلية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي أعادت أحياءه الإمبريالية الأمريكية… جسد عام 1958 تبديل أمريكا لفرنسا، كإمبريالية حامية للقوى الرجعية في لبنان، كما أصبحت أمريكا – بالنتيجة- أكثرتقاربا مع الكيان الصهيوني، الذي ما انفك يعزز دوره الوظيفي في منظومة الرأسمالية المعولمة والإمبريالية…

هذه العوامل الموضوعية، إضافة إلى الوازع الوطني وإرادة التحرر، والتجربة الطويلة لعمل الفرق الرياضية الجزائرية داخل أوساط الشباب، والترويج لأهداف تتجاوز المجال الرياضي، جعلت تكوين الفريق الجزائري ممكنا، واحتضنه الجمهور التونسي، بعد أقل من شهرين من افتراف الطيران الفرنسي لمجزرة قرية “ساقية سيدي يوسف” الحدودية (يوم 08/02/1958 )،التي لا زالت قرية مشتركة، جزائرية تونسية، يؤم أبناؤها نفس المؤسسات ويتمتعون بنفس الخدمات…وكان اللعب الجميل والنتائج الرياضية الباهرة للفريق الجزائري عاملا إضافيا جعله محبوبا ومهابا.

الألعاب الأولمبية في المكسيك عام 1968 وقضية الأمريكيين السود

قبل افتتاح الألعاب الأولمبية التاسعة عشر بمكسيكو بعشرة أيام، فتح الجيش المكسيكي النار على الطلبة المتظاهرين، لمساندة الإضرابات العمالية، فسقط ما بين 200 و300 قتيل ولم تتناول وكالات الأنباء هذا الخبر إلا لماما، مركزة الحديث عن تحضيرات الألعاب الأولمبية التي بدأت يوم 12 أكتوبر 1968.

جرى سباق 200 متر يوم 16/10/1968 وفاز تومي سميث بالميدالبة الذهبية والأسترالي بتر نورمان بالميدالية الفضية وجون كارلوس بالميدالية البرنزية… اتفق الفائز الأول والثالث، وهما زنجيان أمريكيان، على استغلال فرصة البث التلفزي (حوالي نصف مليار متفرج في العالم ) للتعبيرعن تضامنهم مع إخوانهم الذين يناضلون من أجل المساواة في الحقوق وضد التمييز العنصري في أمريكا، فيما سمي بالحركة من أجل الحقوق المدنية… على منصة التتويج، أثناء رفع العلم الأمريكي وعزف النشيد الرسمي، كان تومي سميث وجون كارلوس يوجهان بصرهما نحو الأرض، إجلالا لمن قتل من السود، ورفعا قبضتيهما المغلفتين بقفازأسود، تعبيرا عن قوة السود حين يناضلون جماعة من أجل حقوقهم، كما خلعا أحذيتهما وبقيا حافيين، تعبيرا عن الفقر المدقع الذي يعانيه زنوج أمريكا… أما الأسترالي بيتر نورمان فقد خفض بصره هو الآخر ووشح صدره بميدالية “المشروع الأولمبي من أجل حقوق الإنسان”، تعبيرا عن تضامنه معهما، إنسانيا وسياسيا وربما طبقيا، فالفائزون الثلاثة ينحدرون من أصول عمالية… بعد يومين فاز بالميدالية الذهبية والفضية والبرونزية، في سباق 400 متر، ثلاث زنوج أمريكيين: لي إيفانس، ولاري جيمس، ورون فريمان، وعلى منصة التتويج رفع الثلاثة قبضاتهم، وعلى رؤوسهم قبعات حركة “الفهود السود” للزنوج الأمريكيين، غير عابئين بالتهديدات والعقوبات التي سلطت على تومي سميث وجون كارلوس… كما رفض جيم هينس الفائز بالميدالية الذهبية لسباق 100 متر ب9ثواني و95 عشرا وزميله الفائز بالميدالية البرنزية شارلي غرين، مصافحة رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، الأمريكي آفيري برونداج، المعروف بمواقفه العنصرية المعلنة والذي أعلن مساندته لهتلر أثناء تنظيم الألعاب الأولمبية ببرلين عام 1936، وهو الذي طالب اللجنة الأولمبية الأمريكية بطرد سميث وكارلوس من المدينة الأولمبية وترحيلهما فورا إلى أمريكا… تهاطلت الشتائم والحملات الصحفية ضد هؤلاء الرياضيين الذين عبروا، بشكل سلمي وهادئ، عن رفضهم التمييز العنصري المسلط ضدهم في بلادهم، ووضع القائمون على الرياضة حدا لحياتهم الرياضية، ولم يتجاوزوا بعد 24 سنة. أما الأسترالي بيتر نورمان، فإن حياته كمدرس للرياضة تحولت إلى جحيم وأطرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، ورفضت اللجنة الأولمبية الأسترالية (لأسباب سياسية بحتة) مشاركته في اولمبياد مونيخ 1972 رغم نتائجه الرياضية التي تسمح له بذلك وزيادة… توفي نورمان يوم 3 أكتوبر 2006، ووقع تأبينه بحضور سميث وكارلوس، في نفس القاعة التي ألقى فيها نورمان خطاب مساندة من المدرسين لعمال الموانئ المضربين، لما كان ناطقا نقابيا باسم زملائه، طيلة 20 سنة… أما الرياضي الأسود الوحيد الذي شذ عن القاعدة، أثناء أولمبياد مكسيكو 1968، فهو الملاكم جورج فورمان، الفائز بميدالية ذهبية في الملاكمة، فرفع علما أمريكيا صغيرا يلوح به في يده، وقام بتصريحات لاحقة يتهم فيها حركة الإحتجاج بالخيانة، ووقع استعماله طيلة حياته، ضد التقدميين الزنوج (سيأتي الحديث عنه لاحقا في فقرة أخرى)…وبذلك أصبح فورمان وبيليه (إدسون أرانتس دو ناسيمنتو) وأوزيبيو (لاعب كرة قدم برتغالي من أصل موزمبيقي) من الرياضيين الزنوج القلائل الذين أنكروا وجود العنصرية، وتمسحوا بأعتاب السلطة، من أجل مصالحهم المادية (الحكم العسكري في البرازيل منذ 1964،والفاشية الإستعمارية في البرتغال في عهد سالازار وكايتانو، حتى 1975). لقد نجح الرياضيون الزنوج الأمريكيون في لفت أنظار العالم لما يحصل في أمريكا من قمع واضطهاد وتفرقة، واستطاعوا مزج هذا الحدث الرياضي بالحدث السياسي، وأصبحت صورتهم، رافعين قبضاتهم، على الصفحات الأولى لصحف العالم، إضافة إلى نصف مليار من مشاهدي الشاشة الصغيرة، ومئات الملايين من مستمعي المذياع.

المناخ الذي جرت فيه اولمبياد مكسيكو 1968

على الصعيد الأروبي وعدد آخر من بلدان العالم، حصلت حركة شبابية واسعة واحتجاجات عمالية، طالت حتى أمريكا وأستراليا، وجوبهت هذه الحركات بقمع شديد، لكن الحكومات اضطرت إلى بعض التنازلات… في الصين كانت الثورة الثقافية في أوجها، وأثارت عددا من النقاشات ذات الأهمية حول الطبقات وأساليب الحكم وتوزيع الثروات والعلاقة بين الحزب والسلطة الخ، وقد أثرت أيما تأثير على شباب العالم، وعديد الحركات والأحزاب السياسية… قبل 6 أشهر من الأولمبياد، تم اغتيال القس “مارتن لوثر كينغ “، الداعي إلى المطالبة بالحقوق المدنية للزنوج، بشكل سلمي، مستعملا مكانته الدينية وقدراته الخطابية للتأثير على اتباعه، في أمريكا وخارجها، ولم تشفع له دعوته لنبذ العنف فاغتيل في أبريل 1968، وكانت أمريكا غارقة في حربها العدوانية ضد فيتنام، وتلقي طائراتها الضخمة (فانتوم وب 52 ) يوميا، آلاف الأطنان من القنابل المدمرة والحارقة (نابالم)، في عهد الرئيس الديمقراطي” ليندون جونسون”. وقبل مارتن لوثر كينغ، اغتيل مالكوم أيكس (عام 1964 )، الذي لم يكن متفقا معه في الطرق والأساليب والأهداف، كما اختلف كثير من الشباب مع القس لوثر كينغ، فأسسوا حركة “بلاك بانتير” (الفهود السود) عام 1966، في نفس السنة التي أعلن فيه الملاكم كاسيوس كلاي (محمد علي )- الفائزبالميدالية الذهبية للملاكمة في أولمبياد 1960 – رفضه آداء الخدمة العسكرية والذهاب لمحاربة الفيتناميين، قائلا: ليس لي أي عداء معهم، ولم يشتمني أي فيتنامي أو ينعتني بالعبد الأسود القذر، مثلما يفعل ذلك معي البيض الأمريكيون… جرد كلاي من لقبه، وحكم عليه بالسجن 5 سنوات وبغرامة مالية باهضة، ولم يسترجع حقوقه إلا عام 1971، بعد معاناة مالية ونفسية قاسية، ثم استرجع لقبه بعد أن انتقم من “جورج فورمان” (ذلك الذي نعت أسياده المناضلين بالخونة)، في كنشاسا عام 1974، في مقابلة شهيرة بثتها تلفزات العالم… في عام 1967، أسس بعض الرياضيين السود في أمريكا “المشروع الأولمبي لحقوق الإنسان” (أولمبيك بروجكت فور هيومن رايتس)، بمبادرة من “هاري إدواردس “، رياضي سابق في ألعاب القوى ومدرس سوسيولوجيا في جامعة “سبيد سيتي ” بكاليفورنيا، حيث كان يدرس كارلوس وسميث وغيرهم من الرياضيين السود، الذين لا يتمتعون بنفس حقوق الطلبة البيض، ولا بنفس الدروس ولا بنفس الحقوق والإمتيازات كطلبة وكرياضيين… وقد كان العدّاء الأسترالي بيتر نورمان الذي تضامن معهما، متعاطفا مع هذه المنظمة.

قبل الألعاب الأولمبية، قررت اللجنة الأولمبية الدولية إعادة قبول جمهورية جنوب افريقيا (التي كانت تحت نظام الميز العنصري المقنن )، بعد طردها عام 1964، فأعلنت 32 دولة افريقية مقاطعتها لألعاب مكسيكو لو شاركت جنوب افريقيا وأعلن الرياضيون الأمريكيون السود نفس الموقف، فتراجعت اللجنة الأولمبية الدولية (التي يقودها اليميني العنصري الأمريكي “آفري برونداج “)، ولم تقع دعوة جنوب افريقيا، بهدف إنقاد الأولمبياد وسمعة اللجنة الدواية.

دفع هؤلاء الرياضيون غاليا ثمن مواقفهم، ومبدئيتهم، فرغم تحقيق العدائين الأمريكيين أرقاما قياسية، لم يستفيدوا من أي امتياز، بل حرموا حتى من حقوقهم العادية، كالمنح والعلاوات والترقيات في الوظيفة… غير أن العالم شهد لهم بشجاعتهم النادرة، واحترمهم العدو قبل الصديق، لثباتهم على مبادئهم.