من ينسى الضحايا…لماذا لا يسحب التقرير؟

عادل سمارة

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2036 )

حدث تقرير جولدستون ضجة هائلة عالجها الكثيرون من مدخل إدانته للكيان الصهيوني، وتجاهلوا ما عقده من مساواة إداناتية بين الكيان والمدافعين الفلسطينيين! وربما تكمن أهمية التقرير إذن في مسألتين:

الأولى: أنه أدان كياناً لم يُدنه أحد من قبل (اقصد في هكذا محافل).

والثانية: أنه من التقارير النادرة التي أضطرت لوضع الفلسطيني نِداً للصهيوني الذي لم يعتد قط على رؤية كتف الفلسطيني إلى جانب كتفه!

لكن سلطة الحكم الذاتي اتخذت قراراً طمس الضجة الأولى، وأفرغها تماماً من مضمونها، حين وافقت على تأجيل القرار الخاص حول تقرير جولدستون إلى آذار المقبل. ولم يتريث العقل الغربي الراسمالي لحظة في القول: “هل تريدوننا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين”. هذا ما قاله وزير الخارجية الفرنسي حينما سُئل عن موافقة فرنسا على التأجيل!

والسؤال هو: ما مبرر التأجيل؟

فالتقرير مشبع بالمعلومات والوقائع والصور والشهادات. لم يقل أحد مثلاً أن هناك جانباً مسحياً استقصائياً بحثيا ولا حتى تحليلياً لا بد من اكتماله!. فالتأجيل هو أمر سياسي. وكما يزعم الناطقون باسم سلطة الحكم الذاتي أن التأجيل لتجنيد اصدقاء؟ ربما، ولكن من لا تجنده وقائع التقرير لن تجنده المحادثات والدبلوماسية التي لا عراقة فلسطينية فيها. بل العكس، فمسلسل التناقضات والانحناء للقرار الأميركي سوف يدفع كثيرا من الأصدقاء لنفض ايديهم. وبالتالي، يكون التأجيل هو لإسقاط الموضوع وليس لتأكيده. فالدول الصديقة مؤيدة وجاهزة، والمترددين هم اصدقاء للكيان الصهيوني وحين يجدوا تراخيا فلسطينياً وعربيا كذلك، سيقوموا بالهجوم المعاكس وليس بالدعم في نفس الاتجاه.

هل التأجيل سحب؟

من قبيل الطرافة أن موافقة سلطة الحكم الذاتي على التأجيل اتت في لحظات التوافق بيم غزة ورام الله على المصالحة.

فهل وراء الأكمة ما ورائها؟

أليس التأجيل في افضل الأحوال استفزازاً لحماس بما هي التي قادت المواجهة مع العدوان؟

وهل توقعت سلطة رام الله أن هذا سيدفع حماس لقلب طاولة المصالحة؟

ولماذا اكتفت حماس حتى الآن بالنقد والاحتجاج هل لأن المصالحة إيجابية ومؤكدة إلى هذا الحد، وبالتالي وجدت من الأجدى التجاوز عن هذه الطعنة؟

أم أن حماس مضطرة للتغاضي لأنها في وضع حرج نظراً للحصار العربي والدولي على مليون ونصف فلسطيني، بمعنى أن فرصتها في الاعتراض مكلفة للناس؟

أم أن حماس بصدد تقديم مرونات سياسية؟ هذا ما ستكشفه الأيام. ولكن ما أظهر نفسه وليس بحاجة للكشف أن التأجيل لا مبرر له، بل هو إهدار فرصة تاريخية لإعادة بناء صورة فلسطين كحق على مستوى أخلاقي دولي.

لماذا لا ننظر للتأجيل على أنه ضمن العقيدة الدبلوماسية الأميركية: “ترحيل القضايا الهامة والساخنة بهدف تبريده حتى الموت”؟ وهذا ما تعرفه سلطة الحكم الذاتي واعتادت عليه. إن تأجيلا لمدة ستة اشهر، وفي هذه الفترة بالذات، بما هي فترة رجراجة سياسيا، وزلِقة نضالياً، يمكن ان يقود إلى طي الموضوع نفسه من خلال إثارة غبار جديد من طراز: الاقتراب من تحصيل دولة، خاصة على ضوء الأحاديث من سلام فياض وأوباما عن قرب التوصل إلى إعلان دولة فلسطينية. فإذا ما جرى قرع طبول الاحتفال بقدوم الدولة، سيكون المناخ مناخ تطبيع هائل و(تبويس لِحى) وبالتالي لن يكون هناك مناخاً للشكاوى.

ألم يحصل شيء كهذا حينما أُتيَ بسلطة أوسلو إلى رام الله واريحا؟ ألم يتم وقف مقاطعة المنتجات الصهيونية على اعتبار “أننا في مرحلة سلام”، ألم يتم تطبيع حتى الموتى في الأرض المحتلة؟ بوسع من يزور رام الله مثلاً اليوم أن يُقسم غلاظ الأيمان أنها من بلد لم يسمع بالاحتلال قط. وماذا كانت نتيجة أوسلو؟ يكفي أن نذكر هنا فقط:

· اعترافاً بأن فلسطين المحتلة 1948 هي دولة إسرائيل

· مزيدا من نهب الأرض في الضفة الغربية والقطاع

· تغطية قيام العدو بقصف المدنيين بالطائرات دون ان ينبس أحد في العالم ببنت شفة.

· وإصرارأً صهيونياً على اعتراف فلسطيني وعربي (مع تطبيع بلا شك) بفلسطين وطنًا لليهود، اي طرد كل فلسطيني في 1948 من بلد لا يقبل له التحول إلى اليهودية، لأنها الدين الوحيد الذي لا يقبل بمن لم تكن أمه يهودية.

إذا كانت هذه خبرتنا مع الكيان الصهيوني، فما القادم المتعلق بمصير هذا التقرير غير الإلغاء، اي التأجيل بهدف السحب؟.

وماذا سنأخذ لاحقاً.

في أفضل الأحوال سيتم تحويل اسم “سلطة الحكم الذاتي ” إلى “دولة فلسطين”. لن يتغير على الأرض شيء من حيث وجود الاحتلال وصلاحياته. هذا ما علمتنا إياه التجربة.

ومع ذلك هناك مثقفون للتطبيع وسيُخلق مثلهم كثيرون ايضاً سوف يزينون للناس كل هذا، ويقولوا: أنظروا للجزء الممتلىء من الكوب؟ ما هو الجزء الممتلىء؟

إنه تحسين شروط حياة طبقة في الأرض المحتلة، مثلاً السماح لشركة هاتف خلوي جديدة بالاشتراك مع الحالية، وشطب كافة حقوق الشعب الفلسطيني من العودة حتى تنفس الأكسجين.

وفي حين الحديث هو عن قطاع غزة، يمكن للمرء القول، أن المذبحة في طريق النسيان والحصار في طريق التشديد، وإعادة إعمار غزة ليست على الطريق.

وهكذا تضيع فرصة إدانة العدو، بل البدء بإدانته وهذا الأخطر، ومقابل ماذا؟ مقابل عبارة من وزيرة خارجية الولايات المتحدة بأن طرح الموضوع سيقود إلى عرقلة السلام!!!

نعم، من يعمل بموجب الإشراف الأميركي سيعتذر عن مجرد ذكر التقرير.