طفح الكيل

عبداللطيف مهنا

(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة التاسعة ـ العدد 2045 )

ليست فضيحة ولاهي بخطيئة ولم تكن خطئاً، هذه التي حدثت في جنيف، وإنما هي نهاية منطقية تنسجم تماماً مع مقدماتها ولا تأتي إلا في سياقها، وتعبّر أصدق تعبير عن نهج واضح طال أمده، ولا ثمه ما هو غير واضح فيه ولا يمكن إلا أن يوصل إليها، وحيث لا يمكن انتظار ما يخالفها كنتيجة من قبل مثل هذه السلطة الأوسلوية للحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال والقابعة داخل قفصه المحكم، الذي كانت قد سعت إليه بظلفها، ودخلته طائعة ووفق قناعاتها مع الترصد وسبق الإصرار. من يقل بغير هذا، ولم يكن واهماً أو جاهلاً أو حتى ساذجاً، فهو إما متواطئ يحاول خداعنا، أو على الأقل يهدف إلى تخفيف فداحة هذا الجرم المرتكب بعد أن عجز عن تبريره، ويتلمس حكماً أقل عدلاً من قبلنا على من ارتكبه.

ليست فضيحة إذا ما تذكرنا أن الفضيحة الأصل والمستمرة اسمها أوسلو وهذه مجرد تجل من تجليات تداعياتها. ولا هي بخطيئة لأن الخطيئة الكبرى هي المسماة بالمسيرة السلمية، أو الحلول التسووية، التي بدأت في خلع آخر أوراق توتها لتصبح دونما لبس لمن التبست عليه، أو يريدها أن تلتبس عليه، بالتصفوية، والتي يقول واقع الحال الفلسطيني والعربي والدولي، وكافة الشواهد الماثلة فيما بقي من فتات فلسطين التاريخية الذي يهوّد على مدار الساعة، أنه لم يبق لانجازها إلا التنازل المعلن والموثق وبشهادة الشهود عن حق العودة… والقول بغير هذا إنما ينتقص من شأن مبدأ رام الله القائل بالتفاوض حياة، أو بمعنى التفاوض حتى ولو كان من أجل التفاوض، كنتيجة منطقية للتفاوض الذي لا بديل له إلا هو، ولا خيار سواه.

وإذا كان من يقول بأنها خطيئة قد تعامى عن ردها إلى أصلها فإن من يعتبرها خطئاً يبخس أبو مازن ومن معه حقه ويسيء إلى الرجل منطقاً ونهجاً وتاريخاً وسلوكاً، وهو الرجل، وللحق نقول، كان وظل هو الأوضح والأصرح في أطروحاته والأثبت عليها، وبالتالي الأكثر انسجاماً مع نفسه، من بين كل القيادات الفلسطينية التي عرفتها دروب جلجلة المسيرة الكفاحية الفلسطينية، على الأقل، منذ اندلاع الثورة المعاصرة، التي يقترب عمرها الآن من نصف القرن.

نحن هنا لا نتحدث عن المسيرة الأوسلوية التنازلية التي هو أول من وضع لبناتها وشارك في هندسها ويشرف الآن على خواتيمها، والتي كل هذا الواقع الفلسطيني الراهن هو من تداعياتها، وحيث لا تأتي حكاية تأجيل قانون غولدستون إلا قطرة في بحرها بأمواجه التنازلية المتتالية، وإنما نحن نشير إلى مسيرة رجل رافق الثورة وكان من قياداتها التاريخية والآن هو من قليلهم المتبقي، والذي لم يكن يوماً معها، بمعنى لا مع مبادئها ولا مع أهم شعاراتها، أو بصورة أدق مع أسمنطلقاتها، وهذا ما جاهر به، فالجميع يعلم أنه لم يكن يوماً يقيم وزناً للكفاح المسلح الذي هو منطلقها الرئيسي للتحرير، كما لم يرى جدوى من المقاومة المسلحة، ولم يتردد في توصيف عملياتها الاستشهادية بالحقيرة كما هو معروف، ولم يكن يؤمن يوماً بجدية التضامن العربي، أو يصدق مقولة أن الأمة هي التي تحرر وعلى الفلسطينيين مواصلة الاشتباك والصمود حتى يأتي أوان هذا التحرير… لم يكن يصدق في يوم من الأيام أن العدو يمكن أن يهزم، وعليه يرى أن ليس من بدٍ من محاورته ومفاوضته وتلمس ما يتاح من سبل الضغط عليه أو المساعدة، ممن هم وراء تمكينه دعماً ورعايةً وجعله عصياً على الهزيمة، لدفعه لأن يعطينا بعضاً من حقوقنا… أما ما تبقى ممن هم حوله الآن فهم مجرد جوقة انحازت إلى مصالحها التي غدت متقاطعة مع مصالح العدو الذي تواجهه سلمياً، وبالتالي اندرجت تحت عباءة أبو مازن المستظلة بخيمة متعددة الظلال احتلالياً وعربياً وغربياً تؤمن لهذه العباءة ومن هم تحتها دوام الاستمرارية وطول البقاء… لقد كان أبو مازن دائماً صادقاً مع نفسه منسجماً مع قناعاته ويجاهر بها ولا يتستر عليها، وعليه، أنا لا أفهم كل من يدعي في ساحتينا الفلسطينية والعربية، على الأقل، أنه مصدوم أو صدمته ما انتهت إليه حكاية غولدستون في جنيف، أو في حصاد عرضها على مجلس الأمن، الذي استند إلى ما انتهت إليه في جنيف في تبرير رفضه لمناقشتها. والتي كانت مقدماتها قد بدأت في لقاء نيويورك الثلاثي، أوباما- نتنياهو- عباس، ومن ثم أعلنها السفير خريشة في جنيف… ليقول القائلون: لسنا ملكيين أكثر من الملك!

قد يقول قائل، وإذا كان الأمر هو كذلك نهجاً ومقدمة ونتائجاً، فما هو سر هذا الارتباك واللعثمة في تعابير السلطة على ألسنة أهلها وهم يبررون جريمة تأجيل تقرير غولدستون… من نفي سابق للتأجيل، إلى تحميل العرب والمسلمين والقوى العظمى المسؤولية، إلى اعتبارها مجرد خطأ ارتكب، فتبادل عملية تحميل المسؤولية عن ارتكابها فيما بينهم، فاتهامات صريحة لأبي مازن باتخاذ قرارها وحده… إلى الشكوى من “حملة لإغتيال الرئيس عباس سياسياً”، وهكذا وصولاً إلى محاولات تبرير الجريمة بما يتناقض فيه التبرير عما سبقه أو وازاه أو تبعه… وأخيراً وياللسخرية: الزعم بأنها كانت “للحؤول دون إصدار قرار ضعيف” بشأن التقرير؟؟!!

قبل الإجابة… وبانتظار من سيكون كبش الفداء في رام الله… وما يعد به القول، بأن “الرئيس سيوجه كلمة إلى الأمة” حتى الآن لم يوجهها… تصوروا أن ياسر عبد ربه يخرج منتقداً، ونبيل عمر مُتهِماً… وأن دحلان هو الأشد تعبيراً عن غضبه!.. أما للإجابة، فنكتفي بالتذكير بمقولة: أن الفئران هي دائماً أول من يبادر إلى مغادرة السفينة الغارقة!

وإذا كان هذا هو حال فلسطيني التسوية التي تقود كل دروبها إلى التصفية، والتي ما جرى في جنيف لا يأتي إلا في سياقها، فما هو موقف أطرافها الأخرى؟

ببساطة، العرب الرسميون يتنصلون مما جرى، والمسلمون عموماً غائبون أو مباغتون، والمتضامنون مع الحقوق الفلسطينية، أو غيارى الهيئات الإنسانية، مصدومون… أما الآخرون، أو ما يدعى “المجتمع الدولي”، أو غرب الولايات المتحدة، فقد أرسل ميتشل مجدداً إلى المنطقة، ليصلها تحت طائلة تقرير غولدستون، ليطالب الإسرائيليون “بمرونة أكثر”، وليعد من حيث أتى بجواب ليبرمان الواضح: “لا فرصة أبداً في السنوات القريبة للتواصل إلى تسوية تنهي الصراع مع العرب”…

الإسرائيليون، الذين هم أكثر وضوحاً وانسجاماً مع استراتيجياتهم التهويدية التصفوية للقضية من وضوح وانسجام أبو مازن في منطقة ومع نفسه ومقاصد نهجه، كانوا أول الشامتين… نقلت صحيفة “معاريف” قولهم: “هناك حدود للنفاق والتظاهر، وأبو مازن يأكل الطعام الذي طبخه، فقد كان عليه أن يتجنب الدخول في لعبة مزدوجة: من ناحية عدم الأسف على عملية الرصاص المسكوب (محرقة غزة)، ومن ناحية أخرى تأييد تقرير غولدستون”… وباشروا إلى العمل. سارعوا إلى قطف ثمار المسيرة التي كان التأجيل من فاكهتها المرة، قال سلفان شالوم نائب رئيس الوزراء: إن “معركة فرض السيادة على القدس، وبشكل خاص جبل الهيكل، أو المسجد الأقصى بدأت”، وثنّى على ما قاله قائد شرطة الاحتلال: “من حق اليهود أن يصلوا ويدخلوا المسجد بأمان أسوة بالفلسطينيين”، وبادر فاعتقل رئيس الحركة الإسلامية في المحتل من فلسطين عام 1948 الشيخ رائد صلاح المعتصم دفاعاً عن الأقصى… أقفل أبواب الحرم المقدسي وواصل الاحتلال قمع المقدسيين، وسارع المستعمرون بالاحتفال بإقامة مستعمرة جديدة في جبل المكبّر، أطلق عليها “نوف تسيون”…

قد يتساءل حشري، وإذا كان هذا هو حال سائر من سبقوا، فماذا عن حال القوى الفلسطينية الأخرى، نعني المعارضين والمقاومين؟!

المعارضون المشاركون في السلطة وتنفيذية عباس، وأوابد هيئات المنظمة المهلهلة المصادرة، شجبوا واستنكروا وولولوا، وبقوا حيث هم، وظلوا كما هم دائماً… والمعترضون الرافعون شعار المقاومة، لاسيما الفاعلون منهم، جرى لهم ماجرى لقوم أبو مازن من ارتباك، فانقسموا بين من قال بأنه “لايمكن المضي قدماً في المصالحة مع جهة خانت الشعب الفلسطيني”، ومن يحذّر من غائلة ما حدث حيال حكاية “الحوار الوطني”، و “المصالحة” الميمونة الموهومة بين من يتنازل ومن يقاوم، هذه المنتظرة العصيّة التي حدد الوسطاء المصريون تاريخ التوقيع عليها دون قيد أو شرط… وآخرون ينطبق عليهم القول المأثور: أوسعتهم سباً وفروا بالإبل!!!

… ما عدا هؤلاء وهؤلاء، الشعب الفلسطيني يغلي والأمة يمور غضبها تحت ظاهر هدوئها… لسان حالهما يقول: طفح الكيل…