مأزق الحلف الأطلسي في أفغانستان

نصر شمالي

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2044 )

في معرض حثهم على مزيد من البذل والتعاون خاطب الرئيس باراك أوباما حلفاءه الأطلسيين قائلا: “من اجل الانتصار في الحرب في أفغانستان نحتاج إلى تحالف أقوى حتى من التحالف الذي اسقط جدار برلين”! لقد قال ذلك أثناء جولته الأوروبية في نيسان الماضي 2009 وبالطبع فان الإشارة إلى سقوط جدار برلين كانت عظيمة الأهمية، فهي تتضمن الإشارة إلى انهيار حلف وارسو، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقدر جسامة العبء الذي ينهض به الشعب الأفغاني في مواجهة حلف شمال الأطلسي، وفي مواجهة تواطؤ دولي عام يكاد يكون تاما!

إن الشعب الأفغاني يواجه القوة العسكرية الأطلسية الأعظم في العالم، التي يزيد تعداد جنودها الإجمالي عن المليونين، والمجهزة بأحدث وأمضى ما أنتجته المصانع من أسلحة تدمير شامل، ويواجه دولا نووية تمتلك حوالي 25 ألف رأس نووي، ويعاني من الحصار المحكم والتدمير والقتل الشامل والفقر المدقع، لكنه لا يساوم ولا يطأطئ رأسه أبدا، بل يوجه للمحتلين أقسى الضربات ويلحق بهم اشد الهزائم، ويسيطر واقعيا على حوالي ثلثي أراضي بلاده، بينما خصومه لا يخفون قلقهم وضعف ثقتهم في إمكانية إلحاق الهزيمة به!

ولكن رغم صمود أفغانستان الأسطوري فان خصومها من الأوروبيين والأمريكيين، وأتباعهم من العرب والمسلمين، لا يزالون يتحدثون عن ذلك الصمود في ممر الماراتون قبل آلاف السنين كمعجزة “أوروبية” فريدة لا مثيل لها! وماذا لو أن أفغانستان كانت واحدة من البلدان الأوروبية وشعبها واحدا من الشعوب الأوروبية؟ إذن لكانوا دبجوا عن صمودها الأسطوري المجلدات الضخمة، ولكانت هوليوود تفرغت تماما لإنتاج الروايات السينمائية عنها على مدى عشرات السنين!

لقد ألح الرئيس أوباما خلال جولته الأوروبية تلك على مزيد من المشاركة الأوروبية في الحرب الأفغانية، غير أن حلفاءه لم يحسموا أمرهم تماما، وقد أجابه الرئيس الفرنسي ساركوزي حينئذ انه من الجيد العمل مع رئيس للولايات المتحدة ويريد تغيير العالم “لصالح دول الأطلسي طبعا” وانه يدعم الإستراتيجية الأمريكية في أفغانستان، ولكن لن تكون هناك تعزيزات عسكرية فرنسية إضافية، بل فقط المزيد من المشاركة في تدريب القوات الأفغانية العميلة والمساعدة الاقتصادية للحكم العميل في أفغانستان! وليس من شك انه لو كانت السنغال وغيرها لا تزال مستعمرات فرنسية فان الرئيس الفرنسي كان سيشترك في الحرب بمئات الألوف من أبناء المستعمرات المجندين عنوة!

اليوم، بعد حوالي خمسة أشهر مضت على جولة التعبئة تلك التي قام بها أوباما، والتي حققت بالطبع الكثير من أهدافها، ها هم قادة حلف الأطلسي وشعوبهم يصرخون بسبب الخسائر الفادحة التي يمنون بها في أفغانستان، ويعلن بعضهم صراحة عن نيته الانسحاب، أما الرئيس الأمريكي فانه يعاني أشد الضيق والحرج، مدركا تماما أن انسحابه من أفغانستان طوعا أو كرها سوف يجعله في نظر اليمين الأمريكي، الرسمي والشعبي، مجرد غورباتشوف آخر، أي متآمر وخائن!

لا احد يستطيع التكهن بالنتائج النهائية الحاسمة للحرب الأفغانية، ولا بما سوف يترتب عليها من أوضاع جديدة إقليمية ودولية، بخاصة بعد اتساع رقعتها لتشمل باكستان، وقادة الحلف الأطلسي يجدون أنفسهم مرغمين على الاستمرار فيها لإعاقة تقدم الدول الكبرى الناهضة، الصين والهند وروسيا، وأيضا إيران، فالهزيمة في أفغانستان، أو الانسحاب التام غير المشروط منها، يعني قطعا انحسار نفوذهم التقليدي في آسيا بمجملها، بما فيها اليابان، أي تغيير جذري في العلاقات الدولية ضد المصالح الأمريكية والأوروبية بل لعله يعني تغيير النظام الدولي الذي أقامه الأوروبيون والأمريكيون، أي تغيير العالم!

وبالمناسبة فان العراق أو فلسطين يمكن أن يؤدي صمودهما وانتصارهما بفضل موقعهما، إلى تحقيق تغييرات عالمية عظمى من النوع الذي يؤرق الأطلسيين ويقض مضاجعهم الأمر الذي لا يمكن أن يحققه صمود دول أخرى عظمى بسبب موقعها النائي عن مركز العالم وقلبه، كالصين مثلا، التي لم يحدث عبر التاريخ العام للبشرية أن كانت مركزا لتغيير عالمي شامل، فهي في سقف العالم وليس في قلبه!

ولكن إذا كان لا بد من استمرار الحرب الأفغانية، للأسباب الدولية المذكورة، رغم غموض مساراتها ونتائجها، فما هو الحل لتجنب سقوط الضحايا من الأوروبيين والأمريكيين إن لم يكن بإحلال الجيش الباكستاني وغيره محل جيوشهم وإحلال ما يشبه تشكيلات الصحوات وأجهزة الأمن العراقية محل تشكيلاتهم? وان هذا هو عين ما يحاولون تحقيقه الآن، ففي الماضي في القرن التاسع عشر عندما أخفقت بريطانيا مرتين في احتلال أفغانستان، وأبيدت إحدى حملتيها العسكريتين بالكامل، كانت قواتها التي أبيدت مشكلة من أبناء مستعمراتها وليس من الانجليز، باستثناء، الضباط وصف الضباط القادة، فقد استولت لندن على جميع مستعمراتها التي لا تغيب عنها الشمس بتجنيد أبناء المستعمرات أنفسهم ضد بعضهم فكانت الخسارة، في أفغانستان مثلا، هي في عدم تحقيق الربح المنشود المتوقع لا أكثر!

لقد اختلف الوضع الحربي اليوم تماما، سواء بصدد الضحايا البشرية ام الخسائر المادية، وقادة الأطلسي، بخاصة الانجليز من البريطانيين والأمريكيين، يبذلون قصارى جهودهم للعودة إلى تلك الأوضاع التي كان ضحاياهم فيها يحاربون نيابة عنهم وبإمرتهم حتى آخر رجل، وقد حققوا بعض النجاح في دولة باكستان التي استجابت حكومتها لهم، لكنها لم تفعل باستجابتها سوى الوقوع معهم في مأزقهم بينما لم يحققوا نجاحا يذكر في محاولتهم نقل تجربة الصحوات العراقية إلى أفغانستان، لأسباب عديدة منها اختلاف الأوضاع بين البلدين المحتلين!.