السعودية: معضلة التنمية المسيجة

د. مضاوي الرشيد

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2031 )

كان افتتاح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية حدثاً إعلامياً سياسياً أكثر منه أكاديمياً حيث تم التركيز على كلفة الجامعة ومعداتها وتقنيتها وكونها تتوج رؤية إصلاحية جديدة دشنها الملك. وجاءت الجامعة كنقلة مستقبلية بديلة لنقلات كانت متوقعة على صعيد التنمية البشرية والسياسية والاجتماعية. وركز الإعلام السعودي على نقطة الاختلاط المتوقع في الجامعة وكأنه الأهم في مسيرة تعليمية تخالف ما هو متبع حالياً في مرافق التعليم الموجودة. وهو وحده ما سيفتح المجال لثورة تعليمية قادمة.

لقد افتقد الجدل حول الجامعة ركيزة مهمة اتسمت بها مشاريع التنمية السعودية منذ بدئها والتي توجتها شركة أرامكو منذ بدء عملها في السعودية في الثلاثينات من القرن المنصرم. قامت التنمية على مبدأ تسييج كل ما هو جديد وغريب عن محيطه الاجتماعي. وكانت نظرية السياج الذي فرضته أرامكو على عمالها الأجانب تكرس هذا المبدأ حيث خلقت منذ أيامها الأولى جداراً يعزلها عن محيطها وأنشأت مجمعات سكنية لعمالها وموظفيها فنمت المدن والمخيمات بعيداً عن الرقابة الاجتماعية وبمعزل عنها. وحتى بعد سعودة مؤسسات أرامكو ظل مبدأ السياج معتمداً بل حتى انه تحول إلى نمط يتبع في مناطق مختلفة. وحتى هذه اللحظة تظل المجمعات السكنية المسيجة والتي يقطنها الاجانب الغربيون هي المأوى الذي يفضلونه بينما يتوزع العمال ذوو الدخل المحدود على أحياء خاصة فقيرة. لقد خلقت التنمية المسيجة ازدواجية وشرخا في المجتمع السعودي حيث تطورت واحات تقنية ومهارات متقدمة معزولة عن محيطها ورغم أن المجتمع السعودي قد استفاد من انجازات ومدخول النفط خلال السنوات الماضية وخاصة من الناحية المادية والتكنولوجية إلا انه ظل منعزلاً عن الفكر الذي يقف خلف هذه الانجازات. ولم يكن من المستغرب أن يحدث انفصام مجتمعي لم تتخلص منه السعودية حيث يعتبر البعض هذه المرافق التنموية واحات فيها من الحرية ما هو غير موجود على الساحة الاجتماعية. أما البعض الآخر اعتبرها بؤر فساد تخالف طبيعة المجتمع. ولم تكن مفاجأة كبيرة عندما طال العنف مثل هذه المجمعات منذ التسعينات حيث استهدفت من قبل القاعدة.

وتأتي الجامعة الجديدة لتكرس مبدأ التنمية المسيجة والتي ستكون حمايتها وحماية العاملين بها من اكبر الهموم السعودية خاصة وأنها تبشر بنمط معيشي يختلف تماماً عن مفاهيم المجتمع وتقاليده. وبينما جامعات العالم تكتفي ببعض العاملين الذين يضمنون أمن المباني الجامعية لحمايتها من السرقة والعبث إلا أن الجامعة السعودية الجديدة ستحتاج إلى فرق أمنية لتضمن عدم اقتحامها من قبل المعترضين على توجهها الاجتماعي وليس العلمي أو الأكاديمي. ويظهر ذلك بوضوح من خلال مراقبة أي نشاط جديد أدخلته القيادة السعودية ولو كان فنياً أو فكرياً فمن مسرح إلى سينما مروراً بمعرض كتاب يظل الأمن مرافقاً للأنشطة المختلفة وهاجساً يرافق افتتاح المرافق الجديدة. بالإضافة إلى معضلة الأمن وأهم منها هو كون التنمية المسيجة مدخلاً لترسيخ ازدواجية اجتماعية واقتصادية حيث تنمو طبقة متعلمة ومتمكنة من إجادة التعامل مع التقنيات الحديثة ومؤهلة علمياً ولغوياً وتعيش بمعزل عن محيطها وتستفيد من فرص عمل متقدمة على حساب أكثرية اكتسبت مهارات محدودة أو حتى منعدمة نتيجة انخراطها بمؤسسات تعليمية قديمة مترهلة وغير قادرة على تهيئة جيل جديد يقتحم السوق الاقتصادية الحديثة لما تتطلبه من مهارات متقدمة وتقنيات عالية المستوى. تعمق التنمية المسيجة هذه الطبقية التي تتجاوز أبعادها الناحية الاقتصادية وتطال تركيبة المجتمع في الصميم. فتخلق أقلية متمكنة وأكثرية مهمشة. تصبح الأولى واجهة تخفي الوضع المزري للثانية وتستغل الأولى كواجهة إعلامية تقدم للعالم علّها تحجب واقع المجتمع وتخلف فرص التعليم المتاحة له والمرافق الاقتصادية المحدودة المتوفرة له.

ويرافق هذا الشرخ الاجتماعي شرخ فكري وسلوكي مرتبط بالفرص المتاحة الجديدة حيث تنعزل الأقلية في نمط عيشها وتفكيرها عن الأكثرية بل أنها تفضل العيش في مجمعات معزولة حيث تستطيع أنتعيش حسب مبادئ جديدة ومعطيات لا يسمح المجتمع بممارستها خارج أسوار المجمع السكني أو الواحة العلمية من مدرسة مختلطة مرورا بقيادة السيارة. تماما كما يحصل حاليا في المراكز السكنية التابعة للمنشآت النفطية. ستظل السعودية تعيش حالة انفصام اجتماعي مرتبطة بمبدأ التنمية المسيجة التي تمثل الجامعة الجديدة نموذجا له. ولهذا الانفصام تداعيات مهمة على تطور المجتمع في المستقبل. وتستهلك هذه المبادرة من الجهد والمال على حساب التنمية المفتوحة التي تستوعب اكبر شرائح اجتماعية دون أن تعزلها في منشآت نائية بعيدة عن الأعين. وتم التسويق للجامعة على أنها للعالم بأجمعه بينما هي معزولة عن مجتمعها القريب بفكرها والسلوكيات التي تروج لها ومن هنا جاء استقبال الطلبة من الخارج الذين تتكفل الدولة بمصاريف تعليمهم وقد تجاوز عددهم عدد الطلبة السعوديين المنخرطين في السنة الدراسية الأولى. وبينما تصرف الأموال الطائلة على البعثات الدراسية للطلبة السعوديين في الخارج نجد الدولة تؤمن التعليم المجاني لطلبة الخارج المتقدمين إلى مقاعد البحث في جامعتنا الجديدة. وحتى هذه اللحظة لم نسمع أن جامعة عالمية قد سمحت للسعوديين بالتعليم المجاني بينما ارتبط تسويق المشروع الجديد بهذه الهبة. وربما تفتقد السعودية حاليا إلى عدد كبير من الطلبة المهيئين للبحث العلمي العالي على مستوى الماجستير والدكتوراه حاليا لذلك توجب استقبال هذا العدد الكبير من الطلبة الأجانب.

مما يطرح سؤالا عن إمكانية مؤسسات التعليم القديمة توفير المؤهلات العالية التي تمكن الطالب من الانخراط في صرح علمي متطور وكان على الحالمين بهذا المشروع الجديد أن يربطوه بمؤسسة تحضيرية تؤمن عددا معقولا من الطلاب الذين يهيئون للدراسات العليا. وكما تستورد القطاعات الاقتصادية والعلمية كوادر التعليم من الخارج يبدو أن الجامعة بدأت باستيراد الطلبة مع طاقم التدريس ورئيس الجامعة.

تطرح فكرة الجامعة المسيجة معضلة قديمة هي علاقة التطور العلمي بالحالة الفكرية والاجتماعية. ونحن نعلم أن صروح البحث العلمي العالمية والجامعات العريقة كانت قبل أن تخترع الانجازات العلمية صروحا فكرية. ومعظم هذه الجامعات كانت في السابق مدارس للنقاش الديني. خذ مثلا تاريخ أعرق جامعتين في بريطانيا وهما جامعة كيمبردج وأكسفورد حيث نمت سجالات دينية وفكرية مهدت لاختراعات علمية فتحولت هذه الجامعات من مراكز لاهوتية إلى مراكز علمية حديثة استطاعت أن تجمع بين الدين والفلسفة والاختراع العلمي تحت سقف واحد. عندها فقط استطاعت هذه الجامعات أن تنهض بمجتمعها وتعمم تجربتها على جامعات أخرى استفادت من سجالاتها وانجازاتها واستقطبت الكوادر التعليمية والمهارات من بلدان العالم المختلفة.

ففكرة الجامعة تتجاوز المختبر المسيج والكافيتريا المختلطة والمعدات الحديثة والمبنى العتيد والكمبيوتر الجديد إلى ما هو أكثر جوهرية ومركزية. الحرية الفكرية هي قاعدة الجامعة الأولى والأخيرة حيث تضمن للباحث تجاوز الحدود مهما كان اختصاصه ومجاله. فيقفز ويشطح باختراعه علميا كان أم إنسانيا دون وصاية فوقية أو بهرجة إعلامية والقيد الوحيد المفروض عليه هو ما تفرضه أخلاقية البحث العلمي التي يحددها المجتمع بمؤسساته. فتفتح مجالات البحث الواسعة ضمن حدود أخلاقيات تكرسها قوانين البحث العلمي. عندها فقط يستفيد المجتمع من أي اختراع أو انجاز ولا يظل هذا التقدم واحة معزولة عن مجتمعها تصرف عليها الأموال الطائلة دون أنتصل فائدتها إلى محيطها. علاقة الجامعة بمجتمعها علاقة عضوية ابعد ما تكون عن مشروع التنمية المسيجة.

:::::

* كاتبة وأكاديمية من الجزيرة العربية