تحالف المؤمنين بالرأسمالية

إعداد :حسين بالي

كاتب وباحث تونسيّ

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2040 )

في خريف 2008 ، كنت قد أعدت قراءة كتاب ماركس الموسوم بـ “حول المسألة اليهودية”. الحافز كان هو ” ليهمان براذرز” Lehman Brothers الذي أشهر إفلاسه يوم 15 سبتمبر / أيلول من العام الماضي. و”ليمان” هو أحد أعرق المصارف الاستثمارية في عالم المال وأشهرها على الإطلاق؛ تم تأسيسه سنة 1850 في ألاباما بالولايات المتحدة – باعتباره مؤسسة خدمات مالية – على يد إخوان يهود تجار قطن من ألمانيا … بيد أن سلسلة من مشاريع إعادة الهيكلة المتكررة أحالته في النهاية إلى أصغر مصرف للأعمال في وول ستريت (انهارت رسملته بنسبة 85%). ومع ذلك أثيرت بشأنه غداة إعلانه الافلاس ، شائعات عديدة، لعل أكثرها رواجا ما تناقلته عشرات المواقع الالكترونية على الانترنيت ، من أن مسؤولين بارزين من اليهود فيه، قاموا قبل شهر من انهياره ، بتهريب نحو 400 مليار دولار لثلاثة مصارف محددة في إسرائيل… في الواقع ، كانت قد لمعت في رأسي وأنا أتابع خبر هذا الافلاس الجلل مقولة لماركس وردت بهذا الكتاب الذي ظهر لأول مرة سنة 1844 :” لقد أصبح إله اليهود دنيويا وغدا إله الناس. الصيرفة هذه هي الإله الحقيقي لليهودي ، فإلهه ليس إلا الصيرفة الوهمية” . أما بعد، فلا بد من أن أعترف أنني أعدت اكتشاف هذا الكتاب ، الذي هو في الأصل رد على كتاب “لبرونوباور” يحمل العنوان ذاته ” المسألة اليوهودية “. ربما نظرت إليه في قراءتي الأولى له – مثل كثيرين غيري – من زاوية موقف ماركس من اليهود ، أو في الأصح ، كان هذا هو الحافز لقراءته أول مرة. غير أنني بت مقتنعا اليوم، أنها ليست الزاوية الجوهرية فيه … إن قيمة هذا الكتاب إنما تتبدى في مقاربة ماركس العميقة للمسألة اليهودية في أوروبا ، فعلى عكس “باور” الذي يعتبر التحرر السياسي رهنا بـ”تحرر اليهودي من يهوديته” ، يتبنى ماركس موقفا علمانيا منسجما من الدين (يرفض الإلحاد) ، ويرى أن التحرر السياسي ، إنما يكمن في تحرر الدولة من الدين عبر ترحيله من الحقل العام إلى الحقل الخاص… لهذا فإن التحرر السياسي -عند ماركس- لا يعني تحرر الإنسان من الدين ، بل حصوله على الحرية الدينية… إلا أن مفاهيم الحرية والديمقراطية والعلمانية ليست بالنسبة لماركس نهاية المطاف على الرغم من أنها تمثل مستوى في تحرر الإنسان هو المستوى السياسي، الذي هو خطوة تقدمية هائلة وانتقالة مهمة في التحرر الإنساني. لذلك يشرع في البحث في طبيعة التحرر الإنساني ذاته. وهنا يلمس ماركس ما أسماه دين اليهودي الواقعي الذي هو المال ، والذي بواسطته ، أمكن لليهودي أن “يتحرر” ولكن على الطريقة اليهودية. غير أن هذا لم يكن حدثا منعزلا؛ فاليهودي “تحرر” ، ليس فقط بأن أصبح سيد السوق المالية، وإنما لأن المال؛ أصبح بواسطته، وبفضله قوة عالمية، والروح العملية اليهودية أصبحت الروح العملية للشعوب المسيحية”. لقد “تحرر اليهود بالنسبة نفسها التي أصبح المسيحيون فيها يهودا” ذلك لأن”المجتمع البرجوازي (الرأسمالي) يولد من أحشائه الخاصة اليهود دون انقطاع” … وهكذا تتحدد طبيعة التحرر الإنساني الذي ينشده ماركس في تحرير الإنسانية من المال، وهو ما يعني في الأخير تحريرها من اليهودية ذاتها… والسؤال اليوم ، أين نحن من لحظة التحرير هذه ؟ من الواضح ، أنها غير منظورة، ذلك لأن الروح العملية اليهودية غدت الروح العملية للصين وروسيا أيضا.

صينامريكا

تورد الباحثة الاقتصادية ورئيسة تحرير “لوموند ديبلوماتيك” مارتين بولار في مقالة حملت عنوان “انقلاب النظام العالمي رأسا على عقب: حقائق مالية بعد الدولار” خبرا مفاده أن قرار الحكومة الأمريكية بإنقاذ شركتي الرهن العملاقتين “فاني ماي” (Fannie Mae) و”فريدي ماك” (Freddie Mac) في أيلول / سبتمبر من العام الماضي ، جاء بعد اتصال هاتفي من الرئيس الصيني هوجينتاو، هدد فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش ، بأن الصين ستتوقف عن شراء أذونات الخزانة الأمريكية ، إذا لم يتم إنقاذ الشركتين . ولئن أنكرت الإدارة الأمريكية هذا الأمر تماما ، فإن الصين تشير إلى حقائق مفادها كالتالي: ” إن الشركتين قد أنقذتا ، وإن القروض الصينية التي تقدر بنحو 595,9 مليار دولار قد ضمنت… أما بخصوص “ليهمان براذرز” ، فقد رفضنا إنقاذه. لا شك في أن لهذا الخبر دلالة قوية على التغيير الحاصل في الميزان الجيوبولتيكي لرأس المال في عالم اليوم، لذلك يحق للصينيين أن يثنوا على صواب اختيارهم إزاء مقاومة التحرير الكامل للنظام المالي الصيني. وفي هذا الإطار ، صرح ليومنكانغ -رئيس اللجنة التنظيمية للأعمال المصرفية بالصين- قائلا :” عندما خفض المشرعون الأمريكيون مقدار السداد إلى الصفر ، أو عندما استحدثوا ما أسموه الرهون العكسية، نظرنا إلى ذلك بعين السخرية والسخف”. ومضى يقول : “بمرور الوقت ثبت لدينا أن ما أخذناه عن معلمنا لم يكن هو الصواب” (Yan Rousseau “Quand Pékin donne des leçons de Capitalisme à l’Amérique”, Les Echos -Paris-29/09/2008).

غير أن للخبر -مع ذلك- وجها آخر وهو أنه لم يكن باستطاعة الصين أن تبقى مكتوفة الأيدي بينما تتفاقم الأزمة في المركز (أمريكا)، وهذا ما أكده رئيس الوزراء الصيني وين جياباو في تصريحه لنيوزويك(06 – 10 – 2008) حين قال: ” إذا أصيب أي جانب في القطاع المالي الأمريكي بسوء، فإن القلق سيراودنا بشأن رأس المال الصيني ” . وعليه فإن لدى الصين مصلحة أكيدة في إنقاذ النظام المالي الأمريكي والعالمي بشكل عام، لا سيما وأنه النظام – وليس أي نظام آخر – الذي تشهد الصين في ظله اليوم “ازدهارها” … ينقل الكاتب الأمريكي ذو الأصول الهندية فريد زكريا عن “نيل فيرغسون” وصفه لولادة بلد جديد بعد الحرب الباردة أسماه “صينامريكا”: يغطي عشر مساحة الأرض ، ويضم ربع سكانها ويمثل نصف النمو الإقتصادي العالمي خلال السنوات الثمانية الماضية . لفترة بدا أنه زواج مثالي يقول فيرغسون ، ويضيف ” الصينأمريكيون الشرقيون كانوا يدخرون الأموال، والصينأمريكيون الغربيون كانوا ينفقونها.” … حظي الشرقيون بالنمو ، في حين نعم الغربيون بتضخم متدن ومعدلات فائدة منخفضة…

روسيا

في أول خطاب له عن حالة الأمة، ألقاه يوم 5 نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، أعرب ميدفيديف عن التزام بالقيم الليبرالية أقوى من كل ما سبق أن عبر عنه سلفه فلاديمير بوتين. وقد وصف مستشار بوتين، سيرغي كاراغانوف الكلمة التي ألقاها ميدفيديف بأنها “الخطاب الرئاسي الأكثر ليبرالية في تاريخ روسيا” (نيوزويك 2 ديسمبر / كانون الأول 2008 ) . وشدد ميدفيديف في خطاب لاحق أمام وزراء كبار في الحكومة على أن تشجيع الابتكار والحد من العوائق الإدارية وغيرها من العقبات التي تعترض إنشاء شركات صغيرة ومتوسطة الحجم وتطويرها، هما “أولوية وطنية”، ملقيا اللوم مجددا على البيروقراطيين لأنهم “يشككون في المبادرة الحرة تماما كما كانوا يفعلون في ظل النظام السوفييتي “… في مقالة موسومة بـ “روسيا البوتينية بين الأوتوقراطية الداخلية والأولويات الجيوبوليتيكية الخارجية، 2000-2008 ” (المستقبل العربي ديسمبر / كانون الأول 2008)، يعرف الباحث أيمن طلال يوسف البوتينية -في شقها الإقتصادي- والتي يمثل ميدفيديف الإمتداد الطبيعي لها ، بأنها شكل جديد من أشكال الليبرالية الإقتصادية واقتصاد السوق ، المتضمن الحريات الاقتصادية والإصلاحات المالية والإدارية ، وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية القومية في روسيا … إن روسيا التي كانت دولة كساد اقتصادي في عهد بوريس يلتسن، باتت اليوم (قبل اندلاع الأزمة المالية الحالية) بفضل هذا النمط الجديد من الليبرالية (البوتينية) ، في عداد الدول المتسارعة النمو من أمثال الصين والهند وفييتنام والبرازيل إلخ… ( ارتفع معدل النمو الإقتصادي إلى 8 بالمائة حسب تقديرات البنك المركزي الروسي). ومن المؤشرات الدالة أيضا، ارتفاع الناتج القومي الإجمالي (PIB) من حوالي 200 مليار دولار عام 1999 إلى 920 ملياردولار عام 2006 ، بحيث غدت روسيا في بدايات عام 2007 عاشر أقوى اقتصاد في العالم. والأهم من هذا كله ، أنها تحظى اليوم (قبل اندلاع الأزمة المالية الحالية) بثالث أكبر احتياطي عالمي من الدولار بعد الصين واليابان مما أهلها لأن تكون من بين أهم عشرين مقرضا للولايات المتحدة على مستوى العالم …

تحالف المؤمنين بالرأسمالية

هو ما لمسه بعض المراقبين في تصريح رئيس الوزراء الصيني جيابا والمومإ إليه حين قال:” … ينبغي لنا أن نتعاون في هذا الشأن ولطالما قدمت الصين يد العون للولايات المتحدة ، لا سيما في أوقات عصيبة كهذه ، وإننا نرى أن هذا العون سيساهم في استقرار الإقتصاد العالمي برمته ومؤسساته المالية، علاوة على الحيلولة دون وقوع فوضى عارمة ، لذا أرى اليوم أن التعاون هو السبيل الأوحد”. غير أن هذا التحالف تجلى لاحقا على نطاق أوسع ضمن ما سمي بقمة العشرين التي انعقدت بواشنطن يوم 15 نوفمبر / تشرين الثاني الماضي ، فالوثيقة الصادرة عن هذه القمة المعنونة ” إعلان قمة حول الأسواق المالية والإقتصاد العالمي” تكاد تكون بمنزلة إعلان رسمي عن قيام هذا التحالف الواسع؛ فعلى عكس بعض الإنتظارات الحالمة ، لم تكن تلك القمة مخصصة للبحث في سبل إقامة نظام مالي عالمي جديد يكون بديلا من النظام الذي تأسس في “بريتون وودز” عام 1944 ولا حتى للنظر في إمكانية إصلاح حقيقي لهذا النظام الذي جرى تدميره في الواقع على يد ريتشارد نيكسون في العام 1971 عندما قرر من جانب واحد فك الإرتباط بين الدولار والذهب (الأمر الذي تسبب -مثلا- في انتشار هائل لطيف من أدوات الإئتمان في عملة باتت بلا أساس). لم يكن هذا ولا ذاك مطروحا على جدول الأعمال، المطروح الوحيد، كان هو البحث في سبل بعث الروح في النظام السائد على نحو “يجنبنا تكرار أزمة عالمية من هذا النوع…”. وفي هذا السياق أقر المشاركون في تلك القمة جملة من المبادئ المشتركة لإصلاح الأسواق المالية من بينها:

1 . الإلتزام بتقوية الأنظمة التعديلية والرقابة الحذرة وإدارة المخاطر، وأيضا ضمان أن تخضع كل الأسواق، المنتجات والفاعلون الماليون للتعديل أو للرقابة حسب الحالة، على ألا تكبح هذه الإجراءات التجديدات، وألا تعيق تنمية المبادلات في مجال المنتجات والخدمات المالية …

2 . الإلتزام بالمضي قدما في عملية إصلاح مؤسسات “بريتون وودز” ، على نحو يمكنها من أن تعكس بشكل أفضل تطور القوى الإقتصادية الناهضة والمؤثرة في الإقتصاد العالمي …

3 . الإقرار بأن هذه الإصلاحات (وغيرها مما لا يتسع المجال لذكرها) ، لن تثمر إلا إذا قامت على اقتصادات مؤسسة على مبادئ السوق الحرة ودولة القانون واحترام الملكية الخاصة، والإنفتاح في مجال المبادلات والإستثمارات والتنافس بين الأسواق وأخيرا أنظمة مالية فعالة ومعدلة بطريقة ملائمة…

4 . رفض الحمائية والإنكماش حول الذات، في هذه اللحظات من عدم اليقين المالي… وهكذا سيتعين الإمتناع في غضون الأثني عشر شهرا المقبلة عن إقامة حواجز جديدة في مواجهة الإستثمار أو التجارة (تجارة السلع والخدمات) وعن فرض قيود جديدة وتنفيذ إجراءات تحفيزية للصادرات مخالفة لقواعد منظمة التجارة العالمية (في إشارة للصين)… ولم ينس المشاركون تذكيرنا، “بأن هذه المبادئ الضرورية للنمو الإقتصادي والإزدهار أمكن لها إخراج الملايين من الفقر ، وسمحت بترفيع هام في المستوى المعاشي العالمي…”.

غير أن ما جاء في هذه الوثيقة، ليس هو كل شيء أو بالأحرى لا يعكس كل الحقيقة؛ فبموازاة الجهود العلنية التي انصبت معظمها على تدعيم أسس الهندسة المالية (أي جعلها مواكبة لعولمة السوق من حيث دعم وتوسيع الأنظمة التعديلية، الرقابة، أنظمة التقييم إلخ …) والدفاع عن التجارة الحرة، كانت هناك جهود في الكواليس ، تمحورت أساسا حول وجوب ألا تعتمد آسيا على الصادرات كي تخرج من الأزمة الحالية. يقول رئيس الوزراء النيوزيلندي السابق مايك مور الذي ترأس منظمة التجارة العالمية من 1999 إلى 2002 :”يخيم هذا الموضوع على الأحاديث؛ أي كيف تصبح الصين، وبدرجة أقل الهند وجنوب شرق آسيا بلدانا استهلاكية. من مصلحتها إلى حد كبير أن تخفف كثيرا من اعتمادها على الصادرات. كما أن هذا يناسب شعوبها. ومن شأن الإمتناع عن القيام بذلك أن تكون له عواقب وخيمة جدا”. (نيوزويك 02 . 12 . 2008 ). في الواقع ، كان يراد إفهام الصين تحديدا ، أن من شأن اعتمادها على الصادرات بالوتيرة المعهودة في خضم الركود العالمي أن يؤدي إلى تحفيز الحمائية بأوسع نطاق، ومن ثم تقويض أسس التجارة العالمية… لذا فالمطلوب هو أن تعمل الآن “للحفاظ على انسجام كاف في التجارة العالمية” كي لا تفقد القدرة على الوصول إلى أسواق حيوية في الخارج… في المقابل لم تدخر الصين منذ بداية الأزمة ورغم الاحتمالات القوية بتعرضها لركود متزامن ، لم تدخر أي جهد في إظهار أعلى درجات التعاون والإلتزام. ولعلني أشير بشكل خاص إلى إجراءين هامين اتخذتهما الصين على هذا الطريق، وكانا محل إشادة واسعة من قبل مجموعة السبع في اجتماعها المنعقد بروما أواسط فبراير/ شباط الماضي:

أ. حزمة التحفيز الإقتصادي التي كشفت عنها في العاشر من نوفمبر / تشرين الثاني الماضي بقيمة 4 تريليون يوان (حوالي 590 مليار دولار).

ب. الإلتزام بالتحرك صوب نظام يسمح بالترفيع في قيمة عملتها: اليوان.

غير أن العارفين بتفاصيل الواقع الصيني يذهبون مع ذلك إلى أن هذا الإلتزام وذاك التعاون إنما يعكسان التزاما صينيا أكبر بالعمل على إنقاذ “صينامريكا” باعتباره الخيار الوحيد أمام بكين للخروج من الأزمة ، وهم يستندون في هذا إلى جملة من الحقائق ، يمكن أن أوجزها كالتالي:

– اعتماد الصين نمط نمو يستند إلى الصادرات وهو الأمر الذي يفسر تواجدها ضم البلدان الأكثر تضررا جراء هذه الأزمة ؛ حيث أدى انهيار الطلب العالمي إلى هبوط حاد في معدل نموها الذي بلغ السنة الماضية 8,9% مقارنة مع معدل 12% المسجل عام 2007 ، ويتوقع أن تشهد هذا العام مزيدا من الهبوط ، حيث تشير التقديرات إلى أن معدل النمو سيكون في حدود 7% (6,7% بحسب حسابات صندوق النقد الدولي) ، يذكر أن تراجع نسبة النمو في الصين 1% يترتب عنه خسارة حوالي 16 مليون فرصة عمل…

– ضعف الطلب الداخلي فيها؛ فعلى الرغم من المدخرات الكبيرة التي تملكها واحتياطي العملات الأجنبية الضخم الذي لديها والذي يبلغ حوالي تريليوني دولار (يتكون في معظمه من الدولار الأمريكي) ؛ إلا أن إجمالي الإستهلاك الأسري في الصين هو من بين الأضعف في العالم؛ حيث يشار -مثلا- إلى أنه في حدود 5% فقط من قيمة إجمالي الإستهلاك الأسري في أمريكا…

– عطفا على ما سبق، يبدو من غير المرجح أن تنجح الصين في تأمين تنمية متوازنة ومستدامة قبل مضي عدة عقود أخرى… وهكذا فسيتعين عليها أن تمول أكبر خطة إنقاذ في التاريخ البشري: إنقاذ “صينامريكا”.

وبمقدار ما يتعلق الأمر بروسيا، فقد أبدت هي الأخرى التزاما قويا بالتعاون لمواجهة الأزمة المالية، وكانت مقترحاتها في هذا الصدد ذات نوعية عالية وتقترب كثيرا من المقترحات الأوروبية (انظر تصريح ساركوزي الذي أدلي به في ختام القمة الأوروبية-الروسية التي انعقدت بنيس يوم 14 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي: وكالات). بيد أن اقتصادها الذي يوازي مع ذلك أقل من ثلث الاقتصاد الصيني (وبالكاد يتجاوز قوة الإقتصاد المكسيكي)، بات يواجه هو الآخر نتيجة الركود العالمي- تحديات مختلفة لا تقل صعوبة عما تواجه الصين. ويتمثل التحدي الأبرز في الهبوط الحاد لأسعار النفط الذي أطاح بتوقعات الموازنة العامة للدولة التي بنيت على أساس أن معدل سعر البرميل هو 90 دولارا، فيما معدل سعره الآن هو في حدود 45 دولارا وذلك بعد أن بلغ في يوليو / تموز من العام الماضي أعلى مستوياته بـ 141 دولارا. ونتيجة لذلك ارتفعت البطالة إلى 20% في الأشهر الثلاثة الأخيرة من السنة المنقضية ، فيما انخفضت احتياطاتها من العملة الصعبة بوتائر متسارعة بلغت أحيانا 5 مليارات في اليوم الواحد ، يضاف إليهما مزيج من هروب رأس المال ومحاولات لإدارة هبوط منظم لسعر صرف الروبل وتنظيمه. على أن النتيجة الأبرز، إنما تتمثل في التراجع الملحوظ لمعدل النمو الإقتصادي الذي كان أقل من 6% في عام 2008 مقارنة بـ 8,1% المسجلة في 2007 . ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع بحدة أكبر ؛ حيث من المرجح أن يقترب معدل النمو لهذا العام من الصفر (مداخلة وزير المالية الروسي إلكسي كودرين أمام مجلس الدوما في 30-01-2009: وكالة شينخوا) مع احتمال أن تلجأ للإستدانة من الخارج بداية من العام المقبل (تصرح وزير المالية في 14 نيسان / أبريل 2009). وإذا ما أضيف إلى هذه النتائج ، فشل روسيا طوال العقد المنصرم في إدخال إصلاحات هيكلية حقيقية على اقتصادها ضمن مقاربة تنموية شاملة تقود إلى تركيز أسس متينة لإقتصاد قوي ومستقل، فإنه يمكن القول بأن روسيا لا تملك في مواجهة هذه التداعيات -على المدى المنظور في الأقل- غير الأمل في تعافي الإقتصاد العالمي وتحديدا الأمل في عودة أسعار النفط إلى مستويات 2007-2008…

أوهام عربية

لم يكن دافعي إلى تناول هذا الموضوع هو دحض ذلك الإعلان المتسرع عن وفاة الرأسمالية الذي تصدر العشرات ، بل المئات من المقالات والتحليلات (أغلبها لكتاب عرب) ، على إثر الإنهيار المدوي لسوق المال الأمريكي واظطرار الحكومة الأمريكية للتدخل “لتأميم” بعض البنوك – نسجا على المنوال السويدي – وإنقاذ البعض الآخر، بل كان هو ذلك الرهان المتكرر على قوى (الصين وروسيا تحديدا)، يجري الترويج لها عربيا بأنها قوى عظمى اقتصاديا وسياسيا، تمتلك بديلا، إن لم يكن مناهضا للرأسمالية، ففي الأقل أكثر انحيازا لمصالح الشعوب المقهورة اقتصاديا وسياسيا؛ ذلك أنني لطالما نظرت إلى هكذا رهان باعتباره واحدا من تلك الأوهام العربية العديدة التي لا تزال تحكم تفكيرنا السياسي والتي شكلت ولا تزال أحد الأسباب الجوهرية في توالي نكباتنا بلا انقطاع (…)