تحالف المنفعة في عالم تحالف المؤمنين بالرّأسماليّة

إعداد: حسين بالي

كاتب و باحث تونسيّ

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2044 )

لا يقتصر الرّهان فقط على روسيا أو الصين كلّ على حدة أو على كليهما معا . يراهن أيضا على تحالفات تشكّل روسيا والصّين عمادها الأساس . منظّمة “شنغهاي” للتّعاون، تعدّ المثال الأبرز على ذلك . و هذه مجموعة شكلتها بكين و موسكو عام 2001، وتشمل الصين و روسيا و كازاخستان وأوزبكستان و طاجكستان و قرغيزستان إضافة إلى الهند و باكستان و إيران بصفة مراقبين . تهدف هذه المجموعة التي باتت تتمتع بهيكلية بيروقراطية مهمة إلى ترويج التعاون في مجالات مكافحة الإتجار بالمخدرات و الإنفصالية العرقية و الإرهاب. و على الرغم من أهدافها المعلنة فإن غاياتهاالحقيقية تظل ملتبسة في أفضل الأحوال، ذلك لان بعـض المراقبين يرصدون مع ذلك جملة من التطورات غير المسبوقة بما في ذلك التّدريبات المشتركة للقوات الروسية و الصينية التي تمت تحت رعاية هذه المنظمة التي لطالما وصفت في السابق بانها مجرد ثرثرة.

أحد المؤشرات الدالة على هذا الغموض هو انه خلال التدريب المشترك عام 2005 . نفذ إنزال برمائي، فسر على نطاق واسع بأنّه كان يستهدف تايوان، بما أنّ آسيا الوسطى المحاطة بالبر لا تحتاج إلى هذا النوع من المهمــات (روسيا و الصين دولتان بريتان و ليستا بحريتان بحسب وصف “مايكل غرين” مستشار بوش السابق في شؤون آسيا ). فهل ستدخل روسيا في حرب مع الولايات المتحدة إرضاء للصّينيّين ؟ قطعا لا. يقول “روبرت دوجاريك” الخبير الامني في جامعة تيمبل بطوكيو :”بوتين مناهض للغرب، عميل سابق لـ(KGB )، لكنه لن يخوض الحرب من اجل الصينين “. إذا، كيف عسانا نفسر موقف روسيا ؟ على الرغم من أنّ بوتين يرفض أي مقارنة بين شنغهاي و الناتو، معتبرا مثل هذه المقارنات غير مناسبة لا في الشكل و لا في المضمون، فإن عددا من الخبراء في الشؤون الآسيويّة يذهبون مع ذلك إلى أنها كانت محاولة من جانب روسيا لإستخدام المنظمة للإيحاء بانها بمنزلة حلف منافس للنّاتو في آسيا. تعي الصين التكتيك الروسي، لذلك هي تنآى بنفسها عن هذه اللعبة . و يتجلى هذا بشكل واضح في رفضها و بقية اعضاء المنظمة دعم اعتراف موسكو بأوسيتيا وأبخازيا في سبتمبر /ايلول من العام الماضي،و هو الإعتراف الذي حظي فقط بدعم نيكاراغوا و حكومة حماس و فنزويلا التي اعترفت بهما يوم 9سبتمبر/ايلول الجاري. في الواقع، يحفظ السجل تاريخا من العداوة المتجذّرة بين البلدين .و كل منهما يظل مع ذلك متحمسا للتعامل مع الغرب أكثر منه مع الآخر . لنأخذ على سبيل المثال، واقعة إجتياح روسيا السوفييتية لأفغانستان. ماذا كان موقف الصين وقتذاك ؟ كان التحالف مع وكالات الإستخبارات الأمريكية والباكستانية و السعودية لتدريب مجاهدين أفغان مناهضين للسوفييت و تمويلهم و تسليحهم . و ضمن ترتيبات معينة، وفّرت السلطات الصينية أسلحة خفيفة ووسائل مساعدة أخرى لمهمات مشتركة مناهضة للروس و مركزها منطقة الحدود الباكستانية الأفغانية… حسنا، كيف نفهم منظمة شنغهاي إذن؟ أحد المفاتيح هو أوزبكستان التي لطالما رفضت الإنضمام إلى منظمة شنغهاي. لكن كان ذلك قبل أن يوجه لها بوش انتقادات حادة بسبب القمع العنيف للمتظاهرين في مايو 2005 . غضب رئيسها إسلام كريموف كثيرا إلى درجة أنه تراجع عن موقفه، و انضم على الفور إلى المنظمة. و في يوليو 2005، شارك في قمة لمنظمة شنغهاي دعا فيها القادة الولايات المتحدة الى الإنسحاب من القواعد العسكرية في آسيا الوسطى..(هذا الموقف من القواعد الأمريكية ولاسيما تلك التي تحتضنها قيرغيزيا، سيغدو أقل حدة و حسما في قمة المنظمة الأخيرة المنعقدة ببيكاترينبورغ الروسية يومي 15 و 16 حزيران الماضي ) . إذا، ما يجمع روسيا و الصين مبدئيا إنما هو الإستياء من تدخلات واشنطن خاصة و الغرب عموما في الشؤون الداخلية لهما و لاسيما في موضوعة حقوق الإنسان. إلى جانب الغضب المناهض للغرب، فإن الرابط القوي الآخر بين روسيا و الصين إنما هو أمن الطاقة . فالصين ذات النمو الإقتصادي السريع، تفعل كل ما في وسعها لتأ مين النفط الكافي لتغذية هذا النمو . و تملك روسيا من جهتها الكثير من النفط لتبيعه . و هكذا، فلدى الدولتين سبب وجيه للسعي إلى الحد من النفوذ الأمريكي في آسيا الوسطى التي هي من أهم المصادر الجديدة للنفط و الغاز الطبيعي في العالم كما سبق ذكره. تأمل الدولتان إبعاد واشنطن، من خلال السيطرة على مدّ خطوط الأنابيب في المنطقة (يسيطر أعضاء منظمة شنغهاي على خمس الموارد النفطية في العالم). لذلك لم يكن غريبا،أن تضع المنظمة أمن الطاقة في قلب إطارها المؤسسي، من خلال إنشائها “نادي الطاقة” في يوليو 2007، لترويج التعاون بين أعضائها. يقول الباحث “مايكل كلير” : ” إن الطاقة هي المفتاح لفهم جزء كبير من التنافس بين القوى العظمى في آسيا، المعركة على الإمدادات هي التي تحفّز أكثر فأكثر الولايات المتحدة و الصين…” و مع ذلك، فإنّه من غير المرجح أن يؤدي هذا إلى حرب باردة جديدة من أي نوع. فالترابطات الإقتصادية، باتت اندماجيّة على نحو لا يمكن معه تصور حدوث ذلك. يقول “براد غلوسرمان ” المدير التنفيذي لمنتدى مركز الدراسات الإستراتيجية و الدولية الخاص بالمحيط الهادئ الذي عقد في هونولولو :” ننظر إلى الصين و نشبه الوضع بالحرب الباردة. لكن الحقيقة هي أن الصين مندمجة في الغرب و في الإقتصاد العالمي ( و روسيا تسعى بشكل حثيث لجعل إقتصادها أكثر إندماجا)، خلافا لما كان عليه الإتحاد السوفييتي”. ويقول الخبير الأمني و المسؤول الدفاعي التايواني السابق، “لين شونغ بين”:”في الظاهر نرى كتلتين ناشئتين (يقصد شنغهاي و التحالف الأمني حديث العهد الذي يجمع الولايات المتحدة و الهند و اليابان و أستراليا و سنغافورة)،لكن عند النظر عن كثب،يتبين أن الأمر ليس بهذه البساطة” (نيوزويك:11سبتمبر 2007 ).فالهند مثلا التي وقعت أواسط 2007، اتفاقا نوويا استراتيجيا مع الولايات المتحدة متحمسة جدا أيضا للتعامل مع الصين التي وقعت معها اتفاقا حدوديّا،و في مجال التعاون الإقتصادي معها عام 2005 . و في 2007، تغلبت الصين أيضا على الولايات المتحدة، لتصبح الشريك التجاري الأساسي لليابان . أستراليا مثلا آخر التي على الرغم من العلاقات الإستراتيجية الوثيقة مع واشنطن، باتت تعتمد على الصين للحصول على المواد الخام و كذلك في أشكال أخرى من التجارة كي يستمر اقتصادها في النمو، و هي لذلك، باتت تتردد في شكل لافت في انتقاد بكين في موضوعي حقوق الإنسان و تايوان . الولايات المتحدة مثلا رابعا، المسثتمر الأكبر في الصين و المستوعب الأكبر لإحتياطاتها. و الصين مثلا خامسا،أكبر مقرض للولايات المتحدة الخ….. هكذا، هي إذا، التحالفات في عالم اليوم ؛ أن تكون في حلف ما فهذا لا يمنع على الإطلاق من أن تربطك علاقات وثيقة في أكثر من مجال مع أي كان في أي حلف آخر.. إنها تحالفات المنفعة في عالم تحالف المؤمنين بالرأسمالية (…)