تنامي الخيار العسكري ضد طهران

فاطمة الصمادي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2033 )

لم يغب التهديد بالخيار العسكري عن بحث الملف النووي الإيراني منذ أن بدأ الجدل بشأنه، وان جرى حديث عن إسقاط هذا الخيار مع فوز باراك أوباما ومجيء الإدارة الأمريكية الجديدة التي أرسلت إشارات ايجابية للحوار مع طهران والدخول معها في مفاوضات غير مشروطة، لكن توجيه ضربة لإيران عاد إلى واجهة الأخبار وتصدر قائمة التوقعات السياسية مؤخرا، بصورة تنذر بقادم ربما يعصف بمستقبل المنطقة، وبدا من الواضح أن طهران تتعامل بجدية مع هذه التهديدات بشكل أكبر من السابق، خاصة مع تراجع ضغط الملف العراقي على الإدارة الأمريكية، وهو ما يرجح أن تلجأ طهران لاستثمار الملف الأفغاني وتوظيف نفوذها للضغط على الأمريكيين وربما يفسر إخفاق قوات التحالف هناك، حالة الغضب الغربية والامريكية تجاه إيران، لأنه يؤشر بشكل أو بآخر على “عدم تعاون” الحكومة الإيرانية للمساعدة في تغيير صورة الوضع في أفغانستان. ومن الخطأ الظن أن التواجد والتأثير والنفوذ الإيراني في أفغانستان يقل عن ذلك الذي في العراق.

مؤخرا تداولت الدوائر السياسية الإيرانية باهتمام تقريرا يتحدث عن تعاون أمريكي إماراتي يقوم على مساعدة الإمارات العربية المتحدة في بناء مشروع للطاقة النووية بتكلفة 20 مليار دولار مقابل تعاون أبو ظبي مع واشنطن في حظر بيع البنزين لإيران. وجرى حديث عن أن هذا التعاون هو بند ضمن بنود عديدة في خطة مقترحة قدمت للرئيس الأمريكي باراك أوباما لمواجهة الإصرار الإيراني على الاستمرار في البرنامج النووي، وتسربت تفاصيل عن هذه الخطة من خلال تقرير صدر عن “المركز السياسي للحزبين” يتناول سعي واشنطن وحلفائها لوقف النشاط النووي للجمهورية الإسلامية وقام على إعداد التقرير عدد من السناتورات الحاليين والقدامى من الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وحدد التقرير طريقين للتعامل مع القضية النووية الإيرانية، حيث ركز على “العقوبات” كوسيلة مؤثرة في هذا السياق خاصة في مجال النفط والطاقة، داعيا إلى عدم إسقاط التهديد باللجوء إلى الخيار العسكري، ووصف هذين المسارين بأنهما الطريقة المثلى للتعامل مع إيران.

ووفقا لتلك الخطة فإن الأيام المقبلة ستشهد تعاملا ضمن مسارات ثلاثة مع طهران، ويتحدث المستوى الأول عن المفاوضات والحوار وذلك بناء على تقييم لما وصلت إليه محادثات مجموعة (5+1) مع طهران، وإذا ما خلص التقييم إلى جدية إيران في موضوع التفاوض فذلك سيترك أثره بشكل استراتيجي على المستويين الآخرين. ويقوم المستوى الثاني على العقوبات كوسيلة للضغط على إيران، وذلك ضمن إستراتيجية تقوم على المقاطعة الواسعة لشل القطاعات الحيوية الإيرانية خاصة في مجال الطاقة، وفي هذا السياق دعا المركز في تقريره إلى “التعاون مع جيران إيران ودول المنطقة خاصة الإمارات العربية وإسرائيل لمنع صادرات البنزين ووضع طهران تحت ضغط حقيقي” واقترح التقرير “أغراء دول الجوار الإيراني بالتعاون” من خلال مشاريع حيوية كالمشروع الإماراتي الذي أشرت إليه في مقدمة الحديث.

ويتناول المستوى الثالث بوضوح اقتراحا بعمل عسكري أمريكي ضد المنشآت النووية الإيرانية ويشدد على أن يبقى هذا الخيار قائما وأن لا يغيب عن طاولة البحث، كخيار لشل القدرة النووية الإيرانية ومنع طهران من “امتلاك السلاح النووي”، ويدعو الاقتراح بوضوح إلى إعمال هذا الخيار في حال رفضت الجمهورية الإسلامية وقف برنامجها النووي.

ووسط هذه الخيارات التي تحدث عنها التقرير الأمريكي كان خيار التفاوض مع إيران طاغيا على الحدث العالمي وبدا واضحا أنه يتصدر قائمة أولويات أوباما وتقدم على الموضوع الفلسطيني ومسار التفاوض، ويدلل على ذلك الإشارة التي صدرت عن أوباما عندما خاطب نتنياهو وأبو مازن بالقول أن لديه الكثير من القضايا المهمة التي يجب أن يهتم بها، ويبدو أن التفاوض مع طهران على رأس هذه القضايا، وهو ما دفع أوباما إلى وصف محادثات (5+1) مع الحكومة الإيرانية، بأنها أهم وظيفة للمجتمع الدولي في معادلة تتساوى فيها كفة الحرب والسلم.

ويصف الغرب إيران بأنها مارست بذكاء لعبة “اللعب بالزمن” واستثمرت التمديد بشكل لا يجب أن يستمر، ولذلك ظهرا جليا الإصرار الغربي على الحصول على ما يسميه الساسة الغربيون بـ”رد واضح ومحدد” من طهران، وفي المقابل يكرر الإيرانيون مواقفهم السابقة بـ”أن بلادهم لن تتراجع عن المضي في برنامجها النووي السلمي وأنها لن تقبل بالتفاوض على مسألة وقفه”، وتشير التوقعات أن نهاية هذا العام ستكون مصيرية فيما يتعلق بمستقبل الملف النووي الإيراني. وبالتزامن مع إعادة التأكيد على هذا الموقف، تتعامل طهران بجدية مع تسريبات تتحدث عن ضربة عسكرية قد تكون في خريف أو شتاء العام المقبل.

ويعزز من موضوع الخيار العسكري صلابة الموقف الإيراني، وفشل العقوبات في إحداث التغيير الذي يريده الغربيون، فالحكومة الإيرانية وقطاعات واسعة من المجتمع الإيراني خاصة الطبقة المتوسطة تجيد التعايش مع آثار هذه العقوبات، ويعزز من ذلك أن الاقتصاد الإيراني من النوع الذي لا يرتبط بشكل كامل بالسوق العالمي، ولا تعدو العقوبات هنا سوى وسيلة تستخدم لأنها متاحة. لكن من المؤكد أن لا أحد يمكنه توقع ما ستكون عليه نتائج أي عمل عسكري ضد طهران.