تقرير غولدستون ـ لو جد جد العرب والعالم…!

نواف الزرو

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2033 )

آن الاوان لمحاكمة جنرالات وساسة”اسرائيل” على اختلاف انتماءاتهم بتهمة اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية ضد الفلسطينيين…!.

بل لعلنا نؤكد ان هذا الاوان قد آن منذ زمن طويل يمتد الى نحو اثنين وستين عاما حين سطت التنظيمات الارهابية الصهيونية على الوطن العربي الفلسطيني سطوا مسلحا في وضح النهار، وحين تسببت بالنكبة الفلسطينية عبر سياسات التطهير العرقي بركيزتيها المجازر الجماعية وتدمير المجتمع المدني الفلسطيني..!.

والذي عطل محاكمتهم بالتاكيد ظروف عديدة لعل في مقدمتها الانحياز الامريكي السافر لاسرائيل والهيمنة الامريكية الاسرائيلية على الامم المتحدة..!.

وما بين ذلك الوقت والراهن المتحول، نرى ان المجتمع الدولي ما زال عاجزا عن ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة قضائيا ولنفس الاسباب..!

ورغم ذلك العجز والانحياز الاممي المتصل لاسرائيل، الا ان ظروفا جديدة اخذت تنشأ على ما يبدو، فهذا التقرير الاممي الذي يدين اسرائيل باقتراف الجرائم على اشكالها جاء مفاجئا لقادة اسرائيل الذين اخذوا يشنون حملات اعلامية وديبلوماسية مكثفة لاحتواء تداعيات التقرير و”قبرها” قبل ان تتفاعل كما اشارت مصادر اسرائيلية..!.

فعلى نحو غير متوقع يأتي تقرير غولدستون ليتحدث عن جرائم حرب وجرائم اسرائيلية ضد الانسانية، بعد ان كانت صحيفة سويدية كشفت النقاب عن “قيام الجيش الاسرائيلي باستئصال اعضاء الشهداء الفلسطينيين والمتاجرة بها”.

ثم تأتي نيكول غولدستون ابنة ريتشارد غولدستون رئيس اللجنة الأممية لتعلن “أن والدها صهيوني ويحب إسرائيل/ اذاعة الجيش الاسرائيلي /2009/9/17″، و”انه خفف كثيرا من قسوة التقرير، ولو كان غيره لخرج التقرير اشد قسوة بكثير”، ورغم كل ذلك تقوم قيامة اسرائيل ولا تقعد…!.

فهاهو نتنياهو يصف التقرير بأنه “محكمة تفتيش نتائجها كتبت مسبقا”، وانه يمنح جائزة للإرهاب ويجعل من الصعب على دولة ديمقراطية أن تكافحه. وهاهي الإدارة الأمريكية تقول:إن قراءة أولية للتقرير تثير المخاوف حول بعض التوصيات التي تضمنها.

ووزير العدل اسحق هيرتسوغ يقترح “تشكيل سلطة تتصدر الكفاح القضائي الاسرائيلي في الساحة الدولية، فاسرائيل تعيش اليوم معركة قضائية عسيرة تتآمر على شخصية وجودها – وعليه فانه ينبغي لها أن تجند لكفاحها افضل العقول القضائية تحت تصرفها”.

ووزير الحرب الجنرال باراك يقول”هذا التقرير هو ذروة النفاق، هو يقلب الحقائق ويخلط بين الارهابيين وضحايا الارهاب، وهو لا يعطي فقط جائزة للارهاب الذي حدث وانما يشجع الارهاب في المستقبل”.

اما ليبرمان فيقول”إن اللجنة أقيمت لتحدد ضمنا أن إسرائيل مذنبة بارتكاب جرائم محددة مسبقا أيضا، وهدف التقرير هو تقويض صورة إسرائيل لخدمة أهداف دول لا ترِد في قاموسها اصطلاحات كحقوق الإنسان وقيم الحرب”، والمدعي العسكري الرئيسي للجيش الإسرائيلي، الكولونيل أفيحاي مندلبليط ” إن التقرير منحاز ومتطرف بصورة خارجة عن المألوف ولا يمت للواقع بصلة”.

يضاف الى ذلك جملة واسعة من ردود الفعل الاسرائيلية المشابهة، فتلك الدولة لم تعتد على مدى عمرها اتهامها هكذا باقتراف جرائم حرب ومساواتها ولاول مرة بالضحية…!

ف:

“شعبها شعب الله المختار”…!

– ودماء ابنائها اليهود نقية طاهرة ترقى على دماء الاغيار..!.

– وجيشها نظيف طاهر انساني هو الاكثر اخلاقية كما يجمعون ويروجون…!

– وبلادها هي الارض الموعودة لهم حسب اساطيرهم….!

فكيف يجرؤ غولدستون الصهيوني-حسب ابنته- على اتهامها بهكذا تهم من شأنها لو جد جد العرب والعالم والامم المتحدة ان تجلب تلك الدولة بكاملها ..بجيشها وجنرالاتها وقادتها الى المحاكم الدولية..!.

فالحقيقة الساطعة السافرة اذن- ونحن امام تقرير غولدستون الذي يجرم جنرالات وقادة اسرائيل، ان ما جرى في غزة يرتقي الى مستوى جرائمي مرعب اجبر غولدستون على ادانتهم، رغم انه يفرغ التقرير من محتواه بدعوتهم الى تشكيل لجان تحقيق اسرائيلية -تصوروا….!، للتحقيق بجرائمهم هم، وان لم يفعلوا فقد يحول التقرير الى مجلس الامن…!

حالة غريبة عجيبة لم تحدث من قبل…!

فكيف اذن يترك غولدستون هنا المساحة لاسرائيل المجرمة في ان تحقق في جرائمها..!.

فالمحرقة كانت تبث من هناك.. من كل مدينة وبلدة وقرية فلسطينية في القطاع بالبث الحي والمباشر..!.

ومشاهد وصور جثث الاطفال والنساء والشيوخ والشبان الفلسطينيين المحترقين بالفوسفور الاسرائيلي دوت في انحاء العالم…!.

والمدارس والجامعات ومؤسسات الاونروا والجوامع والمباني العامة المدمرة التي سويت بالارض تماما لم تتأخر ايضا…!

الجميع شاهدها وتابعها بمنتهى الذهول والاستنكار..!.

– العالم لم يتحرك ولم يهتز..!.

-الامم المتحدة كانت متفرجة ولم تستحضر مواثيقها وقوانينها وادبياتها الاخلاقية الانسانية لوقف المحرقة..!.

المحلل الاسرائيلي جدعون ليفي كتب في هآرتس 17/9/2009 حول التقرير يقول: ان مجرمي الحرب يتجولون بيننا، عليهم ان يتحملوا المسؤولية وتلقي العقاب بناء على ذلك، هذا هو الاستنتاج الخطير الذي يتمخض عنه تقرير الامم المتحدة المفصل”، مضيفا: طوال عام تقريبا ونحن نحاول الادعاء بأن الدم الذي أرقناه في غزة سدى هو ماء، تقرير بعد تقرير والاستنتاجات تتلاحق متشابهة بصورة تثير الجزع، حصار وفسفور ابيض وتعرض للابرياء وتدمير للبنى التحتية، جرائم حرب – هذا ورد في كل التقارير بلا استثناء، ولكن بعد نشر التقرير الهام والاكثر اهمية وخطورة منها جميعا، تقرير القاضي غولدستون تتحول محاولات اسرائيل للتملص الى مشهد ساخر “، مؤكدا:” كانت هناك حاجة للاصغاء للمقابلة المثيرة للانفعال التي اجراها رازي باركائي مع نيكول ابنة غولدستون – حيث تحدثت بالعبرية عن الصراع النفسي الذي مر به والدها المقتنع انه لولا وجوده لكان التقرير اشد جسامة باضعاف المرات -آن الاوان لتقديم الشكاوي ضد المتهمين”.

فخلاصة التقرير والتقدير المدجج بالحقائق والارقام والاعترافات والشهادات العالمية والاسرائيلية اذن، اننا امام مشهد مرعب يستحق ان تتوقف عنده الامم المتحدة ومنظماتها وهيئاتها القانونية والانسانية المختلفة، في الوقت الذي يتعين على هيئات المجتمع المدني وكافة المظمات والهيئات الحقوقية في انحاء العالم ان تتعاون وتنسق قضاياها وشكاواها ضد”اسرائيل” وجنرالاتها المتهمون باقتراف جرائم حرب لتقديمهم فعلا الى محكمة الجنايات الدولية، فالمستوى الذي ارتقت اليه الجرائم والمحارق الاسرائيلية يستدعي ربما ان “تجلب اسرائيل-نفسها الى كرسي المحاكمة و”الاعدام” السياسي والاجتماعي والاخلاقي على المستوى الدولي…!.

nawafzaru@yahoo.com